أجاب عليها الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق ﵏ اجمعين
وردت في كتاب الدرر السنية ومسائل نجدية الجزء الاول هذا نصها
الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، عفا الله عنه:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أشرف المرسلين، وعلى آله، وأصحابه والتابعين.
أما بعد: فقد وقع البحث في الحديث، الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " لا تقوم الساعة، حتى يخرج رجل من
[ ١٢ ]
قحطان، يسوق الناس بعصاه " فصرح بعض الحاضرين، بأن القحطاني المذكور في هذا الحديث، هو: محمد بن رشيد، الذي خرج في أواخر المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة، وعظمت شوكته، وانتشرت دولته في أوائل المائة الرابعة، واستولى على كثير من البلدان، النجدية، وقهر جماعات من أهل، البادية، حتى استسلم لأمره كثير من أهل نجد، واليمامة، أو أكثرهم؛ فسألني بعض الخواص، هل يسوغ القول بما قاله هذا القائل؟ وهل ينبغي الجزم به؟ أم لا؟
ثم بلغني عن الإخوان: أنه نسب هذا إلى صديق حسن الهندي، وأنه نقل عن صديق، أن الحديث يفيد: أن القحطاني المذكور في الحديث، مسلم، وليس بمؤمن؛ فعنَّ لي أن أذكر بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم، على هذا الحديث، مع كلمات يسيرة، يستفيد بها السائل؛ وإن كنتُ لست أهلًا لذلك، لقلة العلم، وعدم وجود من استفيد منه، من أهل التحقيق.
ولأن الكلام على أحاديث الرسول، مما يحجم عنه الجهابذة الفحول، فكيف بمن هو مزجى البضاعة، قاصر الباع؟ وإني لمعترف - والصدق منجاة - بأن: طلب الإفادة، ممن هو مثلي، من عجائب الدهر، ولكن الضرورة قد تلجيء إلى أعظم من ذلك، فأقول في الجواب:
اعلم: أن قول القائل، إن القحطاني المذكور في الحديث، هو الرجل الذي وصفنا، لاشك أنه تعيين لمراد المعصوم ﷺ، وتبيين لمقصوده، وهذا مفتقر إلى أحد شيئين؛ الأول: النقل الثابت عنه ﷺ، برواية الثقات؛ ونقل: العدول، المعتبرين عند أهل النقل بالتنصيص، على المقصود بكلامه، إنه هذا الرجل بعينه؛ وهذا: مما لا سبيل إليه البتة.
الثاني: وجود القرائن، وقيام الشواهد، الدالة على أن المراد بقوله ﷺ هو هذا؛ ولكن لا يطلع عليها إلا من حصل المعرفة التامة بمدلول لفظ الحديث وضم إلى ذلك النظر في سيرة هذا، الذي يدعى انه المقصود واعتبار حاله وما كان عليه، وأما الجزم
[ ١٣ ]
بالتعيين مع تخلف العلم بمدلول الفظ أو وجود بعض الاحتمالات التي يتعذر معها الجذم بالمفهوم أو عدم اعتبار حال المدعى انه المراد، والإعراض عن التفتيش في سيرته فلا يخفى بعده عن العلم المفيد عند أهل المعرفة.
وإذا عرف هذا فنقول: قال بعض أهل العلم في معنى الحديث، هو كناية عن استقامة الناس وانقيادهم لهم واتفاقهم عليه، قال إلا أن في ذكرها - يعنى العصا -دليل على عسفه لهم وخشونته عليهم وقال بعضهم هو حقيقة أو مجاز عن القهر، والضرب، ونقل: محمد طاهر الهندى، في شرح غريب الآثار عن شرح الصابيح، أنه عبارة عن التسخير، كسوق الراعي، انتهى
فظهر بهذا: إن المذكور في الحديث يكون له تسلط على الناس حتى يقهرهم ويستولي عليهم كاستلاء الراعي على غنمه بحيث لا يتخلف أحد من رعيته عن طاعته ومن تأمل ما وقع من كثير من الناس من التخلف عن متابعة هذا الأمير والخروج عن طاعته والعصيان لأمره وعرف ما قاله العلماء في معنى الحديث، أوجب له ذلك: التوقف فيما قاله هؤلاء العلماء والإنكفاف عما أقدموا عليه هذا لو لم ينقل في شأن القحطاني إلا هذا ٠
فكيف وقد قال القرطبي: يجوز أن يكون القحطانى هو: الجهجاه، المذكور في الحديث الذي رواه مسلم يشير إلى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " لا تذهب الأيام والليالى، حتى يملك رجل، يقال له الجهجاه " ونقل في بعض الأخبار: أن خروج القحطاني بعد المهدي كما سيأتي بيانه ٠
وأما إسلام القحطاني، أو إيمانه، فليس في حديث الصحيحين تعرض لذلك، وقد تقدم الحديث، ولفظه: " لا تقوم الساعة، حتى يخرج رجل من قحطان، يسوق الناس بعصاه " وليس في هذا ما يدل على إسلامه، ولا إيمانه، كما أنه لا يدل على كفره، ولا نفاقه، بل هذا: خبر مجرد كإخباره ﷺ بالجهجاه وهذا من أنباء الغيب التي أخبر بها
[ ١٤ ]
ﷺ كما أخبر بالفتن، والملاحم، والدخان، والدابة، وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من
مغربها، وغير ذلك مما أخبره به ﷺ مما سيكون نعم: إن ثبت ما رُوى: أن خروج القحطاني يكون بعد المهدى، وأنه يسير على سيرة المهدى، فلا شك أنه من أهل الإسلام والإيمان ومن الدعاة إلى شريعة محمد ﷺ فقد وردت أحاديث تدل: على خروج المهدي، وحكمه بالقسط والعدل، وهى: مذكورة في سنن أبي داود، وابن ماجة وغيرهما، منها: حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال " لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم، لطوّله الله حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، يوطء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا" وقد ورد حديث، فيه: " لا مهدى إلا عيسى بن مريم ".
قال شيخ الإسلام: ابن تميمة رحمه الله تعالى هو حديث ضعيف رواه يونس عن الشافعي عن شيخ من أهل اليمن ولا يقوم بإسناده حجه وقال الذهبي في الميزان يونس ابن عبد الأعلى، أبو موسى الصدفي، روى عن ابن عيينة وابن وهب وعنه ابن خزيمة، وأبي عوانه، وخلق، وثقه: أبو حاتم وغيره، ونعتوه بالحفظ، والعقل إلا انه تفرد عن الشافعي بذلك الحديث: " لا مهدي إلا ابن مريم " فهو منكر جدًا، انتهى ٠
وقال: صديق - في عون الباري بعد ذكر حديث القحطانى يكون بعد المهدي ويسير على سيرته، رواه أبو نعيم بن حماد في الفتن، انتهى، فإن ثبت هذا فهو يدل مع أحاديث المهدي على تأخر خروج القحطاني وأنه لا يخرج إلا بعد خروج المهدى وأنه يكون على سيرة حسنة وحالته مرضية، لا كما نقل عن البعض، أن حديث الصحيحين، يدل على أنه: مسلم، وليس بالمؤمن فإن الحديث لا يدل على ذلك لا بمنطوقه، ولا بمفهومه، فإن كان صديق قال ذلك، فلا يخفى ما فيه.
[ ١٥ ]
وكذلك النقل عن صديق أنه قال: أقرب ما يكون القحطاني الذكور في الحديث، أنه محمد بن رشيد في ثبوته عنه نظر، فقد قدمنا في هذا جزم صديق في كتابه بأن خروج القحطاني يكون بعد خروج المهدى واستدلاله على ذلك بما رواه أبو نعيم، فكيف يتفق هذا، وذاك؟! ولا شك في عدم ثبوت هذه المقالة عمن اخذ عن صديق وسمع كلامه ٠
فلذلك: أقول ينبغي أن ينظر فيمن نقل هذا عن صاحبنا، الذي نقل عن: صديق، وعلى تقدير ثبوت هذا فهو قولٌ مجردٌ عن الدليل، ومناقض لما قرره، هو واستدل عليه، كما عرفناك قريبا
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) [النساء:٨٢] والله أعلم