** ومن السنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ:
«يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ بِلَالٌ: "مَا عَمِلْتُ أُصَلِّيَ". (^١)
** وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْخُلَهُ -يَا بْنَ الْخَطَّابِ- إِلَّا مَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرَتِكَ»، قَالَ: "وَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! ". (^٢)
**وعن أنسٍ -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ ما رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قالوا: "وما رَأَيْتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ " قال: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ والنّارَ». (^٣)
وعن عِمْرانِ بنِ حُصَينٍ عن النبي -ﷺ- قال: «اطَّلَعْتُ فِي النّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِها النِّساءَ». (^٤)
وقد عقدَ البخاريُّ في صحيحه بابًا قال فيه: "باب: ما جاء في صفة الجَنة، وأنها مخلوقة"، وذكرَ أحاديثَ، منها: ما تقدَّمَ مِن أنّ الله يُري الميتَ مَقعدَه من الجنة والنار بعدَ أن يُوضعَ في قَبْرِهِ. (^٥)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه أحمد (١٢٠٠٨).
(٣) صحيح مسلم (٦٤٦).
(٤) متفق عليه.
(٥) تنبيه: مِن العلماء مَن استدل على مسألة الباب بقوله -تعالى-: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، حيثُ ذكرَ الله -تعالى- قصة آدمَ وحوّاءَ -﵉-، وإسكانهما الجَنّةَ، فلو لم تكُن الجنةُ موجودةً لَمَا كانَ هناك مَعنًى لإسكانهما بها، وإذا ثبتَ خلْقُ الجنة ثبتَ خلْقُ النار؛ لأنه لا قائلَ بالفَصْل. قالوا: ومما يدل على أنها جنة الخُلْد: أنّ الله -تعالى- ذكرَ لآدم -﵇- أوصافَ هذه الجنة عندَ إدخالِه إياها، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في جنة الخلد، وهذه الأوصاف لا تُعقل إلا في الجنة الموعودة، قال -تعالى-: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا= =يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٧ - ١١٩]، أخبرَ أنه لو خرجَ من الجنة يَشقى، وأنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، وهذا من صفات جناتِ عَدْنٍ، لا مِن صفات جنّات الدنيا؛ فدلّتْنا هذه الآية أنّ آدم -﵇- كان في جنات عدنٍ. *يؤيّده: أنّ اللام في لفظ "الجنة" هي لام العَهْد، فقوله -تعالى- لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ذكرَ الجنة بلام التعريف، فيَنصرفُ إلى ما هو المعلومُ عند المسلمينَ، وليس ذلك إلا دارَ الثوابِ". وانظر لذلك [خلْق الجنة والنار بين (أهل السنة والجماعة) و(المعتزلة)] - د. محمد النويهي (ص/١٤٠).
[ ١ / ٢٠٦ ]
*الإجماع:
قال القاضي عِياضٌ:
"مَن أنكرَ الجنة أو النار فهو كافرٌ بإجماعٍ؛ للنَّصِّ عليه، وإجماعِ الأمة على صِحّة نَقلِه متواتِرًا، وكذلك مَن اعترفَ بذلك ولكنه قال: إنّ المراد بالجنة والنار معنًى غيرُ ظاهِرِه، وإنّها لَذّاتٌ روحانية ومعانٍ باطنةٌ، كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعضِ المتصوِّفة". (^١)
الدليل العقلي على خلق الجنة والنار:
دليل الإمكان:
يُقصد بهذا الدليل: أنّ العقل لو تُرك ونفْسه دُونَ مؤثِّرٍ خارجيٍّ لَحَكَمَ بجواز خلْق الجنة والنار، فلا يُرتَّبُ على خَلْقِهما أيُّ مُحالٍ.
وفي ذلك يقول القيروانيُّ: "واعلمْ أنّه لا إحالة في خلْق الجَنّة". (^٢)
الشاهد من ذلك: أنَّ الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآنَ بإجماع أهل السنة.
* ولَمْ يَزَلْ على ذلك أهلُ السنة حتى ظهرَ المخالفون في ذلك، ومنهم:
١) الجهمية والمعتزلة:
لم يقعْ خلاف بين أهل السنة والجماعة والمعتزلة في حقيقة الجنة والنار
_________________
(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ٢٩٠).
(٢) وانظر النُّكَتُ المفيدة في شرح الخُطبة والعقيدة (ص/ ١٣٢). بل إنّ الرازيّ يجعل دليل الإمكان مع ورود النص ضابطًا لثُبوتِ مِثلِ هذه القضية العقدية الغيبية، فيقول: "والضابط في جميع هذه الأبواب: أنّ كل ذلك مُمْكِنٌ، وقد وردَ الخبرُ الصِّدْقُ به؛ فوجبَ تصديقُه". وانظر الإشارة في أصول الدين (ص/٣٥٢).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وثُبوتهما؛ لأنَّها من المسائل العقدية التي لا تحتمل الخلاف، لوُرودها بأدلة قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة.
* يقول القاضي عبدُ الجبّار:
"فإنّ الأمة أجمعتْ على أنْ لا دارَ غيْر الجنة والنار". (^١)
وإنما خالف أهل البدع جماهير أهل السنة في وجودهما، فقد أنكر الجهمية وأكثرُ المعتزلة أن تكون الجنة والنار مخلوقتينِ الآنَ، وقالوا: إنهما تُخلقانِ يوم الجزاء، بل قد زاد في الضلالة مدًا ذلك الذي وصف من يقول بوجودهما الآن بالكفر، وهو هشام بن عمرو الفوطي، وكان من جملة القدرية وزاد عليهم في بدع كثيرة.
والذي حملَهم على هذا: إنما هو القياس الفاسد؛ حيث قاسوا أفعال الله -تعالى- على أفعال خلقه، وقالوا: إن الله ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!!
** فقالوا:
خلْق الجنة والنار قبلَ الجزاء عَبَثٌ؛ لأنهما تَصيرانِ معطَّلتينِ مُدَدًا مُتطاوِلة!!
فردُّوا من النصوص ما خالفَ هذه الشريعةَ الباطلةَ التي وضعوها للرب -تعالى-، وحرَّفوا النصوص عن مواضعها، وضلّلوا مَن خالفَ قولَهم وبدَّعوه. (^٢)
* والصحيح الذي عليه جماهير أهل السنة، والذي قد دل عليه الكتاب والسنة:
أنّ الجنة والنار مخلوقتانِ الآن؛ فهذا ما أفادَه النقلُ، وأمّا العقلُ فسواءٌ في ذلك
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة (ص/٦٢٣).
(٢) وانظر التبصير في الدين (ص/٢٦٥) وشرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٢٠)، والفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل (٤/ ٦٨). وممن قال بذلك من رُءوس المعتزلة: أبو هاشم، وعبد الجبار. وقد خالفهم في ذلك: أبو علي الجبائي، وأبو الحسين البصريّ، وبِشْر بن المعتمر، فقالوا بقول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. وانظر شرح العقائد النسفية" (ص/٢٥٣)، و"خلق الجنة والنار بين أهل السنة والجماعة، والمعتزلة " (ص/١٤٨).
[ ١ / ٢٠٨ ]
أعَلِمَ الحِكمة من وُجودهما أم لَمْ يَعلم، فمَدارُ الأمر على التسليم.
وقد نصَّ البيجوري على انعقاد الإجماع على أن الجنة والنار مخلوقتانِ الآنَ، وذلك قَبْلَ ظُهور المُخالِف. (^١)
قال الغزالي:
"قوله -تعالى- عن الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾: دليلٌ على أنها مخلوقة، فيجب إجراؤه على الظاهر؛ إذْ لا استحالةَ فيه، ولا يُقال: لا فائدةَ في خلْقهما قبلَ يومِ الجزاء؛ لأن الله -تعالى- ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ". (^٢)
٢) الفلاسفة، والمَلاحدة:
قالوا: ليس عندنا جنة ولا نار، إنما الربُّ يذكُر ذلك في القرآن من باب زجْر الناس فحسْب.
** فرعٌ: مكانُ الجنة والنار:
أمّا الجنة: فهي فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عَرْشِ الرحمنِ.
قال -تعالى-: ﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]،
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فإنَّهُ أَوْسَطَ الجَنّةِ، وأعلى الجَنّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنْهُ تفَجَّرُ أَنْهارُ الجَنّةِ». (^٣)
فثبتَ بهذا الحديث أنّ: الجنة تحت عرش الرحمن.
وقد ثبتَ في حديث قصة الإسراء في صحيح مسلم (١٦٢): أنّ سِدْرة المنتهَى فوقَ السماء السابعة؛ وعليه فالجنةُ يقينًا -والعلمُ الحق عند الله- فوقَ السماء السابعة، وتحتَ عرش الرحمن، كما دل عليه هذانِ الحديثانِ.
* أمّا مكانُ النار:
ففي الأرض السابعة: قال -تعالى-: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٧ - ٩].
_________________
(١) تُحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص/٥٠٢).
(٢) قواعد العقائد (ص/٢٢٧).
(٣) البخاري (٧٤٢٣).
[ ١ / ٢٠٩ ]
و"سِجِّينٌ": الأرض السُّفْلَى؛ فالنَّار: في الأرض.
وقد رُوِيَ في هذا أحاديثُ، لكنها ضعيفة، ورُوِيَ آثارٌ عن السَّلف كابن عباس وابن مسعود، وهو ظاهر القرآن: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والذين كذَّبوا بالآيات واستكبروا عنها "لا شَكَّ أنّهم في النّار". (^١)
* وفي حديث البراء -﵁- في حق الكافر، يقول الله: «اكْتُبُوا كِتابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا». (^٢)
* قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى (كلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧» (المطففين: ٧):
والصحيح أن "سجينا" مأخوذ من السجن، وهو الضيق؛ فإنَّ المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق، والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. (^٣)
والحاصلُ: أنّ الجنة فوقَ السماء السابعة، وسَقْفُها العرشُ، وأنّ النار في الأرض السابعة على الصحيح المعتمَد، والله أعلم. (^٤)