شيئًا من هذه الخمس-مفاتيح الغيب-فقد كفر بالقرآن العظيم". (^١)
والقاعدة. هنا: "كل من اعتقد في غير الله ما لا يُعتقد إلا في الله فقد وقعَ في الكفر الأكبر".
واعلم أنَّ الغيب على قسمين:
١) القسم الأول: الغيب المطلق (متعلِّق بالخالق):
وهو الغيب الذي يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا مما قد استأْثَرَ اللهُ -﷿- به لنفسه، ولم يخبر به أحدًا من خلقه.
قال-تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال-تعالى-: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
فلما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كانت جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب-غيرَ الوحي-من. الضلال. المبين. (^٢)
*ومن ذلك:
قوله -تعالى- لنبيه ﷺ ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وكذلك قوله ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
** عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ» (^٣).
** وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
"مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا
_________________
(١) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القُبورية (٢/ ٩٢٨).
(٢) أضواء البيان (٢/ ١٩٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤٦٩٧).
[ ١ / ٩٥ ]
مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» (^١).
** وفي حديث جبريل -﵇- لما سأل النبيَّ -ﷺ- عن الساعة، قال النبي -ﷺ-: «ما المسئولُ عنها بأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ». وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن الملائكة لا يعلمون متى الساعةُ.
** ولما سمع النَّبِيُّ -ﷺ- جاريةً تقول: "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدِ" قَالَ لها -ﷺ-: «دَعِي هَذِهِ، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ؛ ما يَعلمُ ما في غَدٍ إلا اللهُ» (^٢).
٢) القسم الثاني- الغيب النسبي) متعلق بالمخلوق):
وهو الذي يتعلق بالمخلوق، أي: يعلمه بعض المخلوقين ولا يعلمه بعضهم، فيكون بالنسبة لك غيبًا، وبالنسبة لغيرك معلومًا، فهذا إنما يُسمى غيبٌ بالنسبة للجاهل به الذي لا يعلمه، وليس بغيبٍ للذي يَعلمه. ** ومثال ذلك: في قول عيسى -﵇- لقومه: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩].
** والآيات في ذلك كثيرة، ومنها ما يلي:
الحوادث التاريخية، فإنها غيب بالنسبة لمن لم يَعلم بها، لذلك قال الله -تعالى- للنبي -ﷺ-: ﴿ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وفي قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وبهذا يتبين أن النبي -ﷺ- لم يكن يعلم الغيب علمًا كليًّا، وإنما كان يعلمه علمًا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤٣١٨)، وانظر الصحيحة (١٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٧٩) والترمذي (١٠٩٠).
[ ١ / ٩٦ ]
جزئيًّا في حدود ما أطلعَه الله - تعالى- عليه.
فالله يوحي إلى الرسل ما يشاء، كما أوحى إلى نبينا -ﷺ- أشياء كثيرة من أمر الآخرة وأمر القيامة وأمر الجنة والنار، وما يكون في آخر الزمان من الدجال ونزول المسيح، وهدم الكعبة، ويأجوج ومأجوج، وغير ذلك مما يكون في آخر الزمان، كل هذا من علم الغيب أوحى الله إلى نبيه -ﷺ-، فعلمنا إياه وصار معلومًا للناس، وهكذا ما يعلمه الناس من أمور الغيب عند وقوعه.
** وفي قصة موت سليمان -﵇- قال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤]. (^١)
قال قَتادةُ: " لو كان أحدٌ يَعلم الغيب لَعَلِمَ الجنُّ حيثُ مات سليمان -﵇- فلَبِثَتْ تَعملُ حَوْلًا في أشدِّ العذاب، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خَرَّ تبيَّنتِ الجنُّ أنْ لو كانت تعلم الغيبَ ما لَبِثوا في العذاب المُهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك، أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غدٍ؛ فابتلاهم الله بذلك". (^٢)
* ومن خلال ما سبق مِن ذِكر أقسام الغيب، يكون حُكم من ادَّعى علم الغيب
_________________
(١) قال العلامة الآلوسي: "وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبَلة، بل يشمل الأمور الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضا" [روح المعاني] (٢٢٩/ ١١). ** ومن القصص التي تتعلق بمسألة الغيب النسبي: ما وقع مع بعض الصالحين، لما دخل على بعض الأمراء وعنده عرّاف يقول للناس: خذوا ما شئتم من الحصى في أيديكم وأنا أعرف كم، فيأخذ الناس الحصى ويخبئونه عن ذلك الرجل، فيَعُدّونه، ثم يقول ذلك العرافُ: في يدك كذا من الحصى عدد كذا، ويكون كلامه صحيحًا، فلما جاء ذلك الرجلُ الصالح قال: أنا أتحداه أن يعرف ما في يدي، فأخذ قبضة من الحصى، فلم يَعُدَّها، قال: كم بِيَدي؟ قال: كذا، فعَدَّها، فإذا هي بخلاف ما قال العرافُ. فقالوا له: كيف فعلتَ؟! قال: أنتم عددتم لَمّا قبضتم الحصى، فَعَدَّ معكم القَرينُ فأَخبرَه، وأنا لم أَعُدَّ، فلم يَعُدَّ معي القَرينُ، فلم يستطع أن يعرف!
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم (١٦٥٣٦)، وانظر الشرك في القديم والحديث (ص/٤٧٢).
[ ١ / ٩٧ ]
ومَن صدَّقه في ذلك على تفصيل:
١) من ادَّعى علم الغيب المطلق فقد كفرَ؛ لأنه مكذب لله -﷿-، قال الله -تعالى-:
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وإذا كان الله -﷿- قد حجبَ عن نبيه -ﷺ- علم الغيب، فهل أنتم تعلمونه؟!
كذلك فإن علم الغيب هو من اختصاص الله -﷿-، فمن ادّعى معرفته فقد جعل نفسه شريكًا لله-تعالى-في ذلك!
** كذلك يقال هنا:
"لمَّا تَمَدَّحَ -سُبحانَه- بعلم الغيب واستأثَرَ به دُونَ خَلْقِه، كان فيه دليلٌ على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعَهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعلَه معجزة لهم، ودلالة صادقة على نُبوّتهم، وليس المنجِّم ومَن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير- ممن ارتضاه من رسول فيُطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه". (^١)
** ومن اعتقد في منجم أو رَمَّال أنه يعلم الغيب فهو مشرك بالله؛ وذلك لأنه اعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله -﷿-.
* قال السعدي:
"فإن الله -تعالى- هو المنفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكِهانة أو عِرافة أو غيرهما، أو صدّقَ من ادّعى ذلك، فقد جعل لله شريكًا فيما هو مِن خصائصه، وقد كذَّب اللهَ ورسولَه". (^٢)
فالذي أُنزِل على محمد هو قول الله -تعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وهذا من أقوى طرق الحَصْر; لأن فيه النفي والإثبات; فالذي
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ٢٨).
(٢) القول السديد (ص/١٠٠).
[ ١ / ٩٨ ]