وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. (^١)
**الفائدة الثالثة:
مقتضى كلمة "لا إله إلا الله":
المقصود الأعظم من هذه الكلمة إنما هو: تحقيق معناها في القلب، مع النطق بها باللسان، والقيام بمقتضاها بالجوارح.
ولا أدلَّ على ذلك مِنْ: إجماع السلف على أنّ مَن نطقَ الشهادة ولم يعتقدْ معناها ولم يعملْ بمقتضاها، فإنه لا يكون مسلمًا، ويُقاتَلُ على ذلك، حتّى يعملَ بما دلَّت عليه من النفي والإثبات.
*قال عبد الرحمن بن حسن:
فقوله -ﷺ- «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ» أيْ:
مَن تكلّمَ بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا؛ فلا بد في الشهادتينِ من العلم واليقين والعملِ بمدلولهما، كما قال الله -تعالى-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]؛
أمّا النطق بها مِن غير معرفة لمعناها ولا يقينٍ ولا عملٍ بما تقتضيه -مِن: البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل (قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح) - فغيرُ نافع بالإجماع، وفي الحديث ما يدلّ على هذا، وهو قوله: «مَنْ شَهِدَ»؛ إذْ كيفَ يَشهدُ وهو لا يَعلمُ، ومجرَّدُ النطقِ بالشيء لا يسمَّى شَهادةً به". (^٢)
* الفائدة الرابعة:
"لا إله إلا الله" مركَّبة من: نفي، وإثبات، وهما رُكْنا شهادة التوحيد، فقوله "لا إله" فيه نفي استحقاق العبادة عمَّن سوى الله، وقولُه "إلا الله" فيه إثبات العبادة لله -تعالى- وحده لا شريك له.
** وتحقيق كلمة التوحيد إنما يُبنى على النفي والإثبات، وهذا هو حقيقة التوحيد؛ فالنفي المَحْضُ ليس بتوحيدٍ، وكذلك الإثبات دُونَ نفيٍ لا يمنع المشارَكةَ، فلا يكون
_________________
(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (١/ ٦١).
(٢) انظر فتح المَجيد (٣٩ - ٤١)، والمختصر المفيد في عقائد أئمة التوحيد (ص/٧١).
[ ١ / ١٩٧ ]
التوحيد إلا متضمِّنًا للنفي والإثبات. (^١)
** وهذا ما نستقرئه من مواضعَ عديدةٍ:
فمن القرآن:
قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لأبيه وَقَوْمِهِ إنني بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]،
وقوله -تعالى- على لسان إبراهيم -﵇-: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]،
وقال -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]،
وقال -﷿-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]،
*ومن السنة:
في حديث جبريل -﵇- قَالَ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ -ﷺ-:
«الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا». (^٢)
** ولا أدلَّ على ذلك مِنْ حرصِ الرسول -ﷺ- على تأكيد هذا الأصل دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ، فكان يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ». (^٣)
** وهذا الأصل -الذي هو النفي والإثبات- لا يُحقَّق التوحيد إلا به، فالإثبات وحدَه لا يكفي للحكم بإسلام المرء، فمَن أثبتَ العبادة لله قولًا وعملًا، ولكنْ ما نفاها عن غيره، فسوَّغَ لغيره -مثلًا- أن يعبد غيرَ الله -تعالى- فهذا كافرٌ، حتى لو أفردَ العبادة لله -تعالى-؛ لأنّ هذا اعترافٌ منه أنّ غير الله -تعالى- يستحق أن يُعبد.
* ولقد قاتلَ الرسول -ﷺ- المشركين الذين حقّقوا طرفًا من الإثبات على عِوَجٍ منهم في ذلك؛ لأنهم ما حققوا نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى، وقد حكى الله
_________________
(١) التّخَلّي عن التقليد والتّحلّي بالأصل المفيد (ص/٧٣).
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (٥٩٤).
[ ١ / ١٩٨ ]
عنهم قائلًا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢]
فهُم ما أشركوا إلّا لمّا دُعوا إلى تحقيق نفي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، فهم ما أنكروا على رسلهم أصلَ قضية الدعوة إلى الله، بل كان إنكارهم لتحقيق نفْي الألوهية عمَّن سوى الله تعالى.
* وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ»، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ، وَمَا مَلَكَ. (^١)
** عَودٌ إلى حديث الباب
قوله ﷺ: «وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه»:
وهذه مَنزلة التوسُّط بين الإفراط والتفريط في حق النبي -ﷺ-،
وهذا الذي نصَّ عليه كتابُ الله -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]، فوصْفه -ﷺ- بمقام العبودية والبشرية فيه ردٌّ على الغلاة الذين بالغوا في شأن النبي -ﷺ-، حتى قالوا في حقه ما لا يقال إلا في حق الله تعالى، وحتّى جَوَّزُوا الاستغاثة بالنبي -ﷺ-، وقاموا يسألونه عند المُلِمّات لكَشف الكُرُبات!
* وكم كان الرسول -ﷺ- حريصًا على إغلاق باب الغلو فيه -ﷺ-، وسدّ كل الذرائع المُفْضِية إلى ذلك!
* عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: «أَجَعَلْتَنِي لِلهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ». (^٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٨٥).
(٢) أخرجه أحمد (١٨٣٩). انظر السلسلة الصحيحة (١٣٦).
[ ١ / ١٩٩ ]
* ولمّا قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَد، قالَ لها النَّبِيُّ -ﷺ-:
«لا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ». (^١)
* وقال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». (^٢)
** وقوله -ﷺ- «فإنّما أنا عبدُ الله ورسولُه» هو من أساليب اللغة في الحصر، أي: ما هو -ﷺ- إلا عبدٌ رسولٌ، وجاء هذا الحصرُ بعد فاءِ التعليل؛ لِبيانِ أنّ العلة في عدم الإطْراء هي كَونُه -فحسْبُ- عبدًا رسولًا، فهو عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يكذب. (^٣)
هكذا مقام عدم الإفراط
وأما عدم التفريط فإنّ النبي -ﷺ- هو نبيُّ الله وَرَسُولُهُ، فقد جاءت البِشارة به في: التوراة، والإنجيل، والقرآن.
قال -تعالى-: ﴿الذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وعن عبد الله بن عمرو - ﵄- وقد سُئل عن صِفة رسول الله -ﷺ- المذكورة في التوراة، قال:
"وَرَدَ في التوراة: "يا أيها النبيُّ، إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبْدي ورسولي، سَمَّيْتُكَ (المُتَوَكِّلَ)، ليسَ بِفَظٍّ ولا غليظٍ ولا صَخّابٍ في الأسواق، ولا يَدفعُ بالسيئةِ السيئةَ، ولكنْ يعفو ويَغفرُ". (^٤)
*وأدلة ذلك في القرآن كثيرة:
قال -تعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٠٠١).
(٢) أخرجه أحمد (١٦٤)، والبخاري (٣٢٦١).
(٣) التوضيح الرشيد في شرح التوحيد (ص/١٤٧).
(٤) أخرجه أحمد (٦٦٢٢)، والبخاري (٢١٢٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
٢٩]،
وقال -تعالى-: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
** مَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ:
الذي تقتضيه هذه الشهادةُ هو تصديق القلب أنّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ رسولٌ مِن عند الله، والتصديق واليقين بأنّه رسول الله إلى جميع الناس، وكذلك تصديقه في كل ما أخبرَ به عن رب العِزّة.
وهذا التصديق لا ينفع صاحبَه إلا إذا قُرن بطاعته -ﷺ- فيما به أَمَرَ، وفيما عنه نَهى وزَجَرَ.
قال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وليس مجرَّد التصديق فحسْب، وإلّا فاليهودُ كانوا على يقينٍ أنه رسول الله: قال -﵎-: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]؛ فلم ينفعْهم ذلك!
وقد نفى الله -تعالى- الإيمان عمّن ادّعى تصديق الرسول -ﷺ- ثم أعرضَ عن اتّباعه: قال -تعالى-: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧].
** قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"الله -تعالى- خلقَ الخَلْق لعبادته، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنّما تَعَبَّدَهُمْ بطاعته وطاعةِ رسوله -ﷺ-". (^١)
** واعلمْ أنَّ الشهادتين تَشمَلان نوعينِ من التوحيد: (توحيد العبادة)، و(توحيد الاتّباع).
فكما نشهد أنّه "لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ" -وهذا هو توحيد العبادة- نشهد كذلك
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١/ ٤).
[ ١ / ٢٠١ ]
أنّه "لا متبوعَ بحقٍّ إلا رسولُ الله -ﷺ-".
** وهذا ما ذكره الله -تعالى- في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وذلك تحقيق الشهادتينِ.
** قال -تعالى-: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].
قال الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ:
"أحسنُ العملِ: أخلصُه وأصوبُه، فإنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبلْ، حتّى يكون خالصًا صوابًا. والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السّنّة". (^١)
*قال ابن كَثيرٍ:
"لا يكون العمل حَسَنًا حتى يكون خالصًا لله على شريعة رسول الله، فمتى فقدَ العملُ واحدًا من هذينِ الشرطينِ حَبِطَ وبَطَلَ". ا. هـ (^٢)
* يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وجِماع الدِّين شيئانِ: أحدُهما: ألّا نعبد إلا اللهَ -تعالى-، والثاني: أن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبِدَع، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وكان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهم اجعلْ عملي كلَّه صالحًا، واجعلْه لوجهك خالصًا، ولا تجعلْ لأحدٍ فيه شيئًا". (^٣)
* قال ابن القيم:
"العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ كالمسافر يملأ جِرابَه رَمْلًا، يُثْقله، ولا ينفعُه! ". (^٤)
* قال ابن القيم في نونيّته:
فقِيامُ دِينِ اللهِ: بِالإخلاصِ والإحسانِ، إنَّهُمَا لَهُ أَصْلانِ
لَمْ يَنْجُ مِن غَضَبِ الإلهِ ونارِهِ إلّا الذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلانِ
_________________
(١) تفسير القرآن الكريم لابن القيم (١/ ٧٨).
(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٧٤).
(٣) المجموع (٢٨/ ٢٣).
(٤) الفوائد (ص/٤٩).
[ ١ / ٢٠٢ ]
واللهُ لا يَرضَى بِكَثْرةِ فِعْلِنا لكنْ بأحسَنِهِ معَ الإيمانِ (^١)
*وهُنا فائدة مهمة في قول ابن القيم:
واللهُ لا يَرضى بكثرةِ فعلِنا لكنْ بأحسنِه معَ الإيمانِ
وهي أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل، وهذا الذي دلَّ عليه حديث أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁-، قَالَ: "خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلْآخَرِ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». (^٢)
فقد قال النَّبي -ﷺ- للذى لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأتْكَ صَلاتُكَ»، وقال للذي أعاد صلاته: «لكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»: أجرٌ للصلاة الأولى، وأَجْرٌ للصلاة الثانية؛ ولكنَّ إصابة السنَّة أفضلُ من ذلك. (^٣)
_________________
(١) النونيّة الكافية الشافية (ص/٣٥).
(٢) أبو داود (٣٣٨)، والنسائي (٤٣٣)، وصححه الألباني.
(٣) توضِيح الأحكام مِن بُلوغ المَرام (١/ ٤٢٥). ** قال الشيخ ابن العثيمين -﵀-: "ومِن فوائد هذا الحديث: أنّ الإنسان إذا فعلَ العبادة يَظنُّ أنّ فِعلها واجبٌ عليه، فإنّه يُثابُ على ذلك ولو أخطأَ؛ لأنه عَمِلَ طاعةً لله، وتقرُّبًا إليه، فيؤجرُ على هذا. ومن فوائد هذا الحديث: أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل؛ لقول النبي -ﷺ- للرجل الذي لم يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنّةَ»، ومعلومٌ أنّ إصابة السنة خيرٌ من كثرة العمل. فإن قال قائل: وهل لو أعاد أحدٌ الآنَ بعد أن تبيّنت السنةُ، لو أعاد الصلاةَ بعد وجود الماء، هل يؤجر أو لا يؤجر؟ نقول: إنه لو كان عَلِمَ بالسنة فإنه لا يؤجرُ، بل لو قيل: إنه يأثم لَكانَ له وجهٌ؛ لأنه إذا وجدَ الماء بعد انتهاء الصلاة، فإنه ليس عليه إعادة؛ لكنه لو لم يَعلم بالسنة وأعادَ بناءً على أنّ ذلك هو الواجب عليه، فإنّ الحُكم واحد، بمَعنى: أنّ الحُكم الذي حكمَ به الرسولُ -ﷺ- للرجل الذي أعاد ينطبقُ تمامًا على مَن جَهِلَ السنّة في عصرٍ وأعادَ". ا. هـ وانظر فتْح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المَرام (١/ ٣٧٠).
[ ١ / ٢٠٣ ]
** عَودٌ إلى حديث الباب
قوله -ﷺ-: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ»:
في قوله -ﷺ- «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ» رد على النصارى، وفي قوله -ﷺ- «ورَسولُهُ» رد على اليهود.
وهكذا تكون شهادة الحق لعيسى -﵇- بين المغالاة والمجافاة، بين غلوّ النصارى الذين أَلَّهُوه مِن دُون الله، وبين جفوِّ اليهود الذين كذَّبوه، وزعَموا أنهم صلَبوه!
**وبَيْنَ هذا وذاك جاءت وسطية أمّة الإسلام، أمة الإسلام التي هي أَوْلى بكلِّ نبيٍّ كذَّبَه قومُه، وقد تجلَّت هذه الوسطية في نبي الله عيسى -﵇- كما ورد في حديث الباب، وذلك باعتقاد بَشَرية عيسى -﵇-، مع الإيمان برسالته إلى بني إسرائيل.
** وما ورد في حديث الباب من الاعتقاد في عيسى -﵇- قد نص عليه كتاب الله -تعالى-: قال -تعالى-: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، فَأَرْسَلَ اللهُ -تعالى- إِلَيْهَا رُوحَه جبريلَ -﵇- فنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها، فنزلت النَّفْخةُ حتى وَلَجَتْ فَرْجَها، فصارت حاملًا مِن ساعَتِها.
* قال ابن كثيرٍ:
"أَمَرَ اللَّهُ -تعالَى- جِبريلَ أَنْ يَنْفُخَ بِفِيهِ فِي جَيْب دِرْعِها، فَنَزَلَت النَّفْخَةُ، فَوَلجتْ في فَرْجِها، فَكَانَ مِنْهُ الْحَمْلُ بعِيسَى -﵇-". (^١)
* وقوله تعالى: «وكَلِمتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ»:
فعيسى كلمةُ الله، وقد سُمِّيَ عيسى -﵇- "كلمةَ الله"؛ لوُجوده ولخَلْقه بكلمةٍ من الله مِن غيرِ أبٍ: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فبقوله -تعالى- ﴿كُن﴾ خُلِقَ عيسى -﵇-، فإنّ "كن" هي كلمة الله -﷿-، وهي الكلمة التي ألقاها إلى مريم، وكلمةُ الله ليست مخلوقة، وعيسى -﵇- مخلوقٌ.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ١٧٣).
[ ١ / ٢٠٤ ]
* أمّا قولُه -تعالى- «ورُوحٌ مِنْهُ»:
فالمعنى: أنّ رُوح عيسى -﵇- مبتدَأة من الله -تعالى-، وأنّ الله خلقَها، كما قال الله عما خلقَ في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فكلُّ ذلك من الله -تعالى-، هو الذي ابتدأ خلْقه وأوجدَه وأعطاه ووهبَه، فلقدْ خُلق عيسى -﵇- مِن أثر نَفخة جبريل -﵇- في جَيب دِرع مريم -﵍- بأمْر الله إياه بذلك، فنُسِبَ إلى أنه رُوح من الله، فنُسبت رُوح عيسى -﵇- إلى الله -تعالى-؛ لأنها وصلت إلى مريم -﵍- في آيةٍ من آيات الله، فقدْ حَملتْ بعيسى من غير أب؛ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح.
عَودٌ إلى حديث الباب
«والجَنّةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ»:
أيْ: وشَهِدَ أنّ الجنة التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ، مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ، لا شكَّ فيها، وشَهِدَ أنّ النار التي أخبر الله -تعالى- بها في كتابه حقٌّ مخلوقةٌ موجودةٌ الآنَ لا شكَّ فيها.
قال -تعالى-: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وهذا الفعل ﴿أُعِدَّتْ﴾ في الآيات هو فعلٌ ماضٍ، دلَّ على أنّ الجنة مخلوقة موجودة الآنَ، وكذلك النارُ.
[ ١ / ٢٠٥ ]