عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٢)
فقوله صلي الله عليه وسلم: "فافعلوا":
يقتضي أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية، ويقتضي أن المحافظة سبب لهذه الرؤية. ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال، فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى. (^٣)
* قال الدارقطني:
يزورون ربهم -تبارك وتعالي- ويرفع الحجاب بينه وبينهم، فينظرون إليه وينظر إليهم، وذلك قوله "قال تعالى (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا). (^٤)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والرسول -ﷺ- قد جعل صلاتي الغداة والعشي سببًا " للرؤية " وصلاة الجمعة سببًا " للرؤية " في وقتها؛ مع ما في الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الأمور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية في وقتهما في الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال. (^٥)
_________________
(١) البيهقي وموقفه من الإلهيات (ص/٣٩١)
(٢) متفق عليه. وقد بؤب له البخاري بقوله: فضل صلاة الفجر، مما يدل على أن المحافظة على صلاة الفجر من أهم الأسباب التي يُرزق بها المرء رؤية الله في الأخرة.
(٣) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٢٣) وفتح الباري (ج ٢ / ص ٣٢٩)
(٤) رؤية الله (ص/١٦٩)
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٢٦)
[ ١ / ٣٤٤ ]
*قال ابن رجب:
ولا نسبة لما حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القرب والأنس والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عيانًا، فتتنعم قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم بقرب الله ورؤيته، وسماع كلامه، ولا سيما في أوقات الصلوات في الدنيا، كالجمع والأعياد، والمقربون منهم يحصل ذلك لهم كل يوم مرتين: بكرة وعشيا في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر، ولهذا لما ذكر النبي ﷺ أن أهل الجنة يرون ربهم، حض عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر وصلاة الفجر. (^١)
ذكر ما صح في رؤية الله -تعالي - تكون في الآخرة يوم الجمعة:
عن ابن عباس -﵄- أن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال:
"إن أهل الجنة يرون ربهم -تعالي- في كل يوم جمعة في رمال الكافور، وأقربهم منه مجلسا أسرعهم إليه يوم الجمعة وأبكرهم غدوًا " (^٢)
وعن أنسرضي الله عنه- مرفوعًا:
إذا كان يوم الجمعة تجلي الله -تعالي- لأهل الجنة، فينظرون إلي وجهه ﷿، فَلَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ وَكَرَامَتِهِ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ. (^٣)
* قال عبد الله بن مسعود ﵁:
سارعوا إلى الجمعة؛ فإن الله -﷿- يبرز لأهل الجنة في كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون في الدنو منه على مقدار مسارعتهم في الدنيا إلى الجمعة. .
قال أبوعبيدة بن عبد الله بن مسعود:
فكان عبد الله لا يسبقه أحد إلى الجمعة، فجاء يومًا وقد سبقه رجلان، فقال: (رجلان وأنا الثالث، إن شاء الله يبارك في الثالث). (^٤)
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص/٢٠١)
(٢) أخرجه ابن بطة في الإبانة (ح/٣٠) وقال محققه: حسن لغيره. قلت: يشهد له أثر ابن مسعودرضي الله عنه- الأتي بعده، الموقوف وله حكم الرفع.
(٣) أخرجه الأجري في الشريعة (ح/٦١٢) والطبراني في الأوسط (٢٠٨٤) قال ابن القيم في حادي الأرواح (ص/٣١٣) وهذا حديث عظيم الشان، رواه أئمة السنة وتلقوه بالقبول، وجمَّل به الشافعي مسنده. وقال الألباني في صحيح الترغيب (٣٧٦١): حسن لغيره.
(٤) أخرجه الدارقطني في "رؤية الله" (ح/١٦٦) وابن بطة في الإبانة (ح/٣١) وصححه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣) ثم قال ﵀: وهذا الذي أخبر به ابن مسعود -﵁- أمر قد أخذه عن النبي ﷺ، ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب؛ لوجوه: (أحدها) أن الصحابة -﵃قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به: فمن المحال أن يحدث ابن مسعود -﵁بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبني عليه حكما. (الثاني): أن ابن مسعود - ﵁ - خصوصًا كان من أشد الصحابة - ﵃ - إنكارًا لمن يأخذ من أحاديث أهل الكتاب. (الثالث) أن الجمعة لم تشرع إلا لنا، والتبكير فيها ليس إلا في شريعتنا، فيبعد مثل أخذ هذا عن الأنبياء المتقدمين ويبعد أن اليهودي يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الأمة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الأمة. وانظرمجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٥) ومسالك أهل السنة فيما أشكل من نصوص العقيدة (٢/ ٢٧١)
[ ١ / ٣٤٥ ]