* نص حديث الباب:
عَنْ جُوَيْرِيَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى، وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
* تخريج الحديث:
أخرجه مسلم (٢٧٢٦) كتاب " الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار"، باب التسبيح أول النهار وعند النوم، وأحمد (٢٦٧٥٨)
* نقول:
مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الكلام لله ﷿، فهى صفة ثابتة لله -تعالى- بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
فإن الله -تعالي - لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء، بحرف وصوت، وهي صفة ذاتية فعلية.
*ومن أدلة ذلك من القرآن:
١ - قال تعالى (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: ١٦٤)
٢ - قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (الأعراف/١٤٣)
[ ١ / ٤٠١ ]
وأما أدلة السنة:
١ - ا لأحاديث القدسية التي يرويها النبي -ﷺفيها دلالة بينَّة على إثبات صفة الكلام لله ﷿، ومن ذلك:
١ - ما رواه أبو هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ". (^١)
*ومن الأحاديث النبوية الدالة على ذلك:
١ - حيث الباب:
فقول النبي ﷺ:
" لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ ومِدَادَ كَلِمَاتِهِ ".
قد أضاف الكلام إلى الله -عزوجل - إضافة صفة إلى موصوف، فدل ذلك على أنها صفة حقيقة لله تعالى، وذلك على ما يليق به تعالى.
٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ". (^٢)
٣ - وعن جابر بن عبد الله﵄ - قال:
لما قُتل عبد الله -يعني أباه-قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم-:
" مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا ". (^٣)
٤ - وعن أبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
" احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ". (^٤)
** أما الإجماع:
فقد أجمع السلف على إثبات صفة الكلام لله ﷿.
_________________
(١) رواه أحمد (٧٩٩٩) ومسلم (٢٩٨٥)
(٢) متفق عليه.
(٣) رواه الترمذي (١٠٣٠)، وانظر صحيح الجامع (٧٩٠٥). وقوله صلي الله عليه وسلم: " كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينه وبين الله -تعالى- حجاب ولا رسول.
(٤) متفق عليه.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قال ابن القيم:
وقول أتباع الرسل هو إثبات صفة الكلام، وقد دل القرآن وصريح السنة والمعقول وكلام السلف على أن الله سبحانه وتعالي يتكلم بمشيئته، كما دل على أن كلامه صفة قائمة بذاته، وهي صفة ذات وفعل. (^١)
والعقل يثبت صفة الكلام لله ﷿:
نحن نعلم بالضرورة أن ما يكون متكلمًا أكمل ممن لا يكون كذلك، فإذا كان مجرد إثبات هذه الصفة من الكمال، ومجرد سلبها من النقص؛ وجب ثبوتها لله تعالي. (^٢)
*فوائد مهمة:
١ - الله - تعالى- يتكلم بصوت:
قال تعالى (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الشعراء/١٠)
وجه الدلالة: النداء لا يكون إلا بصوت مسموع.
* ومن السنة:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ﵁- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
" يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا آدَمُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ ". (^٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن ما أخبر الله -تعالي - به في كتابه من تكليم موسى، وسماع موسى لكلام الله -تعالى- يدل على أنه كلمه بصوت، فإنه لا يسمع إلا الصوت، وصوته - تعالى- ليس كأصوات شيء من مخلوقاته، فإن الله لا يماثل المخلوقين في شيء من الصفات، فمن شبَّه الله بخلقه فقد ألحد في أسمائه وآياته. (^٤)
وقال ﵀:
قد أخبر الله - تعالى - في القرآن بندائه لعباده في أكثر من عشرة مواضع، والنداء لا يكون إلا صوتًا باتفاق أهل اللغة وسائر الناس. (^٥)
_________________
(١) الصواعق المرسلة (ص/٥٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٩٠)
(٣) متفق عليه.
(٤) بتصرف يسير من مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣١).
(٥) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٢٣) وممن نص على ذلك: البخاري في خلق أفعال العباد (ص/٩٨) والنووي في رسالته "ذكر اعتقاد السلف في الحروف والأصوات " (ص/٥٦) وأحمد في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٢٨٠)
[ ١ / ٤٠٣ ]
٢) الله - ﷿ - يتكلم بحرف:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ. (^١)
قال ابن قدامة:
ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن حرفًا متفقًا عليه أنه كافر، وفي هذا حجة قاطعة على أنه حروف. (^٢)
*فإن قيل:
إنَّ إثبات الحرف والصوت في صفة الكلام لله - ﷿ - يلزم منه إثبات المخارج، وهذا مما لا يثبت في حق الله ﷿؟ (^٣)
فالرد أن يقال:
١ - هذا يخالف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الذين أثبتوا الصوت والحرف في صفة كلام الله ﷿.
٢ - من المخلوقات من نطق بصوت وحرف ولم يعلم لها مخارج، فقد تكلمت الجنة والنار والسماوات والأرض والطعام والحجر والجلود، وغيرها، وهذه الأشياء مما لم ينكر أحد كلامها بدعوى أنه لا مخارج لها.
فإذا كان هذا في حق المخلوقات، فكيف في حق الخالق؟!
أما قول القائل: أن المخارج مما لا يثبت في حق الله!!
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٠) وصححه الألباني في (الصَّحِيحَة: ٣٣٢٧).
(٢) وانظر لمعة الاعتقاد (ص/٢١)
(٣) وهذا مما اعترض به البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (ص/٢٩٦) حيث قال: ثم إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، وإن كان المتكلم غير ذي مخارج سمع كلامه غير ذي حروف وأصوات، والباري -جل ثناؤه - ليس بذي مخارج، وكلامه ليس بحرف ولا صوت.
[ ١ / ٤٠٤ ]
نقول: وهذا مما سكت عنه السلف، ولم يتكلموا فيه نفيًا ولا إثباتًا.
فقولنا في مثل هذا المقام أن نتوقف حيث أوقفنا الشرع، وأن يسعنا ما وسع سلفنا، ومن لم يسعه ما وسع السلف فلا وسَّع الله عليه.
قال ابن حجر:
وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنه عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان بها، ثم إما التفويض وإما التأويل. (^١)
*وكذا مما اعترض به المخالفون:
١ - أن الصوت لا يثبت في حق الله ﷿، لما فيه من المشابهة، حيث قالوا:
" تعالي الله عن شبه المخلوقين علوًا كبيرًا "
٢ - الأحاديث الواردة في إثبات صفة الصوت لله -﷿- ضعيفة.
، وإن صحت فليست على ظاهرها، بل يراد به صوت الملَك، لا صوت الله. (^٢)
فجوابه:
أما الاعتراض الأول فجوابه:
إذا كان إثبات صفة الكلام لله -﷿- على ما يليق بالله ﷿وهذا مما تقول به- فلماذا لا تثبت لله -﷿ - صفة الصوت على ما يليق بالله
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٦٤٠) فائدة: قوله -﵀في آخر كلامه " إما التفويض وإما التأويل " قلت: بل هو التفويض الذي نكل فيه العلم بالكيفية إلي الله ﷿، وليس تفويض المعني، أما التأويل فإن كان المقصود به صرف اللفظ عن ظاهره فلا، وإن قصد به ما كان تفسيرًا لمعني فنعم، فالصوت في اللغة غير مجهول، والكيف به غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
(٢) نص على ذلك البيهقي في "الأسماء والصفات " (ص/٢٧٩)، وممن ذهب إلى إنكار الصوت والحرف: الغزالي، فقال عن صفة الكلام: فليس بصوتٍ يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان!! أن موسى﵇- سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف. وكذلك ممن نفى صفة الصوت عن الله عزوجل: ابن حزم الظاهري، حيث قال: " ولا يجوز أن يكون شيء من هذا بصوت أصلًا ". وانظر الأربعين في اصول الدين (ص/٧٧) والفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ٤٥)
[ ١ / ٤٠٥ ]