وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى -ثَلاثًا-» (^١)
٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
«إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَى الْعَيْنِ: النَّظَرُ، وَزِنَى اللِّسَانِ: الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ». (^٢)
٣) عَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: "لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ". (^٣)
٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ:
«لا يَأْتِ ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرْتُهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ القَدَرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ، أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (^٤).
٥) وعن عَبْد اللهِ بْن عُمَرَ -﵄ - قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ، أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ». (^٥)
مراتب الإيمان بالقدر:
١ - المرتبةُ الأولى: العِلْمُ:
وهو علم الله الأَزَلِيُّ في كلِّ ما هو كائنٌ، فإنَّ كلَّ كائنٍ قد سبقَ به علمُ الله أَزَلًا، ولا يتجدَّد له علْمٌ بشيءٍ لَم يكن عالِمًا به أزلًا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وذلك يقتضي الإيمانَ بعلم الله -﷿- المُحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات، والمُمْكِنات والمستحيلات، فعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو
_________________
(١) متفق عليه. وقد تم شرح هذا الحديث شرحًا مفصلًا في الحديث السادس، ضمن هذا الكتاب، حديث "المنهاج شرح حديث الاحتجاج"
(٢) متفق عليه.
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
(٥) أخرجه مسلم (٢٦٥٥)
[ ١ / ١١٨ ]
كان كيف يكون، وأنه عَلِمَ ما الخَلْقُ عاملون قبلَ أن يخلقهم، وعلمَ أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في
جميع حركاتهم وسَكَناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَن هو منهم من أهل الجنة ومَن هو منهم من أهل النار، مِن قَبْلِ أن يخلقهم، ومِن قبل أن يخلق الجنة والنار، عَلِمَ دقّ ذلك وجَليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسِرَّه وعلانيته، ومبدأه ومُنتهاه، كل ذلك بعلمه الذي
هو صِفَتُه ومقتضَى اسمِه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. (^١)
وقد اتَّفَقَ على الإيمان بالعلم السابق الرُّسُلُ عليهم الصلاة والسلام من أوّلِهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومَن تَبِعهم من الأمّة، ولم يخالِفْ إلا مَجُوسُ الأمّة، غُلاةُ القَدَريّة. (^٢)
** أقسام علم الله:
(الله -﷿- يعلم ما كان، وما هو كائن، ويعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون)
والله تعالى يعلم ما كان من الأمور التي مَضَتْ منذُ بَدْءِ الخَلْق والآجال، ويعلم ما هو كائن، قال الله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ويعلم ما سيكون، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]
والله -تعالى- يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، بمعنى: أن الله -تعالى- يعلم الأمور التي ما قدَّرَها، لو وقعتْ فكيف سيكون حال وقوعها.
_________________
(١) مَعارج القَبول (٣/ ٩٢٠).
(٢) شفاء العليل (ص/٢٩).
[ ١ / ١١٩ ]