١ - الإيمان عند الأشاعرة هو التصديق بالقلب، ولولم ينطق بلسانه، فقول اللسان عندهم شرط فقط لإجراء الأحكام الدنيوية، من التوارث والتناكح والصلاة خلف المرء وعليه، ودفنه في مقابر المسلمين.
فمن صدَّق بقلبه ولم ينطق فهو مؤمن، إلا إذا دُعِى للنطق بالشهادتين فأبى، فهنا تجري عليه أحكام الكفَّار في الدنيا والآخرة.
٢ - أعمال الجوارح ليست داخلة في الإيمان، بل هي شرط كمال فيه، والإيمان يزيد وينقص. (^١)
البيجوري:
والعمل شرط كمال من المختار عند أهل السنة -يقصد الأشاعرة - فمن أتى به حصَّل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوَّت على نفسه الكمال، إذ لم يكن مع ذلك استحلال أو عناد للشرع أو شك، إلا فهو كافر فيما عُلِم من الدين بالضرورة. (^٢)
_________________
(١) وانظر شرح المواقف للجرجاني (٨/ ٣٥١) والإرشاد إلى قواطع الأدلة (ص/٣٩٧) وشرح الصاوي على الجوهرة (ص/١٣٢)
(٢) وانظر شرح العقائد النسفية (ص/٢٧٥) وشرح جوهرة التوحيد (ص/٨٨) * تنبيه مهم: قد رجَّح صاحب الجوهرة أن قول اللسان مع تصديق القلب شرط فى صحة الإيمان، ولكنَّ الأشاعرة فيما ذهبوا إليه فى مسألة الإيمان فهم غير ملزمين بالقول بإيمان أبي طالب مثلًا؛ لأنهم يقولون أن الذى يُطلب منه قول اللسان فيتركه إباءً فهو كافر، كما نص عليه البيجوري في التحفة (ص/٤٥). وقد ذكرنا فيما سبق ضعف قولهم بأن قول اللسان ليس شرطًا فى صحة الإيمان؛ فقول اللسان مع عمل القلب وقوله. وعمل الجوارح هو مجموع ما يحصل به أصل الإيمان بإجماع أهل السنة والجماعة. فإن قيل: فما الفارق بين قول الجهمية فى الإيمان الذى هو المعرفة، وقول الأشاعرة الذى هو التصديق؟ فالجواب: أنَّ متأخرى الأشاعرة لا يُثبتون تصديقًا مجردًا عن أعمال القلوب، بل يُدخلون فى التصديق الإذعان والإنقياد والقبول، كما أنهم يُكفِّرون المشركين الذين عرفوا الحق ولم ينقادوا له. وانظرنقد الجوهرة (ص/٨٩)
[ ١ / ٢٧١ ]
- وقال وعن القول بأن نطق اللسان شرط لصحة الإيمان:
هو قول ضعيف، كالقول بأنه شطر منه، والراجح أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، فهي شرط كمال في الإيمان على التحقيق. (^١)
٣ - قد ذهب جمهور الأشاعرة إلى القول بزيادة ونقصان الإيمان، وهذا عندهم باعتبار التصديق القلبي، وهو ما نص عليه البيجوري فى تحفة المريد، ومنهم من لم يجعل التصديق محلًا للزيادة والنقصان، وقصر ذلك على أعمال الجوارح وقول اللسان
فقط، والتي لا تدخل عندهم أصالة في الإيمان. (^٢)
يقول سعد الدين التفتازاني:
حقيقة الإيمان لا تزيد ولا تنقص، لما مر من أنه- أي الإيمان- التصديق القلبي الذي بلغ حد الجزم والإذعان، وهذا لا يُتصور فيه زيادة ولا نقصان. (^٣)
٤ - تبنّت طائفة من الأشاعرة بقول الجهمية في الإيمان، ولكنهم لم يلتزموا بلوازم هذا القول، بل التزم الأشعري التناقض الواضح عندما قبل أن يقول أن إبليس لمَّا كفَّر نُزعت منه المعرفة، وكذا وقع لفرعون، ولكن لمَّا لم يلتزم بلازم قوله دل على تناقضه، وبطلان أصل القول؛ لأن القول إذا لزم منه البطلان كان باطلًا. (^٤)
_________________
(١) وانظر حاشية البيجوري على متن السنوسية الصغرى (ص/٥٧) والإيمان عند السلف (١/ ٢٣١)
(٢) وللأشاعرة فى مسألة زيادة ونقصان الإيمان أربعة أقوال، لكن جمهورهم على ما ذكرنا أعلاه. انظر لذلك: العقيدة النظامية للجوينى (ص/٢٦٨) والمجرد لابن فورك (ص/١٥٣) وتحفة المريد (ص/١٥٠) والاقتصاد للغزالي (ص/١٢٢)
(٣) العقائد النسفية (ص/٢٧٨)
(٤) وانظر إبطال القول بوحدة الوجود (ص/١٠٩ - ١٠١) *تنبيه: وأما قول أبى الحسن الأشعري في الإيمان فله فيه قولان: الأول الذي ذكره في كتبه (المقالات، والإبانة) وهو موافقة أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والثاني: ما ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أبا الحسن يقول بقول الصالحي في الإيمان، أنه هو معرفة الله، والكفر هو الجهل به، ونص أنه أشهر قولي أبي الحسن. وانظر مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤٤ - ٥٨٢) والإيمان عند السلف (١/ ٢٢٣)
[ ١ / ٢٧٢ ]
٥ - الذي أوقع الأشاعرة في القول بإخراج أعمال الجوارح من مسمَّى الإيمان هو ظنهم أن هذا القول هو الذي يبطل دعوى الوعيدية القائلين بتكفير صاحب الكبيرة، كما نص على ذلك الجويني في الإرشاد.
* الرد على الأشاعرة من وجوه:
١ - الوجه الأول:
أما قولهم بإخراجهم عمل الجوارح من الإيمان لرد دعوى الوعيدية بتكفير فاعل الكبيرة، فيقال:
أن الرد على أهل الباطل لا يحصل بنقد ما ثبت من الحق، وإنما يكون بإظهار الحق الذي خفي على أهل الباطل.
فقد دلت أدلة الكتاب والسنة والإجماع على أن أعمال الجوارح من الإيمان، بل لا يصح الإيمان إلا بوجود جنس عمل الجوارح.
فمن أدلة ذلك:
قال الله ﷿ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴿[الروم: ٣١].
فرتَّب الله -عزوجل - أخوة الدين على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذه أعمال جوارح.
قال الأوزاعي:
فوصف الله الدين قولًا وعملًا، فقال: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، والتوبة من الشرك، وهو من الإيمان، والصلاة والزكاة عمل. (^١)
*وعن ابن عباس -﵄- أن الرسول - ﷺ- قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ
_________________
(١) وانظرالسنة للخلال (٣/ ٨٣) وبراءة أهل الحديث من بدعة الإرجاء (١٥٥)
[ ١ / ٢٧٣ ]
الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». (^١)
قال البخاري: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عند البَيْت. (^٢)
* سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء، فقال:
" يقولون: الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًّا بقلبه على ترك الفرائض، وسمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر. (^٣)
٢ - الوجه الثاني:
أما قولهم أن كمال الدين مجرد التصديق، وعليه فقد جعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل وأبي بكر الصديق ﵁.
*فهذا يرده الإجماع الذى نقله ابن أبى مليكة، حيث قال:
" أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ - كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ". (^٤)
* وقد قِيلَ لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ إِنَّهُ يُجَالِسُكَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّ إِيمَانَهُ مِثْلُ إِيمَانِ جِبْرِيلَ ﵇، فقَالَ:
سبحان الله! " وَاللهِ لَقَدْ فَضَّلَ اللهُ جِبْرِيلَ فِي الثَّنَاءِ فَقَالَ:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ، ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] (^٥)
قال ابن حجر:
وفي هذا- أي في كلام ابن أبي مليكة - إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافا للمرجئة القائلين: بأن إيمان
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) ذكره البخاري تحت باب: الصلاة من الإيمان، وقد ذكر عدة أبواب على ذلك النحو، فقال: باب اتباع الجنائز من الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان
(٣) وانظر السنة لعبد الله بن أحمد (ص/٣٤٧) والتوسط والاقتصاد أن الشرك يكون بالقول والفعل والاعتقاد (ص/٢٦)
(٤) أخرجه البخارى معلقًا فى كتاب الإيمان، باب (٣٦) وانظر حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (ص/٤٢)
(٥) الإيمان لأبي عبيد (ص/٦٣)
[ ١ / ٢٧٤ ]
الصدِّيقين وغيرهم بمنزلة واحدة. (^١)
٣ - الوجه الثالث:
أما حصرهم للإيمان هو التصديق؛ بناءً على ما ذهبوا اليه أنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن هذا محله لا يكون إلا فى التصديق!!
مردود بأنَّ التصديق القلبي كذلك يزيد وينقص، وقد سبق ذكر أدلته بما يغني عن إعادته.
فمن صدّق فى الأمورالعملية والاعتقادية من أسماء الله -تعالى- وصفاته وأمور الغيب والملائكة يزيد إيمانه عمَّن خلا قلبه من هذا التصديق؛ لعدم علمه بهذه التفصيلات في مسائل الاعتقاد.
فكلما زاد علم المرء بهذه الأمور وصدّق بها فهو أكمل إيمانًا ممَّن لم يعلمها، وعليه فتصديق القلب يتفاوت بين الأشخاص، يزيد وينقص بقدر ما في الشخص من العلم والتصديق.
قال النووي:
فالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيِّرة، وإن اختلفت عليهمَ الْأَحوال. (^٢)
قال السبكي:
لا يشك عاقل في أن إيمان الصديق ليس كإيمان آحاد الناس حق، ففرقٌ بين إيمانٍ ثبت ورسخ وصار لا يقبل تزلزلًا، وإيمان بخلافه. (^٣)
* ثم يقال:
القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو قول متأخري الأشاعرة، فقد ذهب جماعة من المتقدِّمين منهم إلى خلاف ذلك، فقالوا بزيادة الإيمان ونقصانه، كما قول البيهقي وعبد القاهر البغدادي والآمدي وأبي القاسم القشيري وتقي الدين السبكي. (^٤)
_________________
(١) وانظر فتح الباري (١/ ١٦٩)
(٢) شرح مسلم النووي (١/ ٦٩)
(٣) وانظر طبقات الشافعية للسبكي (١/ ١٣٣) والمسائل التي نقل فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٥٣٧)
(٤) وانظر الاعتقاد للبيهقي (ص/١٩١) وشرح النووي على مسلم (١/)
[ ١ / ٢٧٥ ]
٤ - الوجه الرابع:
أما تفسيرهم للتصديق -الذي هو معنى الإيمان عندهم - بالإذعان والقبول، وليس مجرد وقوع نسبة الصدق في القلب بلا إذعان ولا قبول، فيلزمهم أحد أمرين:
الأول:
أن يُدخلوا أعمال الجوارح أيضًا، لأنهم أثبتوا أن الإيمان ليس شيئًا واحدًا، بل مركبٌ من التصديق وعمل القلب، فليركِّبوه من عمل الجوارح أيضًا.
الثاني:
أن يخرجوا أعمال القلوب، فيصير مذهبهم مطابقًا لمذهب الجهم بن صفوان في أن الإيمان هو الصديق، وهذا القول يلزم منه إيمان فرعون واليهود، وقد كفَّر أبو عبيد القاسم بن سلام الجهمية بهذا القول، وكذا وكيعُ وأحمدُ بن حنبل.
قال أبو العباس ابن تيمية:
إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا. (^١)
٥ - الوجه الخامس:
وأما قولهم بعد اشتراط نطق اللسان إلا لإجراء الأحكام الدنيوية:
فقد سبق ذكر أدلة اشتراط قول اللسان لثبوت صحة الإيمان من الكتاب والسنة وإجماع الأمة عند الحديث عن أركان الإيمان في أول شرحنا لحديث الباب.
فمن آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم نطق الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام.
* الإيمان عند مرجئة الفقهاء:
وقد اختلف في أول من أظهر مذهب مرجئة الفقهاء، فذكرالإمام أحمد أنه ذر بن عبدالله الهمداني، وقيل هو حمَّاد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعي، وذكر الأوزاعي أن أول من تكلم فى الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس الماصر، وقيل غير ذلك، والعلم عند الله. (^٢)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٩٤)، ونظر "مقالات في تناقضات الأشاعرة" (ص/١٤٤)
(٢) وأما قول أبى حنيفة بالإرجاء فهو ثابت عنه، أثبته معاصروه ومن جاء بعده، وأما ما نسب إليه من كتاب الفقه الأكبر والوصية، وهى كتب شملت على جملة من المخالفات لمنهج أهل السنة، ففى سنده مجاهيل، وثبوتها إليه فيه نظر. وانظر مسائل الإمام أحمد لإسحاق ابن إبراهيم (٢/ ١٦٢) وتهذيب التهذيب (٧/ ٤٩٠) والوعد الأخروي (٢/ ٥٨٧).
[ ١ / ٢٧٦ ]
وأما سبب ظهوره فكان هو قصد جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفارًا، وذلك ردًا على الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بالكبيرة، فصاروا طرفًا آخر.
وقد كان وقت ظهور القول بالإرجاء في الكوفة بعد أن ظهر الحجاج بن يوسف الثقفي على عبدالرحمن بن الأشعث.
وأما الإيمان عند مرجئة الفقهاء فهو تصديق القلب وقول اللسان، أما عمل الجوارح فهو خارج عن مسمَّى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى منه.
مع قولهم أن مرتكب الكبيرة معرَّض للوعيد، وهو تحت المشيئة، وأما عمل القلب فمنهم من يدخله فى الإيمان، ومنهم من يجعله خارجًا عنه.
فالحاصل أن:
أعمال الجوارح عندهم ليست من الإيمان، ولكنها من لوازمه، فالعلاقة بينهما كعلاقة دائرتين متلازمتين لا تنفك إحدهما عن الأخرى، ويقولون:
انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. (^١)
*وعليه:
فالناس عندهم فى أصل الإيمان سواء، وإنما التفاضل فى لازم الإيمان، الذى هو عمل الجوارح، فهم يتفاضلون فى الجنة بحسب أعمالهم الظاهرة، وهذا ما نص عليه صاحب الطحاوية.
وأما صاحب الكبيرة فقالوا: فهو تحت المشيئة، ويُخشى عليه من العذاب. (^٢)
_________________
(١) انظرحقيقة الإيمان (ص/٣٦)
(٢) أوجه الوفاق والخلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء:
(٣) أما الموافقات فتتمثل فيما يلي: (إدخال اعتقاد القلب والنطق باللسان في الإيمان - أن أهل الكبائر تحت الوعيد - الإيمان مع ترك العمل يعرِّض صاحبه للذم والعقاب)
(٤) وأما مواضع الخلاف ففي أمرين: أ) فيمن قال ولم يعمل: فهو عند مرجئة الفقهاء مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه أتى بما يمنعه من الخلود فى النار وهو الاعتقاد والقول، ومستحق للذم لتركه عمل الجوارح، وأما أهل السنة فيعدونه كافرًا؛ لتركه عمل الجوارح بالكلية. ب) قولهم بالتساوي بين الناس فى الإيمان: فجعلوا إيمان أفجر الناس كإيمان جبريل، فمرتكب الكبيرة مؤمن تام الإيمان، إيمانه كإيمان كجبريل، وأهل السنة يقولون: أن مرتكب الكبيرة مؤمن بأصل إيمانه، فاسق بكبيرته، مع قولهم أنه مستحق لدخول النار، فهم يخالفون أهل الحديث فى الاسم لا الحكم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فهؤلاء -أي المرجئة -لا ينازعون أهل السنة والحديث في حكمه في الآخرة، وإنما ينازعونهم في الاسم، وينازعون أيضًا فيمن قال ولم يفعل، وكثير من متكلمة المرجئة تقول لا نعلم أن أحدًا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار، ولا أن أحدًا منهم لا يدخلها، بل يجوز أن يدخلها جميع الفسَّاق، ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم. انظر منهاج السنة (٥/ ١٥٠) وشرح العقيدة الأصفهانية (ص/١٣٨) وبراءة أهل الحديث من بدعة الإرجاء (ص/٢٦١)، الإيمان عند االسلف (١/ ٢٩٦)
[ ١ / ٢٧٧ ]
*الرد على مرجئة الفقهاء:
وإذا نظرنا إلى العلة التى من أجلها ذهب مرجئة الفقهاء إلى جعل أعمال الجوارح ليست داخلة فى مسمَّى الإيمان، فهى علة عليلة، مفادها أن عدُّ العمل ركنًا يجر إلى معتقد الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك العمل!!
** وجواب ذلك أن يقال:
فرق بين أن تجعل أعمال الجوارح ركنًا فيبطل الإيمان بتركها كليةً، وهو ما تفيده نصوص الشرع، وهو مذهب أهل السنة، وبين أن تجعل كل عمل من أعمال الجوارح ركنًا يبطل الإيمان بتركه، كالزكاة أوالصوم أو الحج مثلًا، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة الذين يكفِّرون بترك أى واجب من واجبات الشرع أو بإيتاء كبيرة من الكبائر، فتأمل.
فالذي عليه أهل السنة أن العمل الذى هو ركن في الإيمان إنما هو جنس الأعمال، وليس كل فرد من العمل الظاهر.
فالقاعدة هنا " جنس العمل ركن في الإيمان، لا آحاده، إلا بدليل "
*وأما قول مرجئة الفقهاء: أن الناس فى أصل الإيمان سواء، والتفاضل فى لازم الإيمان!! (^١)
_________________
(١) وهذا مما قد نص عليه صاحب الطحاوية، فقال: "والإيمان واحد، وأهله فيه سواء" وهذا غلط؛ لأن الإيمان ليس واحدًا، وليس أهله سواءً، بل الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، والتصديق بالقلب ليس الناس فيه سواءً، فليس إيمان أبي بكر الصديق كإيمان الفاسق من المسلمين. كذلك من ناحية العمل، الناس يتفاضلون في العمل، منهم كما قال الله ﷿: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) هذا العاصي الذي معصيته دون الشرك، فإنه ظالم لنفسه (ومنهم مقتصد) وهو الذي= =يعمل الواجبات ويتجنب المحرمات. (ومنهم سابق بالخيرات) وهذا هو الذي يعمل الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات من باب الاحتياط، فدل على أن الإيمان متفاضل. وانظر التعليقات على متن الطحاوية للفوزان (ص/١٤٥)
[ ١ / ٢٧٨ ]
*فالرد عليه:
أن التفاضل ليس فقط فى عمل الجوارح، بل أيضًا فى عمل القلب، فنفس تصديق القلب يزيد وينقص، ومن أدلة ذلك:
١ - عنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺقَالَ:
يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ) (^١)
٢) قال عمر بن الخطاب﵁- يوم الحديبية:
وَاللَّهِ مَا شكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. (^٢)
٣) وعن أبيَّ بن كعب -﵁- لما اختلف القرَّاءُ في قراءة بعض الآيات قال:
«فَسَقَطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ- مَا قَدْ غَشِيَنِي، ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللهِ ﷿ فَرَقًا، ..». (^٣)
ولا يرتاب عاقل أن إيمان هذا الصحابي عند تلك الغشية دون إيمانه قبلها وبعدها.
٤) وعن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ:
شَهِدْنَا خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢) وترجم له البخاري بقوله "باب: زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى"
(٢) أخرجه ابن حبان (٧/ ٢٢٢) وصححه الألباني. وهو -﵁- لم يشك فى رسالة النبى -ﷺ - فهو على يقين من ذلك، وإنما شك أن الرسول - ﷺ- قد جانبه الصواب فى اجتهاده لما قبل الصلح على هذه الشروط.
(٣) أخرجه مسلم (٨٢٠) قال القاضي عياض: معنى قوله "سقط في نفسي" أنه اعترته حيرة ودهشة، وقوله " ولا إذ كنت في الجاهلية " معناه: أن الشيطان نزغ في نفسه تكذيبا لم يعتقده، وهذه الخواطر إذا لم يستمر عليها لا يؤاخذ بها. شرح مسلم للنووي (٦/ ١٠٢)
[ ١ / ٢٧٩ ]
يَدَّعِي الإِسْلَامَ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، .. ". (^١)
* ومن النظر:
لا يرتاب عاقل أن المؤمنين يتفاوتون في التقوى تفاوتًا عظيمًا، وأعظم أسباب ذلك تفاوتهم في اليقين، فإننا نرى أحوالهم في اتقاء الضرر الدنيوي لا يتفاوت ذاك التفاوت، بل إنك تجد من نفسك أنه قد يقوى عندك الإيمان فترغب نفسك في الطاعة وترغب عن المعصية، وقد يضعف فتتهاون بذلك.
وكذلك تجد ذلك عندما تطلع على الأدلة أو الشبهات، فقد يقف العالم على عدة نصوص من الكتاب والسنة فيتبين له أن بعضها يصدق بعضًا، وقد يتراءى له أنها تتناقض.
وقد يرى نصوصًا في العقائد، فيتبين له أن العقل موافق لها وقد يتراءى له أنه يخالفها. ويرى نصوصًا في الأحكام فيتبين له أنها موافقة للرأي والنظر والحكمة والقياس، وقد يتراءى له أنها مخالفة لذلك.
ولا أدرى عاقلًا يتصور حاله وحال الملائكة والأنبياء ويقول: إن يقينه مثل يقينهم. (^٢)
قال الفضيل بن عياض:
قال أصحاب الرأي: ليس الصلاة ولا الزكاة ولا شيء من الفرائض من الإيمان افتراء على الله -﷿وخلافا لكتابه وسنة نبيه ﷺ، ولو كان القول كما يقولون لم يقاتل أبو بكر -﵁- أهل الردة ".
وقال ﵀:
" يقول أهل البدع: الإيمان الإقرار بلا عمل والإيمان واحد، وإنما يتفاضل الناس بالأعمال، ولا يتفاضلون بالإيمان، ومن قال ذلك فقد خالف الأثر ورد على رسول الله ﷺ قوله. (^٣)
* ومن الردود العامة على فرق المرجئة:
وأما قول المرجئة:
" لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة". (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٠٣)
(٢) القائد إلى تصحيح العقائد (ص/١٢٩)
(٣) وانظر السنة لعبد الله (٨١٨) وبراءة أهل الحديث (ص/١٦١)
(٤) وأما قولهم " لا يضر مع الإيمان ذنب " فهذا مما نص عليه صاحب الطحاوية؛ بناءً على قول مرجئة الفقهاء بإخراج عمل الجوارح من الإيمان. والصواب أن الذنوب تؤثر في الإيمان، فمنها ما يزيله بالكلية، كترك الصلاة = =، الترك الكلي، ومنها ما ينقصه فقط كسائر الذنوب الأخرى. وانظر التعليقات المختصرة على الطحاوية للفوزان (ص/١٤٠)
[ ١ / ٢٨٠ ]
فالرد عليه في حديث حُذَيْفَة - ﵁ - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ". (^١)
والمعنى أن الرجل إذا تبع هواه وارتكب المعاصي، دخل قلبه بكل معصية يتعاطاها ظلمة، وإذا صار كذلك افتتن وزال عنه نور الإيمان. (^٢).
*ومن اللوازم الباطلة لقول المرجئة في باب الإيمان:
١ - لما كان الإيمان عند المرجئة منحصرأ في التصديق ترتب على ذلك أن يكون
الكفر لا يحصل إلا بالتكذيب، وعليه فمن لطخ المصحف - مثلا - أوسجد لصنم فلا يكفر، وعمله هذا لا يكون كفرًا، بل هذا عندهم دال على انتفاء الإيمان من قلبه.
وأهل السنة يقولون أن ذات الفعل يكون كفرًا، لذا فمذهب الإرجاء قد ترتب عليه المفاسد العظيمة، حيث حصروا الكفر في كفر الاستحلال والجحود. (^٣)
قال ابن حزم:
وأما سب الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد، إلا أن الجهمية، والأشعرية - وهما طائفتان لا يعتد بهما - يصرِّحون بأن سب
_________________
(١) رواه مسلم (٣٨٦)
(٢) الكوكب الوهَّاج شرح صحيح مسلم (٤/ ٤٠)
(٣) وعليه نقول: أن من قال أن الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص، وجعل أعمال الجوارح شرط كمال، ويقول " لا كفر إلا باعتقاد وجحود" وينسب ذلك لأهل السنة، فقد نسب لأهل السنة ما ليس منهم. وقد سئل الشيخ صالح الفوزان: هل تصح هذه المقولة: " من قال الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص فقد بريء من الإرجاء كله حتى لو قال لا كفر إلا باعتقاد وجحود "؟ فقال: هذا تناقض!! إذا قال لا كفر إلا باعتقاد أو جحود فهذا يناقض قوله إن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لأنه إذا كان الإيمان قول باللسان واعتقاد الجنان وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فمعناه أنه من تخلى من شيء من ذلك فإنه لا يكون مؤمنًا. وانظر أسئلة وأجوبة في مسائل الإيمان والكفر (ص/٥)
[ ١ / ٢٨١ ]
الله تعالى، وإعلان الكفر، ليس كفرًا، ولكنه دليل على أنه يعتقد الكفر، وهذا أصل سوء خارج عن إجماع أهل الإسلام.
ثم يقال لهم:
إذ ليس شتم الله- تعالى- كفرًا عندكم، فمن أين قلتم: إنه دليل على الكفر؟
فإن قالوا: لأنه محكوم على قائله بحكم الكفر؟ قيل لهم: نعم، محكوم عليه بنفس قوله، لا بمغيَّب ضميره الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فإنما حكم له بالكفر بقوله فقط، فقوله هو الكفر، ومن قطع على أنه في ضميره، وقد أخبر الله تعالى عن قوم ﴿يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم﴾ [آل عمران: ١٦٧] فكانوا بذلك كفارًا، كاليهود الذين عرفوا صحة نبوة رسول الله - ﵌ - كما يعرفون أبناءهم، وهم مع ذلك كفَّار بالله -تعالى- قطعًا بيقين، إذ أعلنوا كلمة الكفر. (^١)
* فإن قيل:
فما تأويل قول صاحب الطحاوية: ولا نكفِّر أحدًا بذنب ما لم يستحله؟
فالجواب:
ما نص عليه شيخ الإسلام أن هذه العبارة سيقت ردًا على الخوارج الذين يكفِّرون بالكبيرة.
٢ - فتح باب التخلِّي عن الواجبات والوقوع فى المحرمات، كما إن فيه تجسير لكل فاسق وقاطع طريق على الموبقات، مما يؤدي إلى الإنسلاخ من الدين، وهتك حرمات الإسلام، نعوذ بالله من الخذلان. (^٢).
* تنبيهات مهمة:
١ - المرجئة يقولون نحن مؤمنون عند الله؛ حيث إن التصديق لا يقبل النقصان ولا الشك، فمجرد أن آمنوا ثبت لهم كمال الإيمان، أما أهل السنة فيقولون: نحن مؤمنون بالاقرار؛ فالمؤمن يقر بإيمانه، لكنه لا
_________________
(١) المحلى بالآثار (١١/ ٥٢٦)
(٢) انظر درء الفتنة عن أهل السنة (ص/٣٩) ومزيد من اللوازم الباطلة لمذهب المرجئة قد ذكرها شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٨ - ١٩٠)
[ ١ / ٢٨٢ ]