يتعلق بنفي العلم والفهم والعقل الذي هو مقتضى الهداية.
ولذلك فإن الله -تعالى- كما نفى عمن حكم بكفرهم في تلك الأيات العلم والفهم، فقد نفى عنهم أنهم يسمعون أو يبصرون. ومعلوم أن السمع والبصر المنفي هنا هو مقتضى الهداية لا أنهم صم لا يسمعون شيئًا عميٌ لا يرون شيئًا.
فكذلك العقل والفهم المنفي عنهم هو مقتضى الهداية والتوفيق، لا أنهم مجانين لا يعرفون شيئًا ولا يفهمون ما يقال لهم. (^١)
* ومن الأعذار في مسألة التكفير:
مسألة الجهل:
فالجهل بالحكم الشرعي أحد الأعذار التى يسقط بها حكم تكفير العين:
* فمن أدلة الكتاب على ذلك:
قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) (التوبة: ١١٥)، وقال تعالى (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) (النساء: ١٦٥)
* ومن أدلة السنة:
١ - حديث الرجل الذي شك في قدرة الله -تعالى- على أن يجمعَه بعدَ حَرْقه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:
" قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ: فَإِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ وَاذْرُوا نِصْفَهُ فِي البَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، فَأَمَرَ اللَّهُ البَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ " (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"فهذا رجل شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل
_________________
(١) ضوابط التكفير عند أهل السنة لعلي القرني (ص/٢٤٢)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٦٦ ]
اعتقدَ أنه لا يُعادُ -وهذا كفرٌ باتفاق المسلمينَ- لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف اللهَ أن يُعاقبَه؛ فغفر له بذلك. والمتأوِّل من أهل الاجتهاد، الحَريصُ على متابعة الرسول: أَوْلَى بالمغفرة مِن مِثل هذا". (^١)
قال ابن قتيبة:
وهذا رجل مؤمن بالله تعالى، مقر به، خائف منه، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أُحرق وذرِّي الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله -تعالى- له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه وجهله بهذه الصفة من صفاته. (^٢)
٢ - حديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، ومنهم: « رَجُلٌ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ، فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ» (^٣).
٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ- أَنَّهُ قَالَ:
«لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٤).
قال يَحيَى بنَ حاطِبٍ: توُفِّىَ حاطِبٌ وكانَت له أمَةٌ نُوبيَّةٌ قَد صَلَّت وصامَت وهِىَ أعجَميَّةٌ لَم تَفقَهْ، فلَم تَرُعْه إلا بحَبَلِها، فذَهَبَ إلَى عُمَرَ - ﵁ - فحَدَّثَه فأفزَعَه
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٢١).
(٢) وانظرتأويل مختلف الحديث (ص/١٣٦) ونواقض الإيمان لعبدالعزيز بن عبد اللطيف (ص/٦٤)
(٣) أخرجه أحمد (١٦٣٤٥) والبيهقي في "الاعتقاد" (١٦٩) وقال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح"، ونقله ابن كثير في تفسيره (الإسراء: ١٥) ولم يتعقبه، وصححه ابن حزم في الفصل (٣/ ١٣١). وقال الأرنؤوط: إسناده حسَن. وانظر [صَحِيحُ الْجَامِعِ: ٨٨١] قلت: والفَتْرَةُ: ما بين كل نَبِيَّيْنِ من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. وأَهْل الْفَتْرَةِ: الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهم الدَّعْوَة. ومذهب أهل جمهور السنة أنهم يختبرون في العرصات، ويرى الأشاعرة أن أهل الفترة ناجون، وإن عبدوا الأصنام. وانظر "تحفة المريد" (ص/٦٨)
(٤) أخرجه أحمد (٨٦٠٩)، ومسلم (١٥٣).
[ ١ / ٦٧ ]
ذَلِكَ. فأرسَلَ إلَيها عُمَرُ - ﵁ - فقالَ: أحَبَلتِ؟ فقالَت: نَعَم، مِن مَرغوشٍ بدِرهَمَينِ، فإِذا هِىَ تَستَهِلُّ بذَلِكَ لا تَكتُمُه، قال: وصادَفَ عَليًّا وعُثمانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ ﵃، فقالَ: أشيروا عليَّ. وكانَ عثمانُ - ﵁ - جالِسًا فاضطَجَعَ، فقالَ عليٌّ وعَبدُ الرَّحمَنِ ﵄: قَد وقَعَ عَلَيها الحَدُّ، فقالَ: أشِرْ عليَّ يا عثمانُ. فقالَ: قَد أشارَ عَلَيكَ أخَواكَ.
قال: أشِرْ عليَّ أنتَ، قال: أُراها تَستَهِلُّ به كأنَّها لا تَعلَمُه، ولَيسَ الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه، فقالَ: صَدَقتَ، والَّذِى نَفسِى بيَدِه ما الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه. فجَلَدَها عُمَرُ - ﵁ - مِائَةً، وغَرَّبَها عامًا. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"لهذا كنتُ أقولُ للجَهْميّة من الحُلوليّة والنُّفاةِ الذينَ نَفَوْا أن الله تعالى فوقَ العرش -لمّا وقعتْ مِحنتُهم-: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا؛ لأني أعلمُ أن قولكم كفرٌ، وأنتم عِندِي لا تَكفُرونَ؛ لأنكم جُهّالٌ". (^٢)
وقال ﵀:
"فإنّا -بعدَ معرفةِ ما جاء به الرسولُ- نَعلمُ بالضَّرورة أنه لم يشرع لأمّته أن تدعوَ أحَدًا من الأموات، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمّته السجود لميتٍ ولا لغير ميتٍ، ونحو ذلك؛ بل نَعلمُ أن ذلك من الشرك الذي حرّمه الله -تعالى- ورسولُه؛ لكنْ لِغَلَبةِ الجهل وقِلّة العلم بآثار الرسالة في كثيرٍ من المتأخرينَ لم يُمْكِنْ تكفيرُهم بذلك، حتى يَتبيَّنَ لهم ما جاء به الرسولُ ﷺ" (^٣).
قال ابن القَيِّم:
"وأما كُفرُ الجهل مع عدم قيام الحُجّة وعدمِ التمكُّن من
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقى (١٧٠٦٥) باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات. وانظر ضوابط التكفير (ص/٢٤٠)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٢٦). وليس المقصود بالحلولية هنا من يقول بعقيدة الحلول والاتحاد، وإنما المراد بهم الجهمية الذين ينفون علو الله -تعالى- على عرشه.
(٣) الرد على البكري (٢/ ٧٣١).
[ ١ / ٦٨ ]
مَعرفتها- فهذا الذي نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تَقُومَ حُجّةُ الرسلِ". (^١)
قال الذهبي:
وقد كان سادة الصحابة -﵃- بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبيﷺ- فلا يبْلغهم تحريمه إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأشهر معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، فكذا يعذر بالجهل كل من لم يعلم حتى يسمع النص. والله تعالى أعلم. (^٢)
قال محمد بن عبد الوَهّاب:
"وإذا كُنّا لا نُكفّر مَن عبدَ الصَّنَمَ الذي على قبر "عبد القادر"، والصَّنَمَ الذي على قبر "أحمدَ البدويِّ" وأمثالهما لأجْلِ جهلِهم وعدمِ مَن يُنبّهُهُم ". (^٣)
*عَودٌ إلى حديث الباب:
فهؤلاءِ جَمْعٌ من الصحابة -﵃- كانوا حُدَثاءَ عهدٍ بكفرٍ، وكان التبرُّك بالأشجار والأحجار والأصنام مما تَوارثُوهُ عن الجاهليّة، فكان عُذرُهم في هذا المَطلَبِ إنما هو الجهل الناشئ عن حداثة العهد بالإسلام، فطلبوا أمرًا من الشرك بمَكانٍ، والصحابي يذكُر عُذرًا في سياق الكلام، حيث قال: "ونحنُ حدثاءُ عهدٍ بكفرٍ "، فعذرَهم النبي ﷺ في ذلك؛ لجهْلهم، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفرٍ.
قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"اتفق الأئمة على أنّ مَن نشأَ بباديةٍ بعيدةٍ عن أهل العلم والإيمان، وكان حديثَ العهد بالإسلام، فأنكرَ شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المُتواترة- فإنه لا يُحكم بكفره حتى يَعرِفَ ما جاء به الرسولُ". (^٤)
* فهذا يُفيد أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يَدري، فنُبِّهَ على ذلك، فتاب مِن ساعتِه- أنه لا يكفُر كما فعلَ بنو إسرائيل والذين سألوا النبيَّ ﷺ. (^٥)
_________________
(١) طريق الهِجرتينِ (ص/٦١١)، وضوابط تكفير المُعَيَّن (ص/ ٥٧).
(٢) الكبائر (ص/٢٥)
(٣) الدرر السّنيّة (١/ ٦٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).
(٥) كشف الشبهات (ص/٩١)، والتكفير وضوابطه للسقار (ص/٦٩).
[ ١ / ٦٩ ]