نص الحديث:
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»، وفي رواية: «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي».
تخريج الحديث، وطُرقه:
هذا الحديث مستفيض، فقد ورد من حديث أبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنَس بن مالك، وعَوف بن مالك الأَشجَعِيّ، وأبي أُمامة الباهليّ، وسعد بن أبي وَقّاص، وعمرو بن عَوف المُزَنيّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدَّرداء، وواثِلة بن الأَسقع ﵃.
ورواية هذا الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب تَرقى بالحديث إلى حد التواتر، أوما هو قريب منه.
كما أن كثيرًا من هذه الأحاديث أسانيدها نظيفة؛ كحديث أبي هريرة، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأبي أمامة وغيرهم.
وعلى فرْض أن أسانيد هذه الأحاديث في مفرداتها ضعف، فلا يشك من له أدنى
[ ١ / ١٩ ]
خبرة بالصناعة الحديثية أن ضعفها ليس شديدًا، وهي بذلك ترتقي إلى درجة الصحة والثبوت والاحتجاج.
أضف إلى ذلك أن أئمة الصنعة الحديثية قد حكموا على حديث (الفرقة الناجية) بالثبوت ولم يختلفوا في تصحيحه، ودُونَك سردًا بأسمائهم ومواطن قولهم:
أولًا:
حديث أبي هريرة ﵁ قال عنه الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم (١/ ١٢٨): "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
ثانيًا:
حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁.
قال الحاكم: "هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح هذا الحديث"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حَجَر في تخريج أحاديث الكَشّاف (ص/ ٦٣) "حديث حسن".
ثالثًا:
قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٤٥): "الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد".
قال الشاطبي في [الاعتصام] (٢/ ١٨٦): "حديث تفرُّق الأمة صح من حديث أبي هريرة ﵁". وقال الحافظ ابن كَثير في [تفسيره] (٢/ ٤٨٢):
"هو حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا".
كذلك فقد ذكره السخاوي وأسهب في سرد طرقه في "الأجوبة المرضية" (٢/ ٥٦٩)
رابعًا:
وممّن نص على ثبوته: عبد القاهر البَغداديّ في [الفَرْق بين الفِرَق]، فقال: "للحديث الوارد على افتراق الأمة أسانيدُ كثيرة".
خامسًا:
وكذلك العلامة الأَلباني قد عقدَ في «الصحيحة» (٢٠٤/ ٢٠٥) بحثًا حديثيًا نفيسًا، وفنَّد شبهات المخالفين المضِّعفين للحديث، وردَّ عليها.
كل هؤلاء الأعلام الفُحول جزموا بصحة الحديث وثبوته، خلافًا لبعض المعاصرين الذين تكلموا في غير فنهم فأتَوْا بالعجائب!
[ ١ / ٢٠ ]
ويمكن الجزم بتلقي أئمة الحديث هذا الحديثَ بالقبول بطريقتين:
١) كثرة أصحاب السنن، والمسانيد، والمعاجم، وكتب التراجم، والعقائد الذين روَوْا هذا الحديث دون إنكارٍ لمتنه.
٢) كثرة الكتب التي صُنفت في «الملل والنحل»، منها: [الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل] لابن حزم، و[الفرْق بين الفرَق، وبيان الفرقة الناجية] لعبد القاهر البغدادي، و[مقالات الإسلاميين] لأبي الحَسن الأشعريّ (^١)
وممن صححه: الذهبي، والعراقي، والشاطبي، والبيهقي، والبَغَوي، وابن حَجَر، وابن كَثير، والحاكم، والذَّهَبي، والتِّرمذي، والسيوطي، وابن الوزير، وقال فيه السخاوي: رجاله موثقون، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. فهوحديث أتى من جملة من الطرق يقوى بعضها بعضًا، فيرتقي إلى الصحة. والله أعلم (^٢).
وقد ذكره الكتاني في كتابه [نَظْم المتناثر من الحديث المتواتر/ ١٨]. وكذلك عدَّه الإمام السيوطي من الأحاديث المتواترة (^٣)، ولكن دعوى القول بتواتره فيها نظر، بل نقول: إن التواتر في هذا الحديث تواترٌ معنويّ، فقد جاءت جملة من الأحاديث تحمل المعنى نفسَه، مثل: قول النبي ﷺ: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا»، وكذلك حديث الحوض، وأنه سيرِد ناس على الحوض، ثم يردُّون عنه، لأنهم قد خالفوا سنة النبي ﷺ، وتفرقوا واختلفوا.
فالحاصل أن هذا الحديث حديث متواتر من حيث المعنى.
* وقد تكلم البعض في تضعيفه، فمنهم من ضعفه بالرأي، ومنهم من ضعَّفه من ناحية إسناده، والذين ضعفوه بالرأي قالوا:
إنه بناءً على هذا الحديث سيكون أكثر
_________________
(١) بشرى المشتاق لحديث الافتراق للشيخ سليم الهلالي.
(٢) قد صُنفت رسائل في جمع طرق حديث الافتراق، وبيان ألفاظه ومَخارجه على سبيل التفصيل، ومن ذلك: دفْع المِراء عن حديث الافتراق لحمد العثمان.
(٣) فيض القدير (٢/ ٢١).
[ ١ / ٢١ ]
هذه الأمة هَلْكى؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة».
يخالف ما أخبر عنه النبي ﷺ، أن أمته نصف أهل الجنة، كما ورد ذلك في الصحيحينِ.
الرد على هذه الشبهة:
قال أبو العباس ابن تيمية: "الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة". (^١).
يقول الإمام الصَّنعانيّ:
"هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد، لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية. فلا يتم أكثرية الهلاك، فلا يرِد الإشكال.
وإن قيل يمنع عن هذا أنه خلاف الظاهر من ذكر كثرة عدد فرق الهلاك، فإنّ الظاهر أنهم أكثر عددًا!! قلتُ: ليس ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنما هولبيان اتساع طرق الضلال وشعبها ووحدة طريق الحق". اهـ (^٢).
قال الشيخ صالح المُقْبلي:
"إن الناس عامة وخاصة، فالعامّة آخِرُهم كأولهم، كالنساء والعَبيد والفَلّاحين والسُّوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخِرهم من الابتداع كأولهم، وهم الأكثر عددًا قديمًا وحديثًا، وأما الخاصة فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها أصلًا يردُّ إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوامٌ مِن نَمَطِهِ في الفقه والتعصُّب، وهؤلاء هم المبتدعة حقًّا عند الله تعالى،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٥، ٣٤٦).
(٢) افتراق الأمة إلى نَيِّفٍ وسبعينَ فِرقةً (ص/٦٦).
[ ١ / ٢٢ ]