[ ١ / ٢٥٣ ]
الفرقان في بيان حقيقة الإيمان
نص الحديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﵁- عَنِ النَّبِيِّﷺ- قَالَ:
" الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ".
* تخريج الحديث:
أخرجه البخاري (٩)، كتب، باب الإيمان: "باب أمور الإيمان، ومسلم (٣٥)، كتاب الإيمان " باب شعب الإيمان "".
*مقدمة:
هذا الحديث يعد من أصول المسائل العقدية التي اهتم بها السلف، وذلك لكونه يتضمن مسألة الإيمان.
ولا شك أن مسألة الإيمان من المسائل الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة، وهي من أصول المسائل التى حرص السلف على تبيينها وتفصيلها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكلام الناس في هذا الاسم -أي الإيمان - ومسمَّاه كثير؛ لأنه قطب الدين الذي يدور عليه، وليس في القول اسم عُلِّقَ به السعادة والشقاء والمدح والذم والثواب والعقاب أعظم من اسم الإيمان والكفر؛ ولهذا سمَّي هذا الأصل " مسائل الأسماء والأحكام ". (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٨)
[ ١ / ٢٥٥ ]
-الإيمان لغة:
مصدر آمن يؤمن إيمانًا؛ فهو مؤمن، ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق، فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولًا مؤمنًا به، ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله مؤمنًا. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [سورة يوسف: ١٧]، والمعنى: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا. (^١)
والإيمان يكون متعديًا بنفسه ومتعديًا بغيره:
١ - بنفسه:
يقال آمنته أى جعلت له الأمن، وهو التأمين من الخوف، قال الله تعالى: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ * وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)
* قال النبي -ﷺ: " أنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون ". (^٢)
ومنه اسم الله تعالى: "المؤمن "؛ لأنه يؤمِّن عباده من الخوف والفزع يوم القيامة.
٢ - يتعدى بالباء:
فيكون معناه: التصديق، فتقول: آمنت بالله أو آمنت برسول الله، قال الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٦]
ولما جاء الرجل يستنصح النبي -ﷺقال: (قل: آمنت بالله ثم استقم). (^٣)
٣ - ويتعدى باللام:
ويكون معناه: الاتباع والانقياد والإذعان، قال الله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]،
، فيقال آمنت لله أي: أذعنت وخضعت وانقدت لأحكام الله وأوامره.
* وعليه: فالإيمان ليس قاصرًاعلى التصديق فحسب، بل يشتمل على معنى التصديق والإقرار والانقياد. (^٤)
_________________
(١) وانظر جامع البيان في تأويل القرآن (١/ ٢٣٥)
(٢) أخرجه مسلم (٦٦٢٩)
(٣) أخرجه مسلم (٣٨)
(٤) وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من جعل الإيمان مجرد التصديق من ستة عشر وجهًا فى كتاب الإيمان (ص/٩٩) ومجموع الفتاوى (٧/ ١٢٢) ومفاد ذلك أن من حصر الإيمان فى التصديق فقوله مردود من وجوه حيث أن الإيمان يقابله الكفر والتصديق يقابله التكذيب، والكفر يكون بالتكذيب وغيره. = = كما أن الإيمان لا يفيد معنى التصديق إلا إذا عدِّى باللام (آمن له) (وما أنت بمؤمن لنا) وقد ورد لفظ الإيمان متعدِّيًا بـ (اللام/الباء / وبنفسه)، فدل أن لفظ الإيمان أوسع دائرة من لفظ التصديق، ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق فحسب، فإن التصديق لغة يشمل الأفعال كما فى الحديث (العينان تزني والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) - ولو سلمنا أن الإيمان هو التصديق لغة فإن قول الشرع مقدّم على اللغة حال التعارض، والشرع قد أوسع دائرة الإيمان فجعل فيها تصديق الجنان وقول اللسان وعمل الأركان، ونظيره. لفظ الصلاة لغة - هى الدعاء، ولكن زادها الشرع بإلزام الركوع والسجود فيها مع القراءة.. وانظر المسائل العقدية التى حكى فيها ابن تيمية الإجماع (ص/٥١٧) وحقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (٥٦)
[ ١ / ٢٥٦ ]
- تعريف الإيمان اصطلاحًا:
هو قول وعمل ونية واعتقاد، هذا فى الجملة؛ فإنَّ ألفاظ السلف تنوعت فى تفسير الإيمان، وإن كان مقصودهم واحدًا.
** الإيمان حقيقة مركبة من أربعة أجزاء:
قول ظاهر وباطن، وعمل ظاهر وباطن، وهذا يعنى أمرين لا نزاع فيهما عند أهل السنة:
(١) لا يجزئ القول من دون العمل، وهذا بإجماع أئمة السلف.
(٢) أن الكفر يكون بالقول والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك.
فالإيمان قول وعمل ونية، أما قول القلب: فهو تصديقه وإقراره ويقينه ومعرفته. أما عمل القلب: فهو تحركه وارادته، مثل الإخلاص والتوكل والرجاء والخوف والوجل والمحبة. (^١)
وأما قول اللسان:
فهو الإقرار بالله وبما جاء من عنده، والشهادة لله بالتوحيد ولرسوله - ﷺ - بالرسالة.
_________________
(١) والفرق بين قول القلب وعمل القلب: أن قول القلب هو العقائد التى يعترف بها ويعتقدها، وأما عمل القلب فهو حركته التى يحبها الله ورسوله ﷺ، وهى محبة الخير وإرادته الجازمة، وكراهية الشر والعزم على تركه.
[ ١ / ٢٥٧ ]
** الأدلة أنَّ قول القلب من الإيمان:
١ - أدلة القرآن:
قال تعالى (إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) (المنافقون/١)
فقد أثبت عليهم حكم النفاق ونفى عنهم الإيمان؛ وذلك لانتفاء قول القلب، والذي هو الإقرار والتصديق.
وفي الآية دلالة أن الشهادة ليست قاصرة على قول اللسان، بل يدخل فيها قول القلب، وإن كان الإسلام في الظاهر يكفي فيه نطق الشهادتين.
وأما أدلة السنة:
عن أبي هريرة -﵁قال: قال رسول الله - ﷺ:
" يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ". (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمجرد علم القلب بالحق إن لم يقترن به عمل القلب بموجب علمه، مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. (^٢)
** ثانيًا: أدلة اشتراط قول اللسان:
قال تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة/١٣٦)
*وعن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٦)
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٧١)
[ ١ / ٢٥٨ ]
لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. (^١)
- وكذلك أجمع العلماء على ثبوت حكم الإسلام للكافرإذا نطق الشهادتين، نقل هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم، كابن القيم وابن حزم.
قال ابن رجب:
ومن المعلوم بالضرورة أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يقبل مِنْ كل منْ جاءه يريدُ الدخولَ في الإسلامِ الشهادتين فقط، ويَعْصِمُ دَمَه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتلَه لمن قال: لا إله إلا الله، لما رفع عليه السيفَ، واشتدَّ نكيرُه عليه. (^٢)
ثالثًا: أدلة اشتراط عمل القلب:
ومن أدلة القرآن: قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة/١٦٥)
وقال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥)
* ومن السنة:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ. (^٣)
وعن أنس مَالِكٍ﵁قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
" لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٣)
(٢) وانظر جامع العلوم والحكم (ص/ ٢٢٨) تنبيه مهم: ليس المقصود بالشهادتين مجرد الإخبار عما فى النفس من العلم والجزم بأن لا إله إلا الله بل لابد أن يكون ذلك على وجه الإنشاء المتضمن الإلتزام والانقياد، ولهذا لم ينفع اليهود وغيرهم اعترافهم بالنبى - ﷺ - مع قولهم بالتوحيد؛ لأنَّ ذلك كان على سبيل الإخبار دون الرضا والانقياد للشريعة.
(٣) متفق عليه
[ ١ / ٢٥٩ ]
بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك. (^٢)
قال ابن القيم:
أهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب. (^٣)
* فوائد:
الأولى:
لا يكفي مجرد الإقرار بكفر أبي لهب مثلًا، بل إن عمل القلب يستلزم بغضه فى الله، قال تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) (المجادلة/٢٢).
الثانية:
عمل القلب من أركان الإيمان وبفقده ينعدم الإيمان فى القلب، فإنَّ كفر فرعون ما كان إلا لانتفاء عمل القلب، بالإضافة الى انتفاء قول اللسان، ومثله كفر أبى طالب، قال تعالى عن آل فرعون (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» (النمل/١٤)
وقال - تعالى-عن موسى - ﵇فى خطابه لفرعون (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) (الإسراء/١٠٢)
فلقد أبى فرعون أن ينطق بكلمة التوحيد رغم استيقانه بهذه الكلمة، ومثله ما كان من كفر إبليس، فلقد كفر إبليس من باب الكبر والاستكبار على أمر الله تعالى، رغم ما كان عليه من الاعتقاد القلبى بتوحيد الله، ونطقه بذلك، ومن هذا الباب كفر اليهود فكان من باب زوال عمل القلب، وهم كما قال الله (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٠٤١)
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٠)
(٣) الصلاة وأحكام تاركها (ص/٥٦)
[ ١ / ٢٦٠ ]
رابعًا: عمل الجوارح:
فعمل الجوارح أصل من أصول الإيمان، وأحد أركانه ودليل ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب:
فقد قال تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البيِّنة/٥)
فنص الله -تَعَالَى - على أَن عبَادَته فِي حَال الإخلاص وَأقَام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة الواردتين فِي الشَّرِيعَة كُله دين الْقيمَة. (^١)
وقَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء: ٦٥)
فنص تَعَالَى وَأقسم بنفسه أَنه لَا يكون المرء مُؤمنا إِلَّا بتحكيم النَّبِي - ﷺ - فِي كل ماعن ثمَّ يسلم بِقَلْبِه، ثم لَا يجد فِي نَفسه حرجًا مِمَّا قضى، فصح أَن التَّحْكِيم شَيْء غير التَّسْلِيم بِالْقَلْب، وَأَنه هُوَ الْإِيمَان الَّذِي لَا إِيمَان لمن لم يَأْتِ بِهِ فصح يَقِينا أَن الْإِيمَان اسْم وَاقع على الْأَعْمَال فِي كل مَا فِي الشَّرِيعَة. (^٢)
*وأما السنة:
عن ابن عباس - ﵄قَالَ: قال النبي ﷺ:
" أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ ". (^٣)
* الإجماع: الإيمان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب، ثم قول اللسان وعمل الجوارح. (^٤)
قال الشافعي:
وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن أدركناهم:
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٠٩)
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٠٩)
(٣) متفق عليه. وترجم له البخارى بقوله: بَاب أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنْ الْإِيمَانِ.
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧)
[ ١ / ٢٦١ ]
أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر. (^١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، فالقول تصديق الرسول والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا، والقول الذي يصير به مؤمن قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة. (^٢)
وهذا نص من شيخ الإسلام أنه جعل جنس العمل الظاهر ركنًا في الإيمان، وأنه قد حكم على من ترك جنس العمل الظاهر بالكفر والخروج من الإيمان.
وقال ﵀:
ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. (^٣)
* فائدة:
لا تعارض بين القول بتكفير تارك العمل بالكلية، كما هو إجماع أهل السنة، وبين الخلاف بينهم في تكفير تارك الصلاة، فالقائل بالمسألة الأولى لا يلزم أن يقول بالثانية، ولا يلزم من حكم الجنس حكم الأفراد، فأهل السنة مجمعون على أنه لا يصح الإيمان مع ترك العمل الظاهر بالكلية، وإن اختلفوا في ترك آحاد العمل كالصلاة.
لذا فالذي عليه أهل السنة أن العمل الذى هو ركن فى الإيمان إنما هو جنس الأعمال، وليس كل فرد من أفراد العمل الظاهر، إلا إذا دل دليل خاص على أن عملًا بعينه من أعمال الجوارح تركه كفر، كترك الصلاة، على الراجح من أقوال أهل العلم.
فالقاعدة هنا:
:
"جنس العمل ركن في الإيمان لا آحاده، إلا بدليل "
وأما الذي عليه المعتزلة والخوارج:
أنَّ كل فرد من أفراد العمل ركن فى الإيمان، يُفقد الإيمان بفقده،
_________________
(١) شرح اعتقاد أهل السنة (٤/ ١٤٩)
(٢) شرح العمدة (٢/ ٨٦)
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١١)
[ ١ / ٢٦٢ ]