[ ١ / ٥٥ ]
*نَصُّ الحديث:
عن أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁- قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِها أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَها: ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]،
لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
*تخريج الحديث:
قال المُزَنِيّ: حدَّثَنا الشافعيُّ، قالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ثُمَّ ساقَ الحديثَ (^١).
وأخرجه أحمد في المُسنَد (٢١٨٩٧)، والمروزي في السُّنّة (٣٧)، والتِّرْمِذِيّ في باب الفِتَن (٢١٨٠)، وقالَ: "حَسَن صحيح"، والنَّسائيّ في التفسير مِن سُنَنه الكُبرى (١١١٢١)، وابن أَبي عاصمٍ في السُّنّة (٧٦)، وصححه الأَلبانيّ في [ظِلال الجَنّة] (٧٦)، وقال شُعَيبٌ الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شَرْطِ مُسلمٍ". (^٢)
_________________
(١) السُّنن المأثورة للشافعي (١/ ٣٣٨).
(٢) تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف (١١/ ١١٢)، جامع الأصول (١٠/ ٣٤)، وصحيح مَوارد الظمآن (١٥٤٠).
[ ١ / ٥٧ ]
*غَريب الحديث:
قول الراوي: "خرجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلى حُنَيْنٍ": (حُنَين) هي مَوْضِعٌ بَيْنَ الطّائفِ ومَكّةَ، وقعتْ فيه مَعْرَكة "حُنين" المشهورةُ.
قوله: "يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ": قال الحَمَوِيّ:
"شجرة خضراءُ عظيمة، كانت الجاهلية تأتيها كُلَّ سَنةٍ؛ تعظيمًا لها، فتُعلِّقُ عليها أسلحتها، وتَذبحُ عندَها، وكانت قريبةً من مكةَ.
وذُكِرَ هذا من كلام ياقوت الحموي أيضًا أنهم كانوا إذا أتَوْا يَحُجُّون يُعلّقون أَرْدِيَتَهم عليها، ويدخلون الحَرَم بغير أَرديةٍ؛ تعظيمًا للبيت؛ ولذلك سُمّيت ذاتَ أنواط، أو نقول: سُميت أنواطًا، يقال: ناطَ الشيءَ، يَنُوطُهُ، إذا عَلَّقَهُ". (^١)
*قوله ﷺ: «إِنَّهَا السُّنَنُ»: جَمْعُ سُنّة، و(السُّنّة) لغةً: الطَّريقة، حَسَنةً كانت أو سيّئةً، والمراد هنا: طريقة أهل الأهواء والبِدَع التي ابتدعوها مِن تِلقاءِ أنفُسهم بعد أنبيائهم، مِن تغيير دينهم، وتحريف كتابهم، كما أتى على بَني إسرائيل، حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ. (^٢)
المعنى العامّ لحديث الباب:
قوله أبي واقِدٍ اللَّيْثِيّ -﵁-:
"خرجْنا مع رسول الله -ﷺ- يومَ حُنينٍ ونَحْنُ حديثو عهدٍ بكفرٍ":
يقصد بذلك مَن خرجَ معَ النبي ﷺ يومَ حُنين من الصحابة -﵃الذين أسلموا بعدَ فتح مكةَ، وكانوا يُطلَقُ عليهم "مُسْلِمةُ الفَتْحِ"؛ فخرجوا مع النبي -ﷺفي غَزْوَة حُنين.
قال الراوي: "وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا": والعُكُوفُ للشّيء هو مُلازَمَتُه، كما في قول الله سبحانه عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ
_________________
(١) مُعْجَم البلدان (١/ ٢٧٣).
(٢) تحفة الأحوذي (٥ / ص ٤٧٢).
[ ١ / ٥٨ ]
لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢].
قال الراوي: "ويَنُوطُونَ عَلَيْها أَسْلِحَتَهُمْ" أيْ: يعلِّقون عليها أسلحتهم.
"فقلنا: يا رسولَ الله، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ" أي:
اجعلْ لنا شجرةً نُعلِّق عليها أسلحتنا، كما لهم شجرةٌ يُعلِّقون عليها؛ فالمشركون كانوا يفعلون ذلك طلبًا للبَرَكة من هذه الأشجار؛ لتزداد الأسلحة قوةً -مثلًا- فلا تنكسرَ حالَ النِّزالِ في المَعارك.
فقال هَؤلاءِ الذين أسلموا حديثًا للنبي ﷺ:
"اجعلْ لنا ذاتَ أَنواطٍ" أي: لِنُعلّقَ عليها أسلحتنا. ومعنى "أناط الشيءَ": علَّقَه.
فقال النبي ﷺ: «سُبْحانَ اللهِ»، وفي روايةٍ قال: «اللهُ أَكبرُ، قُلْتُم كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى».
*هذا الحديث فيه جُملةٌ من الفوائدِ: