[ ١ / ٢٩١ ]
**نص الحديث **
عن عَائِشَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهم- قَالَا:
" لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا ". (^١)
لا شك أن المستقرأ لأصول هذا الشرع الحنيف يقف على حقيقة مهمة ألا وهي أن نصوص الكتاب والسنة قد عنت عناية كبيرة بمسائل التوحيد، فكانت في ذلك جامعة مانعة؛ جامعة للأصول التى تحقق للمرء اكتمال البناء العقدي التوحيدي، ومانعة من كل الذرائع التي توقعه في حبائل الشرك.
* وهذا مثال فقط للتدليل على صدق ذلك:
عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ - ﵁- قَالَ: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَال النَّبِىُّ -ﷺ -:
«هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ النبيُّ -ﷺ -: أَوْفِ بِنَذْرِكَ. (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٥) باب بَابُ الصَّلَاةِ فِي البِيعَةِ، ومسلم (٥٣١) باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٠٥)، قال ابن تيمية: أصل هذا الحديث فى الصحيحين، وهذا الإِسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير. وقال ابن الملقن في البدر المنير: كل رجاله أئمة، مجمع على عدالتهم. ونص الحديث من غير هذه القصة قد رواه مسلم (١٦٤١)
[ ١ / ٢٩٣ ]
فتأمل:
قد سأل النبي - ﷺ- عن أمرين: عن الشرك، ووسائله.
فسؤاله عن الشرك في قوله: هل كان فيها وثن؟، وسؤاله عن وسائله في قوله:
هل كان فيها عيد من أعيادهم؟. (^١)
فقوله ﷺ: (فأوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله)
دل على أن مشابهة المشركين في أفعالهم، ولو ظاهرًا إنما هو معصية لله عزوجل، وعندها لايغنى عن المرء صدق نيته، بل لا بد أن يقرن بصدق النية حسن العمل.
ومن هذا الباب فقد سد الشرع الباب على أناس يغالون في الصالحين ويرفعونهم فوق مكانتهم، لئلا يقع منهم شرك في المحبة والدعاء.
وقد وقع المحظور حتي تعلَّقت القلوب بالقبور، وتوجهوا إليها بما لا يُتوجه به إلا لله عزوجل، واعتقدوا فيها ما لا يُعتقد إلا في الله عزوجل.