قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وجِماعُ ذلك: أنّهُ لا بُدَّ له في الأمر مِن أصلينِ:
ففي " الأمر ":
عليه الاجتهاد في الامتثال علمًا وعملًا، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعدّيهِ الحدودَ؛ ولِهذا كان من المشروع أن يَختمَ جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي -ﷺ- إذا انصرفَ مِن صلاته استغفرَ ثلاثًا، وقد قال الله - تَعالَى -: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، فقاموا بالليل، وختموه بالاستغفار، وآخرُ سورةٍ نزلت: قولُ الله - تَعالَى -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣]، وفي الصحيح: أنه كان -ﷺ- يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّلُ القرآنَ.
وأما في " القدَر ":
فعَلَيْهِ أن يستعين بالله في فعل ما أُمر به، ويتوكلَ عليه، ويدعوَه، ويَرْغَبَ إليه، ويَستعيذَ به، ويكونَ مُفتقرًا إليه في طلب الخير وترْك الشر؛ وعليه أن يصبر على المقدور، ويَعْلَمَ أنّ ما أصابَهُ لم يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وما أخطأَهُ لم يكُن لِيُصِيبَهُ؛ وإذا آذاه الناسُ عَلِمَ أنّ ذلك مقدَّرٌ عليه. وقد جَمَعَ الله -سبحانه- بينَ هذينِ الأصلينِ في مواضعَ، كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
_________________
(١) مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٧٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] " ا. هـ (^١)
** نعود فنقول:
إنَّ آدم -﵇- أعلمُ بالله -تعالى- مِن أن يحتجَّ بالقدر على المعصية؛ فليست هذه طريقةَ المؤمنينَ، فَضْلًا عن النبيّينَ! فالاحتجاج بالقدر على المعصية إنما هي طريقة المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨].
وهي طريقة إبليسَ، كَبيرِهِمُ الذي علَّمَهم الشركَ، إبليس الذي احتج بالقدر على كِبْرِهِ وغِوايَتِهِ، فـ ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦].
والاحتجاجُ بالقدر على المعصية: طريقة الجَبْريّة، تِلْكَ الفِرْقةِ الضّالّة، التي جعلت القدَر ذَريعةً للخَوْضِ في الكفر والفُسوق والعِصْيان. (^٢)
* الوجه الرابع:
لو كان هذا اللوم من موسى لآدم -﵉- على المعصية، فأجابَ آدمُ -مَثَلًا-: «أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ» لَكانَ لموسى الحجة على آدم -﵉-، ولَقالَ موسى: يا آدمُ، أتحْتجُّ بالقدر على المعصية؟! لكنْ لمّا انقطعَ موسى -﵇- عن لومه، دلَّ ذلك أن: الحُجة كانت لآدم -﵇-، وهذا الذي نصَّ
_________________
(١) التدْمريّة: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص/٢٢٩).
(٢) لذا فمَنْ فَهِمَ الحديث على هذا الفَهم بأنّ موسى -﵇- قد لام آدم -﵇- على المعصية، فاحتج آدم -﵇- بالقدر على فعله للمعصية، وبناءً على هذا الفهم قد ذهبَ مَن ذهبَ إلى تكذيب الحديث، والطعنِ في أصل ثبوته. ومن أمثال هؤلاء: الضالُّ المُضِلُّ (عدنان إبراهيم)، الذي قال: إن هذا الحديث قد وضعه (بَنُو أُمَيّةَ)؛ وذلك تسويغًا لِما فعلَه معاويةُ بن أبي سفيان -﵁- يومَ أنْ خرجَ في مَوقِعة (صفّين)، ويومَها قال معاويةُ: "ما جئنا إلى صفّين إلّا بقدر الله، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ". * أقول: ولعل القارئ يستقرئ من خلال ذلك: أنّ هذا المدعوّ (عدنان إبراهيم) ما هو إلا شخص رافضيٌّ خبيث، فلقدْ صرَّح أنّ معاوية بن أبي سفيان -﵁- كان يستحلُّ الخمر ورِبا الفَضْلِ. وكمْ طعنَ هذا الضالُّ في أبي بكرٍ وعمرَ وأبي هريرةَ وعائشةَ وأنسٍ -﵃-! ومن أراد الوقوف على أقوال هذا الضالّ في صحابة النبي -ﷺ- فلْيرجعْ إلى مقال "حقيقة الدكتور عدنان إبراهيم المتشيِّع" لـ داود العتيبي.http://www.saaid.net/bahoth/171.htm
[ ١ / ١٧٨ ]
عليه الحديثُ في قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» ثَلَاثًا.
* الوجه الخامس:
أنَّ بابينِ عظيمينِ يمنعانِ أن يكون لوم موسى لآدم -﵉- لومًا على ذات المعصية: باب الأدب، وباب العلم
أمّا باب الأدب:
فإنّ موسى -﵇- آدَبُ مِنْ أنْ يُعَيِّرَ أباه آدمَ -﵇- على معصية قد تاب منها بالفِعْل، فمِثْلُ هذا لا يقع من التلميذ لشيخه؛ فكيفَ بموسى الكَلِيمِ أنْ يلوم أباه على معصيةٍ فَعَلَها، وقد تابَ منها بالفِعْلِ؟!
ولهذا لم يقُل له موسى -﵇-: لماذا أكلتَ من الشجرة؟ وإنما قال له: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟» (^١).
وهذا اللفظ قد رُوي في بعض طرق الحديث، وإنْ لم يكن في جميعها؛ فهو مبيِّنٌ لِما وقعت عليه المَلامة. (^٢)
** أمّا باب العلم:
فإنّ موسى -﵇- أعلمُ بالله -﷿- من أن يلوم آدم -﵇- على معصية قد تاب منها، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فأدبُ موسى -﵇- وعلمُه يَمنعانِهِ من أن يفعل ذلك!
*ولو أنّ آدم -﵇- فَهِمَ أنّ اللوم هو على الذنب لَقالَ -مثلًا-: يا موسى، وأيُّ مَلامةٍ عليَّ وأنا قد تُبْتُ بالفِعْلِ؟!
فلمّا احتجَّ بالكتابة لا بالتوبة، دلَّ ذلك على المراد.
* وعَلَيْهِ فلا وَجْهَ لِأَنْ يُلامَ آدمُ -﵇- لا شرعًا، ولا قدَرًا:
لا شرعًا: لأنه قد تاب من ذنبه،
ولا قدَرًا: لأنّ خروجه من الجنة كان بقدَر الله - ﵎ -.
ثم يقال:
ولو أنَّ موسى لَامَ آدم -﵉- على الذنْب لَأجابَهُ: إنني
_________________
(١) وهذه اللفظة قد أخرجها البخاري (٤٧٣٦) ومسلم (٢٦٥٢) وأحمد (٧٣٨٧).
(٢) شِفاء العَليل في مسائل القضاء والقدر والحِكْمة والتعليل (١/ ١٤)، ورفع الشُّبْهة والغَرَر عمن يحتجُّ على فعل المعاصي بالقدر (ص/٣٢).
[ ١ / ١٧٩ ]