كان الكُهَّان منتشرينَ في جزيرة العرب قبل البعثة النبوية، وكان لكلِ كاهنٍ رَئِيٌّ من الجن يأتيه بالخبر من السماء، وقد ذكرَ الله -تعالى- عن الجن قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٨ - ٩]، فإذا ما أوحى الله -تعالى- لملائكته الأمرَ من الوحي صَعِدَ الجنُّ ليَسْتَرِقُوا أخبارَ السماء؛ فتُرسَلُ عليهم الشُّهُبُ لتُحرقهم، فمن لم تُصِبْه الشهبُ ألقى إلى الكاهن الكلمةَ من الصِّدْقِ، فيَزيد عليها الكاهنُ مئة كَذْبةٍ، كما قال -﷿-: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٣]، فالجن يُلقون إلى الكَهَنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة ﴿كَاذِبُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يَخْلِطون ما يستمعون بِكذبٍ كثيرٍ. (^٢)
وقد ورد في حديث النبي -ﷺ-: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ». (^٣)
** قال شيخ الإسلام ابن تَيميةَ:
"قد عَلِم الخاصّةُ والعامّة بالتجرِبة والتواتُر أنَّ
_________________
(١) وانظر معالم السنن (٣/ ١٠٤) والنهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٥).
(٢) فتح الرحمن في تفسير القرآن لمجير الدين المقدسي (٥/ ١٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٢١٣) ومسلم (٢٢٢٨).
[ ١ / ٨٦ ]
الأحكام التي يحكُم بها المنجِّمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، والمنجِّمون قد خاطبتُهم بدِمشق، وحضرَ عندي رؤساؤهم، وبيَّنتُ فسادَ صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، وقال رئيسٌ منهم: واللهِ إنّا نَكذب مئة كَذْبةٍ حتى نصدق في كلمة". (^١)
قال القُرطُبيّ:
"كان الجن يَقعُدون مَقاعِدَ لاستماع أخبار السماء، وهُمْ المَرَدةُ من الجن؛ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يُلقوها إلى الكَهَنة، فحرسَها الله بالشهب المُحْرِقة، فقالت الجن حينَئذٍ: ﴿ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] ". (^٢)
- وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٢).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٢) *فائدة: من الجن من استرق السمع في بدء بعثة النبي -ﷺ- حتى أخبر الكهانَ بخبر البعثة النبوية، وقد ورد في قصة إسلام الصحابي سَواد بن قارِب الدَّوْسِيّ -﵁- الذي كان كاهنًا في الجاهلية أن سبب إسلامه أن تابعه من الجن أخبره ببعثة النبي -ﷺ-، ودعاه إلى اتّباعه، وذلك في قصة طويلة قصَّها على عمرَ ﵁- في خلافته، حيث قال: "كنت كاهنًا في الجاهليّة، فبَيْنا أنا نائم إذ أتاني نَجِيِّي فضربَني برجله، ثم قال: يا سواد بن قارب، اسمعْ أقُلْ لك. قلتُ: هاتِ، قال: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وأَرْجاسِها وَرَحْلِها الْعِيسَ بِأَحْلاسِها تَهْوِي إلى مَكّةَ تَبْغِي الْهُدَى ما مُؤْمِنُوها مِثْلَ أنجاسها فارْحَلْ إلى الصّفوة من هاشم واسم بعينيك إلى رأسها قال سواد -﵁-: فَأَصْبَحْتُ فَاقْتَعَدْتُ بَعِيرًا لِي حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا رَسولُ اللَّه -ﷺ- قَدْ ظَهَرَ، قَالَ: فَأَخبَرْتُه الْخَبَرَ وَبَايَعْتُهُ". قال ابن حجر: وأصل هذه القصّة في صحيح البخاريّ من طريق سالم عن أبيه. وانظر الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ١٨٣) وتجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٤٨) والوافي بالوَفَيات (١٦/ ٣٥).
[ ١ / ٨٧ ]
- قال قَتادةُ: "خُلقت النجوم لثلاثٍ:
١ - زينة للسماء. ٢ - وهداية للناس. ٣ - ورُجومًا للشياطينِ". (^١)
** ووردَ بيانُ ذلك مفصَّلًا في رواية أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ:
«إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: ﴿الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا، لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ». (^٢)
* وفي رواية عائشةَ -﵂- أن النبي -ﷺ- قال:
«الملائكة تتحدث في العَنانِ -والعَنانُ: الغَمامُ- بالأَمْرِ يكونُ في الأرضِ، فتستمعُ الشياطينُ، فتَقَرُّها في أُذُنِ الكاهِنِ كَما تُقَرُّ القارُورةُ، فيَزيدون معها مئةَ كَذْبةٍ». (^٣)
** ومثال ذلك في قصة ابن صَيّادٍ:
عن ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَقالَ لَهُ النبيُّ -ﷺ-: «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ، وَقَالَ:
«آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ»، فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ. وَمَا تَرَى؟» قَالَ:
أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا -أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لُبِسَ عَلَيْهِ، دَعُوهُ»،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا (٤/ ١٠٧)، ووصلَه ابن حجر في التغليق (٣/ ٤٧٩).
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه البخاري (٣٢٨٨).
[ ١ / ٨٨ ]