والصحيح في ذلك: هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال:
"وأما تعيين هذه الفرق فقد صنَّف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كُتب المقالات؛ لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل؛ فإنَّ الله حرَّم القول بلا علم عمومًا، وحرَّم القول عليه بلا علم خصوصًا" (^١).
ومن العلماء من قال: أصول أهل البدع أربعة: (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة).
الصحيح والذي عليه عمل السلف هو: تحديد أصول أهل البدع، دون تعيين الفرق عينِها.
في ختام الحديث
نطرح سؤالًا: هل هناك فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟
الجواب:
نعم هناك فرق بينهما:
أما الفرقة الناجية فهي أعم من الطائفة المنصورة، فالفرقة الناجية هي التي وردت في حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ:
«مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي»؛ فهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ، فكان على الأصول العامة لأهل السنة والجماعة، وإن كان ذا تقصير في الاتباع الظاهر، فهي أمة الاتباع التي سبق ذِكرها في فوائد حديث الباب.
أما الطائفة المنصورة فهم أخصّ من الفرقة الناجية، الذين وردَ ذكرُهم في قول رَسُول اللهِ ﷺ:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَو خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (^٢).
وخير توصيف لهذه الطائفة المنصورة: ما ذكره النووي -﵀- في شرحه لهذا الحديث «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ»،
حيث قال: "وأما هذه الطائفة
_________________
(١) مجموع الفتاوى بتصرُّفٍ يسير (٣/ ٣٤٦).
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٥١ ]
فقال البخاري: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهلَ الحديث فلا أدري مَن هم.
قال القاضي عِياضٌ:
إنما أراد أحمدُ أهلَ السنة والجماعة ومن يعتقدُ مذهب أهل الحديث.
قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زُهّاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وفي حديثٍ عنه أنه -ﷺ- قال:
«هم مَن كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». صار المتمسكون بالإسلام المَحْض الخالص عن الشَّوْب هم "أهل السنة والجماعة". وفيهم: الصِّدِّيقون، والشهداء، والصالحون. ومنهم: أعلام الهُدى، ومصابيح الدُّجَى، أُولُو المَناقبِ المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال، ومنهم الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين؛ لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى تقوم الساعةُ" (^٢).
فالحاصل أنها دوائر متداخلة:
١) الدائرة الكبرى (أمة الدعوة):
وهم كل من بُعث إليهم الرسول ﷺ، وقد بُعث إلى الناس عامّةً.
٢) الدائرة الأقل منها (أمة الإجابة):
كل من دخل في دين الإسلام، وإن لم يلتزم بأصول السنة، فوقع في جملة من البدع المفسِّقة، التي لم تُخرجه من دائرة الإسلام.
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (١٣/ ٦٦).
(٢) العقيدة الواسطية (ص/١٣٣).
[ ١ / ٥٢ ]
٣) الدائرة الأقل (أمة الاتباع):
وهي الفرقة الناجية، هي التي وردت في حديث الباب، وهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ، فكان على الأصول العامة لأهل السنة والجماعة.
٤) الدائرة الأقل (الطائفة المنصورة):
وخير توصيف لها: ما ذكره الإمام النووي، أنها تشمل كل من قام لدين الله علمًا أو عملًا.
تم بحمد الله
[ ١ / ٥٣ ]