لأهل الإيمان دون غيرهم. (^١)
* قال ابن حزم:
والآية والأحاديث الصحاح مأثورة في رؤية الله -تعالى- يوم القيامة موجبة القبول لتظاهرها وتباعد ديار الناقلين لها، ورؤية الله -﷿- يوم القيامة كرامة للمؤمنين لا حرمنا الله ذلك بفضله. (^٢)
وفيما يلى تبيين ذلك بشيء من التفصيل:
أولًا: أدلة الكتاب على إثبات الرؤية:
١) قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]
و"الزيادة " في هذه الأية قد فسرها النبيﷺ- برؤية الله تعالى.
عَنْ صُهَيْبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ، فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ "، قَالَ: " فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ " ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. (^٣)
٢) قال تعالى﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿(القيامة: ٢٢/ ٢٣)
عَنْ عِكْرِمَةَ: تَنْظُرُ إِلَى رَبِّهَا ﷿ نَظَرًا. (^٤)
قال ابن القيم: وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. (^٥)
_________________
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٤٢٦)
(٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣)
(٣) أخرجه مسلم (١٨١) وأحمد (١٨٩٣٥)
(٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٥٨٦) وسنده صحيح، وأما ما ورد عن ابن عباس فسنده ضعيف. وكذلك ما ورد مرفوعًا عند أحمد (٥٣١٧) والترمذي (٢٥٥٣) ولفظه (إِنَّ أَكْرَمَ أهل الجنة عَلَى اللَّهِ، مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فهو ضعيف جدًا؛ في سنده ابن أبي فاختة -، ضعفه غير واحد من الأئمة، وفيه كذلك: علي بن الجنيد، قال عنه الدارقطني: متروك.
(٥) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٩٦) وقد بوّب البخاري: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ثم ذكر تحته أحاديث الرؤية.
[ ١ / ٣١٨ ]
قال عبدالله بن أحمد:
وجدت في كتاب أبي بخط يده مما يحتج به على الجهمية من القرآن الكريم قوله تعالى
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣». (^١)
فقوله تعالى ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هنا عدي النظر بـ (إلى) الدالة على الغاية، وهو نظر صادر من الوجوه، والنظر الصادر من الوجوه يكون بالعين؛ بخلاف النظر الصادر من القلوب؛ فإنه يكون بالبصيرة والتدبر والتفكر؛ فهنا صدر النظر من الوجوه إلى الرب ﷿؛ لقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾. (^٢)
٣) قال تعالى﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿(المطففين/١٥)
قال رجل لمالك: يا أبا عبد الله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟
فقال ﵀: " لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير اللهُ الكفارَ بالحجاب، فقال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. (^٣)
قال الشافعى:
فلما حجبهم في السخط كان هذا دليلًا على أنهم يرونه في الرضا، وبه أدين اللَّه، لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللَّه لما عبد اللَّه ﷿. (^٤)
٤) قال تعالى﴾ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴿(الأعراف/١٤٣)
فلما طلب موسى -﵇- رؤية ربه -عزوجل- دل ذلك على جواز أصل حصولها وتحققها، وأن رؤيته -تعالى - ليست ممتنعة في الأصل، وإنما جاء المانع لأمر خارج ألا وهو ضعف أهل الدنيا وعدم تحملهم لذلك الأمر.
وإذا كان الجبل لم
_________________
(١) السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل (ص/٥١٢)
(٢) شرح العقيدة الواسطية لابن العثيمين (ص/٤٤٨)
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٨٠٨)
(٤) أحكام القرآن (ص/٤٠) ومناقب الشافعي (١/ ٤١٩) قال ابن كثير: وهذا الذي قاله الإمام الشافعي﵀- في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. تفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٥١) قلت: وقد ثبت مثل هذا الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -تعالى- عن الإمام أحمد فى كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" (ص/١٣٣)، ونقله عنه ابن بطة فى إبانته الكبرى (١/ ١٠٤)
[ ١ / ٣١٩ ]
يثبت لما تجلَّى الله - عزوجل- له، فالبشر أضعف بلا شك. (^١)
*يؤيده:
قد أظهرت الأية - لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد- العلة المانعة من تحقق رؤية موسى -﵇ - لربه -عزوجل- والتى هى ضعف الطبيعة البشرية عن تحمل ذلك؛ وذلك قد اتضح بما وقع للجبل لما تجلى له ربه، أما في الآخرة فالأمر مختلف، والقاعدة تقول:
الأحكام تدور مع علتها وجودًا وعدمًا، توجد بوجودها وتنتفي بزوالها.
٥) قال تعالى (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب/٤٤) وكذلك قوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرالْمُؤْمِنِينَ) (البقرة/٢٢٣)
وكل الأدلة التى أثبتت اللقاء بين الله -تعالى- وبين خلقه فهى من أدلة إثبات الرؤية، كقوله ﷺ ""لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ:
أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ (^٢).
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^٣)
* قال أبو العباس ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾، واحتجوا بآيات " اللقاء "
على من أنكر رؤية الله في الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم. (^٤)
_________________
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص/٢٨٦) وقد ذكر ابن القيم سبعة وجوه في الاستدلال بهذه الأية على رؤية الله -عزوجل - فراجعه إن شئت. ومن عجيب التحريف المعنوي لهذه الآية عند نفاة الرؤية ما تأوله الأصم والكعبي، وهم من المعتزلة بقولهم: إن قول موسى " أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ": أي أرني آية أعلمك بها، كما أعلم ما أنظر إليه. فتنتفي الشكوك والشُّبه!! وانظر "شرح العقائد النسفية" (ص/٢٠٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٩٦٨)
(٣) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر حادي الأرواح (ص/٢٨٨)
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)
[ ١ / ٣٢٠ ]
٦) قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) ﴿(المطففين/٣٥)
وجه الدلالة: القاعدة " حذف المفعول يؤذن بالعموم "
بمعني:
أنه لمَّا لم يُذكرْالمنظورإليه، كان هذاعامًا لكل ما يتنعمون بالنظرإليه، ولا شك أن أعلى النعيم فيما يُنظرإليه في الجنة إنما هوالنظرإلى وجه الله تعالى؛ كما قال النبي ﷺ:
" فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷿ ". (^١)
وعليه فتبقي الأية في سياق العموم، فمن خصها بشيء دون شيء كان ملزمًا بالمخصِص.
٧) قال تعالى﴾ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴿أه (الأعراف/١٤٣)
وجه الدلالة:
والدليل على أنه ممكن أن يُرى في الآخرة بشرطه في الرؤية ما يمكن من استقرار الجبل ولا يستحيل وقوعه، ولو كان محالًا كون الرؤية لقيدها بما يستحيل وجوده، كما فعل بدخول الكافرين الجنة، قيَّد قبل ذلك بما يستحيل من دخول الجمل سمَّ الخياط. (^٢)
قال أبو الحسن الأشعري:
فإن قال قائل: فلِم لا قلتم إن قول الله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) تبعيد للرؤية؟
قيل له:
لو أراد الله -﷿- تبعيد الرؤية لقرن الكلام بما يستحيل وقوعه، ولم يقرنه بما يجوز وقوعه، فلما قرنه باستقرار الجبل، وذلك أمر مقدور لله ﷾،
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨١)
(٢) أفاده ابن عبدالبر في التمهيد (٧/ ١٥٣) ومن التقوّل الباطل للمعتزلة على هذه الحجة زعمهم أن المراد بقوله تعالى (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) أي: إن استقر مكانه حال تحركه، وهذا ليس بجائز، بل محال، والمعلّق على المحال محال، وهذا بلا شك افتراء واضح المعالم، كامل الأركان، مثال صارخ لمن يعتقد ثم يستدل.
[ ١ / ٣٢١ ]
دل ذلك على أنه جائز أن يُرى الله تعالى.
ألا ترى أن الخنساء لما أرادت تبعيد صلحها لمن كان حربًا على أخيها قرنت الكلام بأمر مستحيل فقالت:
ولا أصالح قومًا كنت حربَهمُ حتى تعود بياضًا حُلْكَةَ القارِ " (^١)
* ثانيا: الأحاديث النبوية في إثبات الرؤية:
قد ثبت بالنقل المتواتر المعنوي من أحاديث النبي -صلي الله عليه وسلم - ما يفيد ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
فلقد روي ما يزيد عن ثلاثين صحابيًا أحاديث الرؤية، فالنصوص فيها قطعية الثبوت والدلالة؛ لأنها في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.
وأنشدوا في هذا المعني:
مما تواتر حديث من كذب ومن بني لله بيتًا واحتسب
ورؤية وشفاعة والحوض ومسح الخفين وهذي بعض.
* قال ابن كثير:
وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله -﷿- في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام. (^٢)
قال ابن حجر:
جمع الدارقطني طرق الأحاديث الواردة في رؤية الله-تعالى-في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في حادي الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد. (^٣)
وممن نص على تواتر أحاديث الرؤية من الأئمة:
الذهبي وشيخ الإسلام ابن
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٤٥)
(٢) تفسير القرآن العظيم (/٢٧٩)
(٣) فتح الباري (١٣/ ٤٣٤)
[ ١ / ٣٢٢ ]
تيمية وابن القيم والآجري، والكتاني صاحب كتاب "المتناثر في نظم المتواتر"، والبيهقي فى كتاب الرؤية. (^١)
وإليك طرفٌ من هذه الأحاديث الصحاح:
١ ما ورد فى حديث الباب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- من قوله ﷺ:
«هَلْ تُضَارُّونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ؟، هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ فقَالَ ﷺ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ».
وما أخبر به النبي -ﷺ- من أنَّ المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر فهذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي؛ فإن الله -تعالى- لا شبيه له ولا نظير، فإنه ليس المقصود تشبيه الله -تعالى - بالقمر، وإنما تشبيه رؤية الله -﷿ - برؤية القمر، وهذا كقوله ﷺ:
" أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ" (^٢)، ولم يلزم من ذلك أنهم مماثلون في الحقيقة للقمر، وهذا مستقر بأصل العقل، والعرب تارة تذكر التشبيه للصفة، وتارةً تذكر التشبيه للموصوف. (^٣)
٢ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - قَالَ:
إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ مَسِيحَ الدَّجَّالِ رَجُلٌ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَ بِنَاتِئَةٍ، وَلَا حَجْرَاءَ، فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ. (^٤)
فقوله ﷺ:
" تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿ - حَتَّى يَمُوتَ":
دل أن الرؤية ليست منفية على كل حال، فما بعد كلمة "حتى" يغاير في الحكم ما قبلها. ونظير ذلك قوله تعالى (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)
_________________
(١) وانظر الانتقاد الرجيح شرح الاعتقاد الصحيح (ص/١١٩)
(٢) متفق عليه.
(٣) وانظرالتدمرية (ص/٨٧) ولمعة الاعتقاد (ص/٢٢) وشرح الطحاوية ليوسف الغفيص (ص/٧)
(٤) رواه مسلم (٢٩٣١) وأبو داود (٤٣٢٠) وأحمد (٢٢٧٦٤)
[ ١ / ٣٢٣ ]
٣ - وعن عَمَّارِ بْنُ يَاسِرٍ - ﵁ - قال:
كان من دُعَاء النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ. (^١)
قال ابن خزيمة:
ألا يعقل ذوو الحِجَا - يا طلاب العلم - أن النبي - ﷺ - لا يسأل ربه ما لا يجوز كونه، ففي مسألة النبي - ﷺ - ربه لذة النظر إلى وجهه أبين البيان وأوضح الوضوح أن لله - ﷿وجهًا يتلذذ بالنظر إليه. (^٢)
٤ - عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِعَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». (^٣)
٥ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ:
«إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ (^٤)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ:
" لا تضامون " يروى بالتخفيف، أي لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيئ الحسن كالهلال، فإنه يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى، وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا، فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل:
" لا تَضامّون ": بالتشديد، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يَتَضَامّ الناس عند رؤية الشيئ الخفي كالهلال (^٥) "
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٨٣٥١)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح.
(٢) وانظر التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ (ص/١٣) ومذهب أهل التفويض فى الصفات (ص/٤١٣)
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه.
(٥) مجموع الفتاوى (١٦/ ٨٥).
[ ١ / ٣٢٤ ]
ثالثًا: الإجماع: وقد نقل الإجماع على ذلك جمع كبير من أهل العلم:
* قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، فقالا: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: وأنه ﵎ يُرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم. (^١)
قال أبو سعيد الدارمي:
أحاديث الرؤية قد أدركنا عليها مشايخنا، ولم يزل المسلمون يروونها ويؤمنون بها ولا يستنكرونها، ومن أنكرها نسبوه إلي الضلال. (^٢)
- قال ابن جرير الطبري:
الصواب من القول في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ يوم القيامة، وهو ديننا الذي ندين الله به، وأدركنا عليه أهل السنة والجماعة، فهو: أن أهل الجنة يرونه على ما صحت به الأخبارعن رسول الله ﷺ. (^٣)
*وكذا نقل الإجماع:
الذهبي وابن القيم وابن كثيروأبو الحسن الأشعري والنووي وغيرهم. (^٤)
*رابعًا: دليل العقل على إثبات الرؤية:
يتردد الدليل العقلي على إثبات رؤية الله تعالى بين وجهين، أحدهما أرجح وأقوى دلالة من الآخر:
١) الأول: دليل الوجود:
فالعقل شاهد بذلك؛ فإن الرؤية أمر وجودي لا يتعلق إلا بموجود، وما كان أكمل وجودًا كان أحق بأن يُرى، فإن الله -تعالى-أحق بأن يُرى من كل ما سواه؛ لأن وجوده أكمل من وجود كل ما سواه، إذ المعدوم هو الذى لا يُرى. (^٥)
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٧)
(٢) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)
(٣) صريح السنة (ص/٢٠)
(٤) راجع لذلك سير أعلام النبلاء (٢/ ١٦٧) وحادى الأرواح (ص/٣٣٧) وتفسير القرآن العظيم (٨/ ٣٠٤) والإبانة (١/ ٤٠٢)
(٥) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٠١) وشرح الطحاوية لأبي العز (ص/٢٠٥)
[ ١ / ٣٢٥ ]
* قال أبو الحسن الأشعري:
ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار؛ أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿، وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله -﷿- موجودًا مثبتًا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿. (^١)
٢) الثانى: دليل الكمال:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة، فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله- وله المثل الأعلى- أحقّ بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا، كما لانستطيع التحديق في شعاع
الشمس. (^٢)
* وإنما كان الدليل الثانى هو الأقوى دلالة والأوقع في الحجية العقلية من الأول لأنه ليس كل موجود جائزًا أن يُري؛ فهناك موجودات لا نستطيع رؤيتها، لذا قلنا إن الله -تعالى- إنما أمكننا من رؤيته لكمال ذاته تعالى. (^٣)
المخالفون لأهل السنة في باب الرؤية:
هم أهل البدع الذين أبوا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة في هذا الباب، حيث عمدوا إلى إنكار رؤية الله -تعالى- في الأخرة، بل وجعلوا المثبتين لها قوم مشبهة، وزعموا أن الأثار التي تمسك بها من قال بالنظر إلى وجه الله -تعالى -توجب التشبيه؛ لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة. (^٤)
_________________
(١) الإبانة عن أصول الديانة (ص/٣٣)
(٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٣١)
(٣) المنحة الربانية في أدلة الصفات الإلهية (ص/٧١٧)
(٤) قال الزمخشري: وزعمت المشبِّهة - يقصد بهم أهل السنة- أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرقوع- أى مفترى - «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه) ا. هـ وقال كذلك عند تفسيره لقوله تعالى (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) أي: قد حصل له الفوز المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط اللَّه والعذاب السرمد، ونيل رضوان اللَّه والنعيم المخلد! قلت: أشار به إلى عدم الرؤية؛ لأنَّ رؤيةَ اللَّهِ- تعالى- تُعتبرُ غايةً وراءَ النجاةِ مِن سَخطِ اللَّهِ والنجاةِ من النارِ، وهكذا يتم دس الاعتزاليات بين السطور. حيث أنَّ طريقةَ الزمخشريِّ في إثباتِ بدعةِ المعتزلةِ ليست بطريقةِ المتقدِّمين من المعتزلةِ الذين يقولون: هذه الآيةُ تدلُّ على كذا مثلًا. ولكنه يأتي بعبارة ظاهرها السلامة وباطنها مشتمل على ما يُريدُ ذِكره من البِدعِ التي تخْفَى على غيرِ المتخصِّصِ. قال البلقيني: استخرجت من الكشَّاف اعتزالًا بالمناقيش. وانظرالكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ٢٤٣) والإتقان في علوم القرآن (ص/٢٤٤)
[ ١ / ٣٢٦ ]
وممن أنكر رؤية الله -تعالى-من الفرق:
الجهمية والمعتزلة والزيدية والإباضية وجمهورالشيعة.
قال القاضي عبد الجبار:
وأما أهل العدل بأسرهم والخوارج والزيدية وأكثر المرجئة، فإنهم قالوا: لا يجوز أن يُرى الله -تعالى- بالبصر؛ لأنه ذلك يستحيل.
وقال عن أحاديث الرؤية:
أكثرها يتضمن التشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ لم يقله. (^١)
* ما هو حكم من أنكر رؤية الله في الأخرة؟؟
الذي عليه جمهورالسلف أن من جحد رؤية الله -تعالى- في الدار الآخرة فهو كافر؛ لأنه منكر لما تواتر نقله في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة.
فإن كان المنكر لذلك ممن يجهل العلم بذلك عُرِّف ذلك كما يُعرَّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر؛ وذلك أنه هذه المسألة بتكاثرهاوتواردها قد بلغت مبلغ القطع الذى لا يحتمل معه أى تأويل أو شبهة.
*عن الفضل بن زياد قال:
سمعت أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال:
من قال بأن الله تعالى لا يُرى
_________________
(١) وانظرالمغنى فى أبواب العدل والتوحيد (٤/ ١٣٩) والأصول العشرة للإباضية (ص/١٩٩) ومختصر التحفة الاثنى عشرية (ص/٩٦) والمعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/١٢٧)
[ ١ / ٣٢٧ ]
في الآخرة فقد كفر، عليه لعنة الله وغضبه، من كان من الناس. (^١)
* قال الآجري:
فإن قال الجهمي: أنا لا أؤمن أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة، قيل له:
كفرتَ بالله العظيم، فإن قال: وما الحجة. قيل: لأنك رددتَ القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقول علماء المسلمين، واتبعتَ غير سبيل المؤمنين، وكنت ممَّن قال الله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. (^٢)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أجمعت المعتزلة على أن الله -تعالى- لا يُرى بالأبصار، واختلفت هل يُرى بالقلوب. (^٣)