* قال ابن كثير:
"أخبر الله -تعالى- بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨] والآيات في هذا كثيرة". (^١)
** ومن السّنّة::
عن أبي هُريرةَ أنّ رسول الله -ﷺ- سُئل عن أولاد المشركين، فقال:
«الله أعلمُ بما كانوا عاملينَ» (^٢).
* قال النووي:
"وفي قوله -ﷺ-: «الله أعلم بما كانوا عاملين» بيانٌ لمذهب أهل الحق أنّ الله عَلِمَ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وقد سبق بيان نظائره من القرآن والحديث". (^٣)
إشكال والرد عليه:
قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وأمثال هذه الآيات مُشْكِلة في الفهم؛ لِأنَّ ظاهرها قد يفهم منه تجدُّد علم الله -﷿- بعد وقوع الفعل؟
* والرد على ذلك مِن وجهينِ:
١ - الأول هو ردٌ إجمالي، فنقول:
إنَّ غُلاة القدرية قد تعلَّقوا بمثل هذه الآيات في زعمهم أنّ علم الله -تعالى- بأفعال العباد مستأنَف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٤/ ١٦٠).
(٢) متفق عليه.
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجّاج (١٦/ ٢١١).
[ ١ / ١٢٠ ]
وقوعه؛ فهؤلاء كَفَرةٌ بلا شكٍّ لإنكارهم ما دلَّ الكتابُ والسنة عليه دلالةً قطعيةً، وأجمعَ المسلمون على أزلية علم الله.
فمثل هذه الآيات إنما هي من المتشابه الذي يُرَدُّ إلى المُحْكَم من الأدلة التي دلت أنّ علم
الله -تعالى- واسع وشامل لكل شيء، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فهذا عموم
لا يقبل أي تخصيص.
* ثانيًا، وهو ردٌ تفصيلي:
قال ابن عثيمين: "إن المراد بالعلم في هذه الآيات شيئانِ:
أ) الأول:
علم رؤيةٍ وظُهورٍ ومُشاهَدةٍ، أي: لِنَرَى، ومعلومٌ أنّ عِلم ما سيكون ليس كعلم ما كان؛
لأن علم الله -تعالى- بالشيء قبل وقوعه: علمٌ بأنه سيقع، ولكنْ بعدَ وقوعه:
علمٌ بأنه وَقَعَ.
ب) الثاني:
أن المراد بالعلم إنما هو: الذي يترتب عليه الجزاء، أي: لِنَعْلَمَ عِلمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].
قَبْلَ أن يبتليَنا قد علمَ مَن هو المطيع ومَن هو العاصي؛ ولكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاءُ ولا الثوابُ". (^١)
* قال القُرطبي:
"قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء؛ لأنه إنما يُجازيهم بأعمالهم، لا بعلمه القديم عليهم، فتأويلُه: "حتّى نَعْلَمَ المجاهدينَ عِلْمَ شَهادةٍ"، لِأنّهم إذا أُمِرُوا بالعمل يَشْهَدُ منهم ما عَمِلوا؛ فالجزاء بالثواب والعقاب يقعُ عَلَى علم الشهادة، "ونبلوَ أخباركم": نختبرها ونُظهرها". ا. هـ (^٢)
_________________
(١) تفسير الكهف (ص/٢٤) قلت: بيان ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤]، فلو أن الله -تعالى- عاقب أهل الكفر والعصيان بناءً على علمه الأزليّ السابق فيهم لَقالوا: لو جاءتنا الرسل لكُنّا مؤمنينَ؛ وهذه دعاوى كاذبة، فهم كما قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥].
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ٢٥٤).
[ ١ / ١٢١ ]
*قال الشنقيطي:
"قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ظاهرُ هذه الآية قد يَتَوَهَّمُ منه الجاهلُ أنه -تعالى- يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يَعْلَمُهُ، -﷾- عن ذلك علوًّا كبيرًا، بل هو -تعالى- عالمٌ بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بيَّن أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله -جل وعلا-: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
فقوله: ﴿والله عليم بذات الصدور﴾ بعد قوله: ﴿ليبتلي﴾ دليلٌ قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به، سبحانه، وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا; لأن العليم بذات الصدورغنيٌّ عن الاختبار". (^١)
* المرتبة الثانية: الكتابة:
وهو الإيمان بأن الله -تعالى- كتبَ كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات والأقوال والأفعال، والحَرَكات والسَّكَنات، والرطب واليابس مكتوبٌ.
ودليل ذلك من القرآن:
قال الله -تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وقال سبحانه:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠]، والمراد بالكتاب في هذه الآية هو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها: إثبات العلم، وإثبات الكتابة.
وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وهو اللوح المحفوظ.
وَقَدْ قَالَ تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:
_________________
(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/ ٤٦).
[ ١ / ١٢٢ ]
٣٤] (^١)، وقال سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
*ودليل ذلك من السّنّة:
١) حديث الباب، وفيه قال الرَّسُول -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ: الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٢) وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِرضي الله عنهما - قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ- يَقُولُ:
" كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ " (^٢).
* قال النووي:
"قال العلماء: المُراد: تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو
_________________
(١) أي: إن الإنسان لا يأخذ في هذه الدنيا إلا ما كتب له من الرزق والأجَل، فإذا جاء أجله لا يتقدَّم ولا يتأخر، فلكل إنسان أجلٌ محدد، حتى الذي قُتل ظلمًا وعدوانًا قد انتهى أجله، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول لو لم يُقتل لَعاشَ. فنحن نقول: بل المقتول قد انتهى أجلُه، لكن الأسباب مختلفة، فهذا أجله ينتهي على فراشه، وذاك أجله ينتهي بالمرض، وهذا أجله ينتهي بأن يُقتل، فالمقتول ميِّت بأجله. = =، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن القاتل قد قطع أجل المقتول، ولا شك في بطلان زعمهم. وقد سئل شيخ الإسلام عن المقتول: هل مات بأجله، أم قطع القاتلُ أجله؟ فقال -﵀-: "المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل أجله، ولا يتأخر أحد عن أجله. والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن أو ذات الجَنْب أو الغَرَق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا. ولو لم يُقتل المقتول: قال بعض القدرية: إنه كان يعيشُ. وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت. وكلٌّ منهما خطأ؛ فإنّ الله علمَ أنه يموت بالقتل، فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس، وقد لا يعلمه، فلو فرضْنا أنّ الله علمَ أنه لا يُقتل أمكنَ أن يكون قدّر موته في هذا الوقت، وأمكنَ أن يكون قدّر حياته إلى وقت آخرَ؛ فالجزْم بأحد هذين -على التقدير الذي لا يكون- جهلٌ. وانظر مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٨) والعقائد النسفية (ص/٢٣٤). قلتُ: وعليه، فمن الأخطاء الشائعة على ألسنة بعض الناس: قولهم: "لو صبر القاتل على المقتول لَماتَ وحدَه"، فالصواب أن القاتل لو لم يُقدم على قتل المقتول، لجاز أن يموت في ذلك الوقت، وألا يموت، فعليه فلا يجزم بأحد الأمرين.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٥٣) والترمذي (٢١٥٦).
[ ١ / ١٢٣ ]
غيرِه، لا أَصْلِ التقدير؛ فإنّ ذلك أزليٌّ لا أَوَّلَ له". (^١)
قال ابن القيم:
"وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أنّ كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أُمِّ الكتاب". (^٢)
** وهنا سؤال: هل هذه المرتبة من مراتب القدر -التي هى الكتابة- تَقْبَلُ التغيير؟
الجواب:
أما المكتوب في أُمّ الكتاب -وهو اللوح المحفوظ- فهذا لا تتغير الكتابة الموجودة فيه،
وأما الكتابة التي هي في أيدي الملائكة من الصُّحُف فإنّ الله -تعالى- يمحو منها ما يشاء ويُثْبِتُ، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، والمراد بأم الكتابِ: اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ لا يتغير شيء مما كُتِبَ فيه، وأما ما في الصحف التي مع الملائكة فهذه التي يقع فيها المَحْوُ والتغيير.
والملائكة يكتبون ما يؤمرون به من آجالٍ وأرزاقٍ، كما ورد في قوله -ﷺ-:
«إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ،
ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ -﷿- إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» (^٣)؛ فالمحو والإثبات بالنسبة لِما في علم المَلَك؛ وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله -تعالى- فلا مَحْوَ فيه البَتَّةَ، ويقال له: القَضاء المُبْرَمُ، ويقال للأوّل: القضاء المُعَلَّق. (^٤)
وعليه فالقضاءُ نوعانِ:
١) قضاءٌ مُبْرَمٌ:
وهو القدر الأزليّ، وهو لا يتغير، كما قال -تعالى-: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢٠٣) وتحفة الأحوذي (٥/ ٤٤٤) وفيض القدير شرح الجامع الصغير (٤/ ٥١٠).
(٢) شفاء العليل (ص/٤١).
(٣) متفق عليه.
(٤) فتح الباري (١٠/ ٤١٦).
[ ١ / ١٢٤ ]
لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]، وقال الرسول -ﷺ- لأُمّ حَبيبةَ -﵂-: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ» (^١).
قال النوويّ:
"إن الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تتغير عمّا قدَّره الله -تعالى- وعَلِمَه في الأزل، فيَستحيلُ زيادتُها ونَقْصُها -حقيقةً- عن ذلك". (^٢)
٢) قضاء معلَّق:
وهو الذي في الصُّحُف التي في أيدي الملائكة، فإنه يقال: اكْتُبوا عُمُرَ فُلانٍ إنْ لم يتصدَّقْ: كذا، وإنْ تصدَّقَ فهو كذا، وفي عِلم الله وقدره الأزليّ أنه سيتصدق أو لا يتصدق.
فهذا النوع من القدر يَنفع فيه الدعاء والصدقة؛ لأنه معلَّق عليهما، وهو المراد بقوله -تعالى-: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٨ - ٣٩]؛ وهو معنى قوله -ﷺ-:
««لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ». (^٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٣).
(٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٦/ ٢١٣).
(٣) شفاء الضرر بفهم القضاء والقدر (١/ ٣). وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية سؤالًا طويلًا، وفيه: هل شُرع في الدعاء أن يقول: اللهم إن كنت كتبتني كذا فامحني واكتبني كذا، فإنك قلتَ: = = ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾؟ وهل صح أن عمر كان يدعو بمثل هذا؟ فكان مما أجاب به -﵀-: "والجواب المحقَّق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصلَ رحمَه زاد في ذلك المكتوب، وإنْ عملَ ما يُوجِب النقصَ نقصَ من ذلك المكتوب وهذا معنى ما رُوي عن عمر أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت"ـ والله سبحانه عالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له، وما يَزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علّمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إنّ المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات، وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات؟ على قولين، والله -﷾- أعلم". ا. هـ. مجموع الفتاوى (١٤/ ٤٩١). وقال ابن القيم: "المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه: الدعاء، فلم يقدَّر مجرَّدًا عن سببه، ولكن قُدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقعَ المقدورُ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهكذا، كما قدر الشبع والرِّيّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعوّ به لم يصحَّ أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب". اهـ. الجواب الكافي (ص/١٧). *وقال الغزالي: "فإن قيل: ما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مَرَدَّ له؟ فاعلم أنّ مِن جملة القضاء: رد البلاء بالدعاء، فإن الدعاء سبب رد البلاء ووجود الرحمة، كما أن البذر سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم؛ كذلك الدعاء يرد البلاء". اهـ. وانظر كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه للسندي (١/ ٤٧).
[ ١ / ١٢٥ ]
* قلت:
وعلى ذلك يُحْمَلُ ما وردَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- مرفوعًا:
«لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ، فَقَالَ: رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟
قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ » (^١)، وكذلك قوله -ﷺ:
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحَمَه» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٧٠) والترمذي (٣٣٦٨)، قال: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٥٧). قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ٣٥٦): "قوله -ﷺ-: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»: "يُنسأ": مهموز، أي: يؤخَّر، و"الأَثَر": الأجل؛ لأنه تابع للحياة في أثرها، وبسط الرزق: توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه؛ وأما التأخير في الأجل ففيه سؤال مشهور، وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، وأجاب العلماء بأجوبةٍ، الصحيح منها: = =الأول: أن هذه الزيادة: بالبركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها من الضياع في غير ذلك. الثاني: أنه بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيَظهر لهم في اللوح "أن عمره ستون سنة، إلا إن يصل رحمه، فإنْ وصلَها زيد له أربعون"، وقد علم -﷾- ما سيقع له من ذلك، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدرُه، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقينَ تُتصور الزيادة، وهو مراد الحديث، والله أعلم.
[ ١ / ١٢٦ ]
قال أبو العباس ابن تيمية:
" ما كتبه الله -تعالى- وأعلمَ به الملائكةَ فهذا يَزيدُ ويَنْقُصُ بِحَسَبِ الأسباب، فإنّ الله يأمر الملائكة أن تكتب للعبد رزقًا، وإنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زاده الله على ذلك، كما ثبتَ في الصحيح عن النبيﷺأنه قال:
«مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فلْيصلْ رحمه»
وكذلك عُمُرُ داودَ زاد ستّينَ سنةً، فجعله الله -تعالى- مئةً بعدَ أن كان أربعين، رواه الترمذي وغيره-، ومن هذا الباب: قول عُمرَ:
"اللهم إنْ كتبْتَني شقيًّا فامْحُنِي واكْتُبْنِي سعيدًا، فإنّك تمحو ما تشاء وتُثْبِتُ" ". (^١)
٣ - المرتبة الثالثة: المشيئةُ:
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر هي المشيئة، المشيئة النافذة، أي: الماضية التي لا رادَّ لها. مِنْ: نَفَذَ السَّهْمُ نُفُوذًا إذا خَرَقَ الرَّمِيّة، فهي نافذة.
فهذه المرتبة هي إثبات نُفوذ قدرته ومشيئته وشمول قُدرته، وهي الإيمان بأنّ ما شاء الله: كانَ، وما لم يشأ: لم يَكُنْ، فما في السماوات وما في الأرض من حركةٍ ولا سكون إلا بمشيئة الله، ولا يكون في مُلْكِه ما لا يُريدُ البَتَّةَ.
** وهذه المرتبة ثابتةٌ بالكتاب، والسنة، وأجمع عليها سلف الأمة:
قال -تعالى-:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥٤٠)، وانظر تأويل مختلف الحديث (ص/٢٣٨)، مشكل الآثار (٨/ ٨١، ٨٢). قلتُ: وأثر عمر - ﵁ - مشهور، قد رواه ابن بطة في الإبانة (١٥٦٥) واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١٢٠٧). وقول عمر هذا يتنزل على ما في علم الملائكة، لا على ما في أم الكتاب، فإنه قال -﵁- بعد تلك الدعوة: "فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب". وممن دعا بمثل هذه الدعوة: ابنُ مسعود كما في مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ٦٨) وابنُ الزبير كما في أخبار مكة (١/ ٤٦٢).
[ ١ / ١٢٧ ]
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، وقال الله -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال اللهُ -﷿-: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
*ومن السنة:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍرضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:
" أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ ". (^١)
ومذهب أهل السنة والجماعة:
أن الله -﷿- مُرِيدٌ لجميع أعمال العباد خَيْرِها وشَرِّها، ولم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، ولو شاء ألّا يُعْصَى لَما خَلَقَ إبليسَ؛ فكُفْر الكافرينَ، وإيمان المؤمنينَ بقضائه -﷾- وقدرِه وإرادتِه ومشيئتِه، أراد كلَّ ذلك، وشاءه، وقَضاهُ. (^٢)
وأهل السُّنَّة والجماعة وسَطٌ في هذه المرتبة بين الجبرية الغُلاة في إثبات مشيئة الرب، والقدَرية النُّفاة لمشيئته ﷿.
فإنَّ أهل السنة والجماعة أثبتوا للرَّبِّ مشيئةً عامَّة، وأثبتوا للعبد مشيئةً، وجعلوا مشيئةَ العبد تابعةً لمشيئة الله تعالى، كما قال الله -﷿-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فلا يقع في مُلك الله ما لَم يشأْه الله -تعالى-. وبهذا يُجابُ عن السؤال الذي يتكرَّر طرحُه، وهو: هل العبدُ مُسَيَّرٌ أو مُخيَّر؟
فلا يُقال: إنَّه مسَيَّرٌ بإطلاقٍ، ولا مُخيَّرٌ بإطلاقٍ، بل يُقال:
إنَّه مُخيَّرٌ باعتبار أنَّ له مشيئةً وإرادةً، وأعماله كسبٌ له، يُثاب على حَسَنها ويُعاقَب على سيِّئها، وهو مسيَّرٌ باعتبار أنَّه لا يحصُل منه شيءٌ خارجٌ عن مشيئة الله وإرادته وخلْقه وإيجاده.
_________________
(١) أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٧٨٧) وأحمد (١٨٣٩) وانظر الصحيحة (ح: ١٣٩)
(٢) عقيدة السلفِ وأصحابِ الحديث (ص/٢٨٥).
[ ١ / ١٢٨ ]
وبيان ذلك في قَول الرسول -ﷺ-:
«اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] الآيَةَ. (^١)
وكلُّ ما يحصلُ من هداية وضلال: هو بمشيئة الله وإرادته، قال -تعالى-: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]
وقد بيَّن الله -عزوجل- للعباد طريقَ السعادة وطريق الضلالة، وأعطاهم عقولًا يُميِّزون بها بين النافع والضارّ، فمَن اختار طريقَ السعادة فسلكَه انتهى به إلى السعادة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك فضلٌ من الله وإحسانٌ، ومَن اختار طريقَ الضلالة وسلكَه انتهى به إلى الشقاوة، وقد حصل ذلك بمشيئة العبد وإرادته، التابعة لمشيئة الله وإرادته، وذلك عَدْلٌ من الله سبحانه، قال الله -﷿-: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٨ - ١٠]، أي: طريقَي الخير والشرِّ.
وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]، وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧].
٤ - المَرْتَبة الرابعة: الخَلْقُ:
وهى مرتبة ثابته بالقرآن والسنة وإجماع الأمة:
قال -تعالى-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى ﴿ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] (^٢)، وقال -تعالى-: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) وقد وقع الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وما تعملون﴾، هل (ما) هنا مصدرية، فيكون المعنى: خلقكم وخلقَ أعمالَكم، أم هي موصولة، ويكون المعنى: خلقكم وخلقَ الذي تعملون من أصنام وغيرها؟
(٣) القول الأول:
(٤) أنها مصدرية: فيكون المعنى: "والله خلقكم، وخلق عملكم وفعلكم، "قال البخاري: "باب أفعال العباد، ثم روى عن حذيفة -﵁قال: قال النبي -ﷺ-: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»، وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، فأخبر أن الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ. ا. هـ وقد ذهب من أهل السنة إلى ترجيح أنها مصدرية لإثبات أن أفعال العباد مِن خلق الله؛ وفي ذلك إبطال لمذهب القدرية.
(٥) القول الثاني:
(٦) أنها موصولة: فيكون المعنى: والله خلقك، وخلق ما تصنعونه من أشياء، كالأصنام وغيرها. والراجح -والله أعلم- أنها موصولة؛ لأن السياق يقتضي ذلك، فإن إبراهيم -﵇- إنما يقرر فساد عملهم في أنهم يعبدون ما هو مخلوق مثلهم. وتأملْ في أول الآيات يخبرْك عن آخرها، فإنه أولًا ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، فالخطاب متوجِّهٌ لما يعبدون مما صنعتْه أيديهم؛ فيكون المعنى: أتعبدون ما تنحِت أيديكم، والله خلقكم وإياها؟! * وأما القول بأنها مصدرية، أي: خلقكم وعملكم، فسياق الآية يأباه، لأن إبراهيم -﵇ - إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتًا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير. قال ابن القيم: "أما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ بحمْل "ما" على المصدر، أي: "خلقكم وأعمالَكم" فالظاهر خلاف هذا، وأنها موصولة، أي: خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها؛ فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم، فإنّ "الصنم" اسم للآلهة التي حل فيها العمل المخصوص، فإذا كان مخلوقًا لله كان خلقه متناوِلًا لمادّته وصورته". ا. هـ * ثم قال -﵀-: "فإن كانت "ما" مصدرية -كما قدَّره بعضهم- فالاستدلال ظاهر، وليس بقويّ؛ إذ لا تناسُب بين إنكاره عليهم عبادةَ ما ينحتونه بأيديهم وبين إخبارهم بأن الله خالقُ أعمالهم من عبادة تلك الآلهة ونحْتها وغير ذلك؛ فالأَوْلى: أن تكون "ما" موصولة، أي: والله خلقكم وخلقَ آلهتكم التي عملتموها بأيديكم، فهي مخلوقة له، ليس فيها أنه يبرر شركَهم بالله، ويقول: إنّ عملكم مخلوق لله، فأنتم بريئون من اللوم عليه! كلّا! لأننا لو قلنا ذلك لكان يحتجّ لهم ولا يحتج عليهم، ولكنْ هو يحتج عليهم، وليس يحتج لهم". ا. هـ. * تنبيه: قد رجَّح الزمخشري أنها موصولة، ولكنه أراد بذلك نصرة مذهبه الاعتزالي الذي يتبنى القول بأن أفعال العباد مِن خلقِهم هم، فقال وهو يرمي أهل السنة بالجبر: "فإن قيل: فما أنكرتَ أن تكون " ما " مصدرية لا موصولة، ويكون المعنى: " والله خلقكم وعملكم "، كما تقول المجبرة!! = = *وانظر لما سبق: درء التعارض (٣/ ٢٦٠) وشفاء العليل (ص/١١٠) والكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ٥١) وخلق أفعال العباد (ص/٣٣) ومباحث الربوبية (ص/١٩٠).
[ ١ / ١٢٩ ]
[الرعد: ١٦]، وقال -﷿-: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]،
* ومن السنة:
عَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:
" إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ
[ ١ / ١٣٠ ]
وَصَنْعَتَهُ " (^١)
وعن زيد بن أرقم -﵁- أن رسول الله - ﷺكان يقول: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليها ومولاها» (^٢)،
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكَّها»؛ فالفاعل هو الله -تعالى-، فهوالذي يُطلب منه ذلك.
قال أبو العباس ابن تيميةَ:
"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر، وأن الله خالقُ كلِّ شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يُضل من يشاء، ويَهدي من يشاء " (^٣).
وهُنا إشكال في قوله -تعالى-: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فهل مِن خالقٍ مع الله؟
*والجواب أن يقال:
أنّ الخلق يطلق على فِعل الرب، ويُطلَق كذلك على فعل العبد، فأما إطلاق الخلق في فعل الله - تعالى - فعلى معنيين:
١ - المعنى الأول: خلقٌ هو إيجاد من العدم:
وهذا لا يكون إلا لله - تعالى- وحده، وهذا ما ورد في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقال -تعالى- بعد ذكره لخلق السماوات والجبال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (لقمان: ١١)، وقوله ﷿ في الحديث القدسي:
«وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً». (^٤)
٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو ٢ - خلق خلق إيجادلعدم:
:
٢ - المعنى الثاني: خلقٌ هو تحويل الشيء من صورة إلى صورة:
فيكون إطلاق لفظ "الخلق" هنا بمعنى الصنع والتقدير، فالعرب تسمِّي كل صانع خالقًا: وهذا المعنى
_________________
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٥) وابن أبي عاصم في السنة (٢٥٧، ٣٥٨)، وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٣٧).
(٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).
(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).
(٤) أخرجه البخاري (٧٥٥٩).
[ ١ / ١٣١ ]
يقع في فعل الله تعالى، ويقع في فعل العبد، ولكنَّ الفرق كبير.
كما في قول زهير بن أبي سلمى:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي.
والمعنى: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد، فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.
وكذلك يقع معنى "الخلق " على المعنى الثاني في فعل العبد، كما في قول إبراهيم -﵇- لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، أَي تقدرونه وتهيئونه، فسمّى نَحْتَهم للأصنام "خَلقًا".
كذلك ما قد وردَ من فعل عيسي ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]
فسمَّى فعله حين حوَّل الطين إلى هيئة الطير سمَّاه خلقًا.
* ومن السنة:
ما ورد في قوله ﷺ:
«إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِيَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». (^١)
ومعلوم أنَّ المصوِّر لم يوجِد شيئًا من العدم، إنما حوَّلَ الطينَ أو الحَجَرَ إلى صورة إنسان أو طير.
وعلى هذا المعنى الثاني يُحمل قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فيكون المعنى المراد: " تبارك الله أحسن المقدِّرين ".
ومما يؤيد ذلك:
أن الله تعالى إنما ذكر قوله عزوجل (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤» (المؤمنون: ١٤)، وقوله عزوجل (فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣» (المرسلات: ٢٣)، بعد ذكره لمراحل خلق الإنسان في الموضعين، فتامل.
قال مجاهد في قوله تعالى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال:
" يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين ". (^٢)
قال القرطبي:
"يقال لمن صنعَ شيئًا: خَلَقَهُ، ولا تُنفى اللفظة عَنِ البَشَرِ في معنى
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (١٧/ ٢٥)
[ ١ / ١٣٢ ]
الصُّنْع؛ وإنما هي منفيّة بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. (^١)
قال ابن الجوزي:
الخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير،
فهذا المراد في قوله: " أَحْسَنُ الْخالِقِينَ "، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله -تعالى- خير المصوِّرين والمقدِّرين، وقال الأخفش: الخالقون ها هنا هم الصانعون، فاللهخير الخالقين". (^٢)
* المُنازِعونَ في مَراتِب القدر:
أولًا القدرية:
فرقة القدرية هي أولُ من نازعَ في هذه القضية العَقَدِيّة، حيث قامت أصولُهم على نفي خلق الله لأفعال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية، وأن الله -تعالى- لم يقدِّرْها ولم يشأْها ولم يخلُقْها، ويزعمون أن الله -تعالى- أمرَ ونهى وهو لا يعلم مَن يطيعه ولا مَن يعصيه، وأن الأمر أُنُفٌ، أي: مستأنَف، أي: لم يَسْبِقْ به قَدَرٌ ولا عِلمٌ من الله -تعالى-، وإنما يَعلمه بعد وقوعه.
** والقدرية قسمان: غلاة، ومتوسِّطونَ:
أ) الغلاة المتقدِّمون:
أنكروا المرتبتين الأُولَيَيْنِ (علم الله، وكتابته)، وهذا القول هو أولُ ما حدثَ في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهرَ ذلك بالبَصْرَةِ معبد الجهنيّ، وأخذَ عنه هذا المذهبَ غيلان الدمشقيّ؛ فردَّ عليه بقية الصحابة، كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وغيرهم -﵃-.
وهؤلاء الغلاة المتقدِّمون الذين أنكروا علم الله وكتابته لأفعال العباد هم الذين كفَّرَهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد، وقال فيهم الإمام الشافعي:
"ناظِروا القدريةَ بالعلم، فإنْ أقرُّوا به خُصِموا، وإنْ أنكرُوه كفروا"، وقال مثلَه عمرُ بن عبد العَزيز. (^٣)
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ١١٠).
(٢) زاد المسير في علم التفسير (٣/ ٢٥٨)
(٣) يقال للقدري: أتؤمن أنَّ الله يعلم ما كَانَ وما سيكون إِلَى قيام الساعة، ويَعلم من سيطيعه ومن سيعصيه؟ فإذا أقرَّ بهذا خُصِمَ، حينئذ يقال له: مَن علمَ ذلك أليس هو الذي خلقَه؟! أليس هو الذي أوجدَه؟! أليس مبنيًا عَلَى العلم، والعلم مقتضاه الحكمة والعدل والرحمة؟! وإذا أنكروا علم الله كفروا؛ لأنهم أنكروا ما هو معلوم من كتاب الله وعند جميع الْمُسْلِمِينَ بالضرورة. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي -﵀- وسأله عليّ بن الجهم عن: مَن قال بالقدر يكون كافرًا؟ قال: "إذا جحدَ العلمَ، إذا قال: "إن الله -﷿- لم يكن عالمًا حتى خلق علمًا فعَلِم"، فجحدَ علم الله -﷿-، فهو كافر". وانظر السنة لعبد الله بن أحمد (رقم: ٨٣٥)، والرد على الجهمية للدارمي (ص/١٠٨).
[ ١ / ١٣٣ ]
وقد انعقدَ الإجماع على تكفير مَن جَحَدَ أن الله - تعالى - عالمٌ، أو غيرَ ذلك من صفاته الذاتية.
قال أبو بكر، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن الله -﷿- لا يعلم الشيء حتى يكون، استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وفي رواية قال: " إذا جحد كفر". (^١)
قال ابن القيم:
وسلف القدرية كانوا ينكرون العلم، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم. (^٢)
ب) المتأخرون:
آمنوا بمرتبتَي العلم والكتابة، ولكن جَحَدوا عُموم المَرتبتينِ الأُخْرَيَيْنِ، فأقروا علم الله المتقدِّمَ، وكتابتَه السابقةَ، وأنكروا عموم المشيئة والخَلْق؛ فخالَفُوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مَقْدُورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جِهة الاستقلال، وقالوا بعموم مشيئة الله وخلقه، إلا في باب أفعال العباد؛ فقالوا:
إن الله على ما يشاء قدير، ولَمّا كانت أفعال العباد ليست مِمّا شاءه الله - تعالى - كانت لَيْسَتْ داخلةً تَحْتَ قُدرته.
وهذا المذهب- مع كونه مذهبًا باطلًا أيضًا- هو أخفُّ من المذهب الأول.
عن ابْنِ عُمَرَ -﵄ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (^٣)
_________________
(١) السنة للخلال (٨٧٢ - ٨٧٠) بأسانيد صحيحة.
(٢) انظر شفاء العليل (ص/٢٨) وأنوار البروق (٤/ ١٨٠) ومن ضلال المعتزلة في نفي القدر: ما ورد عن عمرو بن عبيد في قوله: "إذا كان ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ في اللوح المحفوظ، فما لله على ابن آدم حجةٌ، وما على الوليد من لومٍ"!، يعني: في قوله: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ [المدثر: ١١]. انظر تاريخ بغداد (١٢/ ١٧١)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٣٦٩).
(٣) رواه أبو داود (٤٦٩١) وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٦٨) والحاكم (٢٨٦)، وصححه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٤٤٦)، قال الدارقطني في ": "والصحيح الموقوف عن ابن عمر". (العلل"٤/ ٩٨)، وحسنه الألباني في "صحيح أبي داود". = =وإنما سموا قدرية؛ لأنهم أثبتوا القدر لأنفسهم، ونفوا عن الله -تعالى- خلق أفعالهم، فصاروا بإضافة بعض الخلق إليه دون بعض مضاهين للمجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة، وأن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة. قال أبو المظفر الأسفراييني: وإنما شبههم ﷺ بالمجوس لأن المجوس ينسبون بعض التقدير إلى يزدان وبعضه إلى أهرمن، فأثبتوا تقديرًا في مقابلة تقدير الباري ﷻ، وقالوا بجواز حصول أحد التقديرين دون الآخر، فكذلك القدرية أثبتوا تقديرين: " أحدهما للرب ﵎، والآخر للعبد". وانظر "التبصير في الدين " (ص/٢٨٩)
[ ١ / ١٣٤ ]
وهؤلاء هم مَن قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية:
هؤلاء فهُم مبتدعون ضالّون، لكنهم ليسُوا بمنزلةِ أولئكَ؛ وفي هؤلاء خلقٌ كثير من العلماء والعُبّاد كُتِبَ عنهم العلمُ، وأخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم؛ لكن مَن كان داعية إليه لم يُخْرِجوا له". (^١)
* الرد على القدرية:
اعلمْ أولًا أن أصل الخلط والسقط عند القدرية إنما هو في: عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ فلا شك أن الله -تعالى- يُبغض الكُفر والفُسوق والعِصْيان، ولكنه قدَّر وجود هذه الأشياء لحِكَمٍ بليغة، وذلك وفْق إرادته الكونية، لا الشرعية؛ ولو أنهم فهِموا الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية لَنَجَوْا مِن تلك الفتنة!
*أولًا: الإرادة الكونية:
هي مُرادِفةٌ للمشيئة، وهذه الإرادة تَسْتلزم وقوعَ المُراد، ولا يَلزم أن يكون مرادها محبوبًا لله مُرْضِيًا له، بل قد يكون مكروهًا مسخوطًا له، ككُفر الكافرين، ومعاصي العاصين، ووجود المفسدين، وقد يكون معناها محبوبًا مُرضيًا لله -تعالى-، كوجود إيمان المؤمنين،، وطاعات الطائعين، ووجود رسل الله وعباده المخلصينَ.
الثانية: الإرادة الشرعية:
وهي إرادة دينية يحبها الله تعالى، ويَرضاها لعباده، وهي غير لازمة التحقُّق.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥).
[ ١ / ١٣٥ ]
فبفهْمِ هاتين الإرادتين يدرك الإنسان أنّ كلًّا من الخير والشر بِيَدِ الله -تعالى-، وهو من تقديره -﷾-: فالإرادة الشرعية هي المتضمِّنة للمَحَبّة والرِّضا، والإرادة الكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث.
** فإرادة الله للشيء قد تقتضي محبّتَه له، وقد لا تقتضي ذلك:
قال تعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فهذا الذي أضله الله -تعالى- لم يكن سبحانه محبً لإضلاله، ولكنه أضله لحكمته السابقة فيه، وأضله على علمه السابق فيه أنه لا يصلح معه إلا هذا الذي قدَّره عليه.
*وتأملْ قول الله تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالله - تعالى- لا يحب وقوع الاختلاف والاقتتال، ولكنه شاءه - ﷿-، وقدَّر وقوعه، فهو سبحانه يفعلُ ما يريد، فلا يقع شيء في هذا الكون إلا بأمره وتقديره. (^١)
فإن سألوا:
فكيف تستقيم الحكمة في تعذيب المكلَّفينَ على ذنوبهم، على القول إنّ الله - تعالى- خلقَها فيهم؛ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو فاعلُه وخالقُه فيهم؟ (^٢)
_________________
(١) وفي المناظرة التي دارت بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني والقاضي عبد الجبار المعتزلي قال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة سبحان من تنزَّه عن الفحشاء، فقال الأستاذ مجيبًا: " سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء "، فقال عبد الجبار: أفيشاء ربنا أن يعصى؟ فقال الأستاذ أيعصى ربنا قهرًا؟ فقال عبد الجبار: أفرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى أحسن إلي أم أسا؟ فقال الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أسا، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. فانقطع عبد الجبار. وانظر طبقات الشافعية الكبرى (٤/ ٢٦٢).
(٢) لذا يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: قوله تعالى (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) يدل على قولنا فى العدل؛ لأنه بين أن هؤلاء الكفار الذين عدلوا عن طريقة الدين فاستحقوا العقاب والهلاك، هم الذين ظلموا أنفسهم، وأنه تعالى إذا عاقبهم لم يكن ظالما لهم، ولو كان الأمر على ما تقوله المجبرة لم يصح أن ينزِّه نفسه عن الظلم، مع أن جميعه من قبله، ولا يصح أن ينفى عن نفسه فعل الظلم، وهو الخالق له، ويضيفه إلى من لم يفعله! وانظر "متشابه القرآن" (ص/٣٦٤)
[ ١ / ١٣٦ ]