مثل الدلو من الماء، فكيف تصلح لأن تكون محلًا للنجس المعنوى، من الشركيات، والتقرب إلى غير الله بما لا
يُتقرب به إلا لله تعالى؟!!!
عودٌ إلى الجواب عن سؤال الباب في حكم المساجد التى بها قبور، وجواب ذلك على تفصيل:
أ) الصورة الأولى:
إن كان القبر قد وضع أولًا ثم بُنى عليه المسجد، وهذا فعل محرم باتفاق الأئمة الأربعة، فيجب هدم المسجد باتفاق أهل العلم؛ وذلك لأن هذا المسجد مما لم يُرد به وجه الله تعالى، فقد أُسس على غير تقوى من الله -تعالى - ولا رضوان.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وقد اتفق أئمة الدين على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بني على قبر كائنًا من كان الميت؛ فإن ذلك من أكبر أسباب عبادة الأوثان. (^١)
- وقال ﵀:
ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور ولو لم يقصد الصلاة عندها. فلا يقبل ذلك لا اتفاقا ولا ابتغاء لما في ذلك من التشبه بالمشركين والذريعة إلى الشرك. (^٢)
* قال ابن القيم:
لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها يوما واحدًا، فإنها شعائر الكفر، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تُعبد من دون الله، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها، وبها. (^٣)
* وتأمل:
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ
_________________
(١) وانظر مجموعة الرسائل والمسائل (١/ ٥٤) وكشَّاف القناع عن متن الإقناع (٢/ ١٤١)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)
(٣) زاد المعاد (ص/٤٤٣)
[ ١ / ٣٠٣ ]
الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة/١٠٧/ ١٠٨)
فقد نهى الله -تعالى- النبيَ -ﷺ- عن الصلاة في مسجد الضرار لكونه أُسس لتفريق كلمة المسلمين وللكفر بالله - تعالى -ورسوله ﷺ، فيقاس عليه المساجد التى أُسست على الأضرحة تعظيمًا لها، والتى يُفعل عندها من الشركيات الموبقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
* قال ابن حجر الهيتمي:
ويجب المبادرة لهدمها -أي المساجد التى على القبور - إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسول الله - ﷺ -، لأنه نهى عن ذلك وأمر - ﷺ - بهدم القبور المشرفة. (^١)
* قال ابن القيم:
حرق رسول الله - ﷺ - مسجد الضرار وأمر بهدمه؛ لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم وتحريق، وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بالهدم وأوجب. (^٢)
* أقول:
وإذا كان الشرع قد أمر بتسوية القبور المشرفة (أى المرتفعة)؛ منعًا من التشبه بمن كان يعظّم القبور ويعبدها، فتسوَّى سدًا للذريعة، فلأن تُهدم هذه المساجد التى يُتقرب فيها إلى صاحب الضريح بما لا يُتقرب به إلا إلى الله -تعالى -فهذا من باب أولى.
_________________
(١) الزواجر (١/ ٣٢٨)
(٢) المصدر السابق (ص/٥٠٠) *فائدة: ذكر الشيخ الألبانى﵀- أن حديث: " أن النبى -ﷺحرق مسجد الضرار، وأمر بهدمه " = =هو حديث مشهور فى كتب السيرة، وليس له إسناد يصح. وقال: أورده الحافظ ابن كثير من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن الجماعة المذكورين مرسلًا، وهو فى السيرة لابن هشام بدون إسناد. ا. هـ إرواء الغليل (٥/ ٣٧١)
[ ١ / ٣٠٤ ]
ب) الصورة الثانية:
أن يُبنى المسجد أولًا في محلة ما ثم يُؤتى بقبر فيُدخل في المسجد، فهنا لا بد من نبش القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين؛ فإن المساجد ليست محلًا للدفن، وإنما قد أذن الله -تعالى-
للمساجد أن تُرفع لإقامة الصلاة وليذكر فيها اسم الله تعالى.
* وعليه فإنه يُهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما يُنبش الميت إذا دُفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه، وكان الحكم للسابق. (^١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإن كان المسجد قبل الدفن غُيِّرَ: إما بتسوية القبر وإما بنبشه، إن كان جديدًا. وإن كان المسجد بُني بعد القبر: فإما أن يزال المسجد وإما أن تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلي فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. (^٢)
المسألة الخامسة: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟
وللصلاة في مسجد فيه قبر داخل حدوده حالتان:
١ - إذا كان ذلك بقصد التبرك بالقبر:
فقد اتفق أهل العلم على منع الصلاة عند القبر إذا كان ذلك بقصد التبرك، واعتقاد فضيلة الصلاة في مسجد به قبر عن غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وكل من قال: إنَّ قصد الصلاة عند قبر أحد أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك: أمر مشروع بحيث يستحب ذلك ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه:
فقد مرق من الدين، وخالف إجماع المسلمين. (^٣)
* قال الآلوسي:
قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا به، عين المحادة لله تعالى
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٥٠١)
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٩٥)
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤٨٨)
[ ١ / ٣٠٥ ]
ورسوله ﷺ، وإبداع دين لم يأذن به الله ﷿؛ للنهي عنها، ثم إجماعًا، وتجب المبادرة لهدمها وهدم
القباب التي على القبور؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أسست على معصية رسوله ﷺ. (^١)
• وتبطل صلاته إن قصد التبرك بالصلاة عند القبر على الصحيح من أقوال أهل العلم، كما هو مذهب الحنابلة، لنهي النبي - ﷺعن ذلك، والأصل أن النهي في مثل هذه الحالة يقتضي فساد المنهي عنه.
الحالة الثانية:
ألا يقصد التبرك بالقبر: وهذه المسالة مما اختلفت فيها أقوال العلماء:
القول الأول:
ذهب الحنابلة والظاهرية إلى تحريم الصلاة في المقبرة مطلقًا، وأن الصلاة فيها باطلة.
* لقول النبي ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، ومطلق النهى يقتضى الفساد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
تكره الصلاة في المساجد المبنية على القبور من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك. (^٢)
- قال ابن حزم: قال أحمد بن حنبل: من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا. (^٣)
* القول الثانى:
والذي عليه جمهور أهل العلم وهو صحة الصلاة في المسجد الذى به قبر. (^٤)
وهذا هو الراجح، والله أعلم.
قال البخاري:
رَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -﵁- يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ:
«القَبْرَ القَبْرَ، قال أنس: فَجَعَلْتُ أَرْفَعُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهُ يَقُولُ
_________________
(١) روح المعاني (٨/ ٢٢٦) وانظر جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (٣/ ١٦٤٢) وقد نص على مثل هذا شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٨٠)
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٧) وانظر الإنصاف (١/ ٤٨٩،) والمحلى (٢/ ٣٤٥) والفروع (٢/ ٢١٣)
(٣) المحلي (٢/ ٣٥٠)
(٤) مواهب الجليل (١/ ٤١٩) والمجموع (٣/ ١٥٨).
[ ١ / ٣٠٦ ]