الأرضية. وما هؤلاء إلا ضرب من الكهانة، اختلفت أشكالهم وتوافقت مَشارِبُهم. وكثير من المسلمين قد تعلَّقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، ولا شك أنّ من ادَّعى علم الطالع، أو ادّعى العلم بقراءة الكف- كاهن عرَّاف مكذِّب لله ورسوله.
وغالب حال هؤلاء من الكهَّان والمنجِّمين يأتون بأخبار الناس من خلال استخدامهم للجن الذين يأتونهم بالأخبار التى تتعلق بالغيب النسبي.
قال -تعالى-: ﴿ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والمعنى: تمتَّعَ كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفعَ به. فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وتعظيمه واستعاذته به، فيفعل الإنسي ما يُمليه عليه الجني من إهانة القرآن وكتابته بالدم ونحو ذلك. والإنسي يستمتع بخدمة الجِنّي له ببعض شهواته، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية، فيأتيه بالأخبار الغائبة عن بعض الناس.
** فلْيحذرِ المرء من هذه الأفعال التى تُحبط عمله من حيث لا يدري!
* فمن طالعَ هذه الأبراج التى تنتشر على المجلات أو مواقع الشبكة العنكبوتية فقد وقع بين واحد من هذه المحظورات:
أ) اعتقاد التأثير:
أن يعتقد أن النجوم والأفلاك والكواكب تؤثر في الخَلق وأفعالهم، والاعتقاد بأنّ برجًا معينًا من النجوم هو الذي يجلب الحظ أو النّحس؛ فهذا اعتقادٌ شركيّ مخرج من الملة، ومُعتقِد ذلك مشرك؛ فقد جعل مع الله -تعالى- من يخلق أفعال العباد، واعتقد في غير الله -تعالى- ما لا يُعتقد إلا في الله.
ب) اعتقاد السببية:
بأن يعتقد بوجود عَلاقة سببية بين ما يقع له من خير أو شر وبين مواقع الأبراج واختلاف توقيتاتها الزمنية، وصاحب هذا الاعتقاد واقع في الشرك الأصغر؛ فكل من اتخذ سببًا لم يشرعه الله -﷿- ورسوله -ﷺ- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر، قال
[ ١ / ١٠٠ ]
-تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
**قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"والله -سبحانه- قد جعل في النجوم من المنافع لعباده وسخرها لهم ومن منافعها الظاهرة ما يجعله -سبحانه- بالشمس من الحَرِّ والبرد والليل والنهار، وإنضاج الثمار، وخلق الحيوان والنبات والمعادن، وكذلك ما يجعله بها من الترطيب والتيبيس وغير ذلك من الأمور المشهورة، كما جعل في النار الإشراق والإحراق، وفي الماء التطهير والسقي، فمن قال من أهل الكلام إنّ الله يفعل هذه الأمور عِنْدَها لا بها، فعِبارتُه مخالفة لكتاب الله-تعالى-والأمور المشهورة، كمن زعمَ أنها مستقلة بالفعل هو شرك مخالف للعقل والدين". (^١)
جـ) وإما أن يكون قد فعل ذلك من باب التسلية:
فيقع تحت قول النَّبِيِّ -ﷺ-: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (^٢).
ووالذي نفسي بيده فإن من ادّعى أنه يفعل ذلك من باب التسلّي فسَيَجِدُ تأثيرًا لما قرأَ على قلبه -ولا مَحالةَ- فالقلوب ضعيفة.
وتعظم الفتنة حينما يتوافق ما قرأَه مع ما قدّرَه الله-تعالى-: في بعض الأحيان قد يَصْدُقُ كلامُ الأبراج، ويكون هذا الأمر فتنة وامتحانًا، وليس دليلًا على صدقهم ولا على إبطال الشرع؛ فإن الدجال الأكبر يقول للسماء: أَمطري، فتُمطر، وللأرض: أَنبتي، فتُنبت، وللخَرِبة: أَخرجي كنوزك، فتُخرج كنوزها، تتبعه، ويقتل رجلًا ثم يمشي بين شِقَّيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُمْ، فيقوم، ومع هذا فهو دجال، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وقال: "يكون لأحدهم القرينُ من الشياطين يخبره
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦٧).
(٢) سبق تخريجه.
[ ١ / ١٠١ ]
بكثير من المغيَّبات بما يستَرِقُه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب".
فالواجب عدم التعلُّقِ بقول هؤلاء، فَمَنْ تَعَلَّقَ بأقوالهم وَكَلَهُ اللهُ إليهم، وحَرَمَهُ مِن توفيقه وهدايته!
د) وإما أن يكون قد فعل ذلك مصدِّقًا لكلام الكاهن أو العرَّاف:
فيكون قد وقعَ تحت قوله -ﷺ-: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (^١).
* وهذا الكفر يختلف بحسب حال السائل:
أ) إن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب المطلق، فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة.
ب) وإن اعتقد أن الكاهن على علم بالغيب النسبي، فقد وقع في الكفر الأصغر.
* ثم يقال أيضًا:
من التناقض البيِّن: الاعتقاد أنّ لمواليد كلّ برج صفاتٍ وخصائصَ متماثلة متفقة؛ فإنّه يولد في كلّ
ساعة الآلاف من البشر في العالم، ولم يَثبُت أنّ هؤلاء يحملون الصفاتِ نفسَها، فكيف يستقيم كلام المنجِّمين باتفاق خصائص مواليد الشهر نفسه أو البرج نفسه؟!
* قال الشيخ علي الملا القاري:
"ومما يدل على فساد قولهم: أن يقال لهم: أخبرونا عن مولودَيْنِ وُلدا في وقت واحد؛ أليس يجب تساويهما في كل وجه، ولا تمييز بينهما في الصورة والقَدّ والمَنظر، وحتى لا تصيب أحدًا نكبةٌ إلا أصابَ الآخرَ، وحتى لا يفعل هذا شيئًا إلا والآخرُ يفعل مِثلَه؟ وليس في العالَمِ اثنانِ هذه صفتُهما". (^٢)
* وكذلك ظهر اختلاف المنجّمين في الأبراج التي يبنون عليها أحكامهم من عدّة وجوه؛ منها: أعداد البروج، وأسماؤها، ومدّة كلّ منها، ودلالاتها على خصائص
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) وانظر مِرْقاة المفاتيح (٧/ ٢٩١١).
[ ١ / ١٠٢ ]
المولودينَ فيها، وغير ذلك.
وقد ذكر أحد علماء الفلك أن مسألة الأبراج تعبر عن حقيقة واحدة فقط، وهي كمية الغباء الموجودة عند المنجِّمين؛ وذلك لأن عدد الأبراج اثْنَا عَشَرَ بُرجًا، يبدأون دائمًا ببرج الحمل، وينتهون ببرج الحوت.
وفي الواقع أن الشمس كانت في برج الحمل، وذلك قبل الميلاد بنحو ألف سنة؛ والآنَ الشمس واقعة في برج الحوت؛ فجماعة المنجمين لا يعلمون هذا الموضوع، فهل سينجِّم المنجِّمون بناءً على ما كان قبل ألف سنة أم بعد ذلك؟!!
**وقال: إن الصِّحافة العالمية المرموقة -على حَدِّ تعبيره- تَخجل من وضع صفحة مثل (حظك اليوم)، إنما نجد ذلك في الصحافة المتخلفة أو في الكتب المتخلفة فحسْب.