قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر جملة من لأحاديث فى رؤية المؤمنين لربهم -تعالى- يوم الجمعة:
وهذه الأحاديث عامتها إذا جرد إسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب أو شديد، لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها في نفس الأمر؛ بل قد يقتضي القطع بها، وأيضا فقد روي عن الصحابة والتابعين ما يوافق ذلك، ومثل هذا لا يُقال بالرأي؛ وإنما يقال بالتوقيف. (^١)
قال ابن القيم:
أوما سمعت بشأنهم يوم المزيـ د وأنه شأن عظيم الشان
هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ رحمان وقت صلاتنا وأذان
والسابقون إلى الصلاة هم الألى فازوا بذاك السبق بالإحسان
سبق بسبق والمؤخر ههنا متأخر في ذلك الميدان
والأقربون إلى الإمام فهم أولو الزلفى هناك فها هنا قربان. (^٢)
ومن فروع هذا المبحث: رؤية الكافرين لربهم يوم القيامة:
* من المسائل التى وقع فيها الخلاف بين أهل السنة:
مسألة رؤية الله - تعالى- في
_________________
(١) مجموع الفتاوي (٦/ ٤٠٣)
(٢) القصيدة النونية (ب/٣٤٧)
[ ١ / ٣٤٦ ]
العرصات، هل هي حاصلة لجميع الناس، بمن فيهم من الكافرين والمنافقين، أم هي للمؤمنين خاصة؟؟
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
رؤية حاصلة يوم القيامة لجميع أهل الموقف، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختاره ابن حزم، وأدلة هذا القول:
١) قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الإنسان/٦)
فالأية ذكرت لفظ الإنسان، فيعم كل على عرصات يوم القيامة، واللقاء يدل على الرؤية والمعاينة.
* قال أبو العباس أحمد بن يحيي:
أجمع أهل اللغة على أن اللقاء لا يكون إلا معاينة ونظرًا بالأبصار. (^١)
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
أما اللقاء فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير؛ وقالوا: إن لقاء الله يتضمن رؤيته ﷾. (^٢)
*ومن أدلة السنة.
قال الرسول ﷺ:
"لَيَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ أَلَمْ أَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: فَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي (^٣).
فهذا الحديث قد ذكر اللقاء الدال على الرؤية، والحديث في سياق لقاء العبد الكافر الذى أنكر البعث والحساب.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهذا حديث صحيح. وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه. ويقال: ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم. (^٤)
_________________
(١) ذكره ابن القيم مسندًا ثم قال: وحسبك بهذا الإسناد صحة. وانظر المصدر السابق (ص/٢٨٨)
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٦٢)
(٣) متفق عليه.
(٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩١)
[ ١ / ٣٤٧ ]
٢) عن أبي هريرة -﵁ أن النبيﷺ - قال:
يجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ ربنا. (^١)
ففيه دلالة: على رؤية الناس جميعهم لله تعالى في العرصات، وذلك قبل التمييز.
٣) عن أبي سعيد الخدري - ﵁- قال: سئل النبي - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟
فذكر الحديث، وفيه تساقط اليهود والنصارى في النار، ثم قال " حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ، أَوْ فَاجِرٍ، أَتَاهُمْ رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا. (^٢)
فقوله ﷺ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها):
فيه دلالة على أن جميع أهل الموقف قد رأوه في صورته قبل التمييز وسقوط اليهود والنصارى في النار.
* قال ابن القيم:
دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة. (^٣)
القول الثاني:
أن رؤية الله - عزوجل إنما - هي للمؤمنين والمنافقين فقط، وقال به أبو بكر ابن خزيمة، ورجحه ابن العثميين، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
وجه الدلالة: ثبت بالسنة رؤية المؤمنين والمنافقين، فتبين بذلك أن هذه الآية في حق الكفار لا غير.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.
(٣) حادى الأرواح (ص/٢٨٨)
[ ١ / ٣٤٨ ]
*قال ابن خزيمة معقبًا على الأية:
أراد الكفار الذين كانوا يكذبون بيوم الدين، بضمائرهم، فينكرون ذلك بألسنتهم، دون المنافقين الذين كانوا يكذبون بضمائرهم ويقرون بألسنتهم بيوم الدين. (^١)
٢ - حديث جابررضي الله عنه - مرفوعًا:
ثُمَّ يَأْتِينَا رَبُّنَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ تَنْظُرُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نَنْظُرُ رَبَّنَا، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْكَ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ يَضْحَكُ، قَالَ: فَيَنْطَلِقُ بِهِمْ وَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُنَافِقًا، أَوْ مُؤْمِنًا نُورًا، فيتجلى لهم يضحك، قال فينطلق بهم ويتبعونه، ويُعطى كل إنسان منهم، منافق أو مؤمن، نورا. . (^٢)
٣ - القول الثالث:
بأن الكفار لا يرون ربهم بحال، لا المظهر للكفر ولا المسرّ له، وهذا الذي عليه أكثر المتأخرين وجمهور أصحاب الإمام أحمد وهو قول الجمهور، ورجحه النووي، واستدلوا بما يلي:
١ - قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
٢ - الرؤية أعظم النعيم، فلا حظ فيها للكافرين من المعلنين أو المسرّين. (^٣)
والراجح هو القول الأول:
أن الكفار والمنافقين يرون ربهم؛ وهي رؤية تعريف وتوبيخ وتعذيب - كاللص إذا رأى السلطان - وليست رؤية كرامة ولا نعيم.
فإن اللقاء ينقسم إلى: لقاء على وجه الإكرام ولقاء على وجه العذاب، فهكذا الرؤية التي يتضمنها اللقاء.
_________________
(١) التوحيد (ص/٤٢٨)
(٢) أخرجه مسلم (١٩١)
(٣) كما تري من الأقوال التى ذكرناها أعلاه يتبين لنا أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل السنة، لذا فما ادعاه القاضي أبو يعلى من إجماع السلف على نفي رؤية الكافرين لربهم فهذا إجماع فيه نظر. قال شيخ الإسلام: فأما " مسألة رؤية الكفار " فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها - فيما بلغنا - بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على " ثلاثة أقوال " مع أني ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها؛ إذ في الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة. مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٦)
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقد سئل أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج: كيف القدوم على الله؟ فقال:
المحسن كالغائب يقدم على مولاه، وأما المسئ كالآبق يقدم به على مولاه.
أما استدلال المخالف بقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ محجوبون).
فجوابه: فهذا الحجب إنما يكون بعد المحاسبة، فإنه قد يقال "حجبت فلانا عنى"،
وإن كان قد تقدَّم الحجب نوع رؤية، وهذا حجب عام متصل، وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم وبين المؤمنين. (^١)
فإن قيل: قد قال تعالى (ولا ينظر إليهم)؟!
فجوابه: أن هذا تأويله: نفي نظر الرحمة والتكريم؛ لا مطلق النظر، أرأيت قوله تعالى: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) مع قوله تعالى (وقفوهم إنهم مسئولون).
فالمنفي في السؤال هو سؤال الاستعتاب كما في قوله (ولاهم يستعتبون).
وإنما يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ لقوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين). (^2)
- أما استدلالهم بحديث تجلّي الله ضاحكًا للمؤمنين والمنافقين؟!
فجوابه:
فهذا واقع بعد إتيان الله -تعالى- لأهل الموقف جميعهم في صورته، كما سبق ذكره كما في قوله (فيأتيهم في أدنى صورة من التي رأوه فيها).
* أما ما ذكره الإمام ابن خزيمة بأن الاستدلال على إثبات رؤية الكفار بثبوت اللقاء لا يصح، لأن اللقاء غير الرؤية؟!
فجوابه:
نعم اللقاء غير الرؤية، ولكن اللقاء مستلزم للرؤية، فلا يقال لقي فلان
_________________
(١) مجموع الفتاوى (6/ 503)
(٢) قاله الحسن البصري. وانظر الجامع لأحكام القرآن (6/ 478) قلت: يؤيد هذا الجمع ما ذكره ابن تيمية: أن القرآن والسنة يدلان على أن الله يكلم الكفار تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت، لا تعليم تقريب وتكريم ورحمة. وقيل في الجمع وجه آخر: أن المنفى إنما هو سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.، ذكره ابن القيم في طريق الهجرتين (ص/424) وهو قول ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٣٥٠ ]
فلانا إلا إذا تقابلا ورأى أحدهما الآخر. (^١)
وقد نقلنا آنفا الإجماع الذي نقله ابن القيم على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية.