الجواب أولا: وردت أحاديث تشير إلى جواز الكي، نذكر منها ما يلي:
١ - عَنْ جَابِرٍرضي الله عنه- قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذ -﵁فِي أَكْحَلِهِ، قَالَ:
«فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ - ﷺ- بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ» (^١)
٢ - قال ابن عباس -﵄-: قال الرسُولَ - ﷺ -:
إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ. (^٢)
ثانيًا: قد وردت أحاديث في النهي عن الكي منها:
١) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -﵁أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ - نَهَى عَنِ الكَيِّ. قَالَ: فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا. (^٣)
وعن ابن عباس -﵄- أنَّ النبي -ﷺ - قال: ، وأنا أنهي أمتي عن الكي ". (^٤)
* فكيف الجمع بين هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض؟
نقول: اختلفت مسالك العلماء في الجمع بين هذه الآثار، على أقوال:
١ - القول بالنسخ: أن أحاديث الإباحة قد نسخت أحاديث النهي عن الكي. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٠٨) وأحمد (١٤٣٤٣) والحسم هو الكي. والمشقص: "هو نصل السهم الطويل غير العريض. وجمعه: مشاقص. وانظر مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٦/ ٧٣)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه أبوداود (٣٨٦٥) والترمذى (٢٠٤٩) وقال الترمذى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٤) متفق عليه.
(٥) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢١)
[ ١ / ٣٧٠ ]
٢ - حمل أحاديث النهي على من فعل ذلك قبل نزول البلاء؛ وذلك دفعًا للقدر قبل نزوله. (^١)
٣ - حمل أحاديث النهي على نهي التنزيه، وذلك لما ورد من أحاديث قد أباحت الكي لمن به علة؛ وإنما قد نُهى عن الكى لما في الإكتواء من الألم الشديد مع ضعف احتمال الشفاء، ولهذا وصفه النبي - ﷺ - ونهى عنه؛ وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدواء الكي ".
وهذا -والله أعلم-هو الصحيح في الجمع بين تلك الأحاديث. (^٢)
قال ابن القيم:
فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفًا من حدوث الداء. (^٣)
وتنقسم حالات الكي إلى عدة أحكام:
١) من استعمل الكي لغير علة، بل دفعا لنزول البلاء، فهذا حكمه التحريم؛ لأنه
_________________
(١) فقد ذكر ذلك ابن قتيبة في "تأويل مختلف الحديث"، فقال: وقد رأيت بخراسان رجلًا من أطباء الترك يعالج بالكي، يكوى العليل لعلته، ويكوى الصحيح لئلا يسقم؛ فتطول صحته. وانظرتأويل مختلف الحديث (ص/٤٦٣)
(٢) أما القول بالنسخ فهذا يرده عدم العلم بالتاريخ وإمكانية الجمع بين الأدلة، وأما حمل أحاديث النهي على من فعله قبل نزول البلاء، فليس هذا هو الأغلب في أفعال الناس، بل إنهم في الأغلب لا يكتوون إلا لعلة.
(٣) الزاد (٤/ ٦٠)
[ ١ / ٣٧١ ]
إيلام للبدن بغير سبب، كما أن فاعله ظن أن الاكتواء يدفع عنه قدر الله، ولو توكل على الله ﷿ لما فعل ذلك.
٢) من استعمل الكي لعلة قد غلب على ظنه نفع الكي في علاجها، فلا يكره الكي هنا، مثل الكي من ذات الجنب.
٣) أن يكون العلاج بالكي مترددًا بين النفع وعدمه، فلا يشرع الكي، لأنه ايلام بالنار، وربما حصل مضاعفات أكثر من المرض.
٤) ما لا يظن نفعه، ولكن يغلب فيها ضرر الكي، فالأقرب التحريم، لأنه تعدي على البدن. (^١) عودٌ إلى حديث الباب: وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وها هي الصفة الثالثة التى ارتقت بالقوم إلى منازل السابقين: أنهم لا يتطيرون:
والتطير: أصله من زجر الطير، ومروره سانحًا أو بارحًا (السانح ما تيمّن، والبارح عكس ذلك)، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء من الحيوان وغيره. (^٢)
كان العرب في الجاهلية إذا همَّ الواحد منهم بأمر ما أتى بطير فأطلقه، فإن تيمّن الطائر تفاءل المرء ومضى في حاجته، وإن طار الطائر ناحية الشمال تشاءم المرء ورجع عن حاجته، ومنه جاء التطير وصار يطلق على: التشاؤم بمسموع أو مرئي أو معلوم.
* حكم التطير في الشرع:
نهى الشرع عن التطير بكل صوره، بل وعدَّه النبى -ﷺشركًا، والمتتبع لآيات القرآن وأحاديث السنة يجد أن التطير ما ورد إلا مذمومًا، أو على لسان المشركين.
فأما من القرآن فقد قال الله تعالى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ﴾ (الاعراف: ١٣١)
_________________
(١) ذكر هذا التقسيم الشيخ محمد بن صالح العثيمين في تعليقه على صحيح البخاري.
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٤/ ٢٤٣)
[ ١ / ٣٧٢ ]