بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام". (^١).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "الزموا هذه الطاعة والجماعة، فإنه حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة". (^٢)
واعلم أن الفرقة الناجية سبيلها واحد، نعَم قد يقع بينها خلاف، ولكن هذا الخلاف له سمات:
١) السمة الأولى: هو خلاف في التطبيق، لا التأصيل.
توضيح هذه العبارة: بمعنى أن التأصيل واحد، ولكنَّ الخلاف قد يقع بينهم في التطبيق: مثال: اتفاق أهل السنة على إثبات صفات الله ﷿، ولكن قد يختلفون في بعض الآيات أو الأحاديث، هل هذه من آيات الصفات، أم لا.
مثال ذلك: قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أخرج البيهقي وابن خُزَيمة عن مجاهد قال: "وجه الله: قِبلة الله".
وقد نبَّه إلى ذلك الشافعيُّ وابنُ تيمية، وبيّنا أن قول مجاهد فيها صحيح، وأن هذا مما لم يخالفه فيه أحدٌ من الصحابة والتابعين، في حِينَ ذهبَ ابن خُزيمة في [التوحيد] والبيهقي في [الأسماء] أن هذه الآية من آيات الصفات.
فهذا الاختلاف حاصل بينهم، مع اتفاق الجميع على إثبات صفة الوجه لله -تعالى- من الأدلة الأخرى الصريحة. والأمثلة على ذلك كثيرة.
٢) السمة الثانية:
أن خلافهم في الأحكام العملية، وليس في أصول الاعتقاد الكلّيّة كاختلاف الشافعية مع المالكية -مثلًا- في بعض الأحكام في أبواب الطهارة أو الصلاة، ونحن في ذلك لا نقول: فرقة الشافعية، أو فرقة المالكية مثلًا، بل نقول: المذهب الشافعي، والمذهب المالكي.
_________________
(١) المِنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (١٢/ ١١).
(٢) مصنف ابن أبي شَيبة (٣٨٤٩).
[ ١ / ٣٢ ]
لذا فلا يُحمل حديث الباب على الاختلاف في الأحكام العملية، ولا في المسائل والأقوال الفقهية، ولم يزَل الخلاف حاصلًا في الفروع بين أهل العلم من لَدُنِ الصحابة -﵃- إلى يوم الناس هذا، دون أن يُحدث هذا الأمر فرقة بينهم. ولم يزَل علماء الأمة يصنِّفون في مسائل الخلاف بين العلماء في الفروع الفقهية، ومن الأمثلة على ذلك:
كتاب [اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى] لأبي يوسف الأنصاري، وكتاب [اختلاف الفقهاء] للمَرْوَزِي، وكذلك [اختلاف الفقهاء] لابن جَرير، والأمثلة في ذلك كثيرة.
قال الإمام أبو منصور التميميُّ:
وقد عَلِم كلُّ ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة أن النبي -ﷺ- لم يُرد بالفرق المذمومة التي هى من أهل النارفرَق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين؛ لأن المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام، ليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما اختلفوا فيه من أحكام الفروع، وإنما فصَّل النبي ﵇ بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد، أو في الوعد والوعيد، أو في بابَي القدر والاستطاعة، أو في تقدير الخير والشر، أو في باب الهداية والضلالة، أو في باب الإرادة والمشيئة، أو في باب الرؤية والإدراك، أو في باب صفات الله ﷿ وأسمائه وأوصافه" (^١).
وهذا ما ذكره الامام الشاطبي معلقًا على حديث الباب كما في قوله: "فلا يصح أن يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد؛ لأنه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلينَ تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع؛ فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، ولم يَعِبْ أحد ذلك منهم، فكيف أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث؟!
_________________
(١) [الفَرْق بين الفِرَق، وبيان الفرقة الناجية] (١/ ٢٦)،
[ ١ / ٣٣ ]
وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نصٌّ عليه، ففي الآيات مما يدل عليه: قوله تعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وما أشبهَ تلك الآياتِ الدالةَ على التفرُّق الذي صاروا به شِيعًا. ومعنى "صاروا شيعًا": جماعات، بعضهم قد فارق بعضًا، ليسوا على تآلُفٍ ولا تعاضُدٍ ولا تناصُرٍ، بل على ضد ذلك"اهـ. (^١)
قال الشيخ صالح المُقبلي: "من المعلوم أنه ليس المراد من الفرقة الناجية: ألّا يقع منها أدنى اختلافٍ؛ فإن ذلك قد كان في فُضلاء الصحابة ﵃، إنما الكلام في مُخالفة تُصيِّر صاحبَها فِرقةً مستقلةً ابتدَعَها". (^٢)
*ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
قوله ﷺ في حديث الباب: «كلها في النارِ إلا واحدة» يدل على أن الحق واحد لا يتعدد.
قوله ﵊: «إلا واحدة» قد أعطى بنصّه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرَقٌ أيضًا لَما قال: «إلا واحدة» (^٣). وهذا ما تكاثرت عليه أدلة الشرع: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فهنا قد ذكر طريق الحق على سبيل الإفراد، فهو طريق واحد، وذكر سُبُل الشيطان على صيغة الجمع، فهي كثيرة متفرقة.
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فقد وحَّدَ الله تعالى لفظ "النور" وجمعَ "الظلمات"؛ لأن
_________________
(١) وانظرالاعتصام (٣/ ١٢٥)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ١٧٩).
(٢) العَلَمُ الشَّامِخ في إِيثَار الحقِّ على الآباء والمَشايخ (ص/٤١٤).
(٣) الاعتصام (٢/ ٧٥٥ (.
[ ١ / ٣٤ ]
الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعُّبه (^١).
وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِين﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]،
فأخبر الله -تعالى- أن سليمانَ -﵇- هوالمصيبُ، وحَمِدَه على إصابته، وأثنى على داودَ في اجتهاده، ولم يذمّه على خطئه، وهذا نصّ في إبطال قول من قال: إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذمومًا، فلو كان الحق بيدِ كل واحد منهما لَما كان لتخصيص سليمان بذلك معنًى.
وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
قال ابن حزم:
"ومن ادَّعى أن الأقوال كلها حق، وأن كل مجتهد مصيب- فقد قال قولًا لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل؛ قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]،
وقال تعالى: ﴿وَلَوكَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (^٢).
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن بريدة الأسلمي ﵁ أن الرسول ﷺ قال في الحديث الطويل:
« وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ: أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٦٨٥).
(٢) المحلَّى (١/ ٧٠).
[ ١ / ٣٥ ]
أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» رواه مسلم.
قال أبو البركات مَجْدُ الدين ابن تيمية (الجَدّ) -﵀- معلقًا على هذا الحديث في كتابه [المنتقى]:
"وهو حجة في أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب، وأن ليس كل مجتهد مصيبًا، بل الحق عند الله واحد". اهـ.
كذلك يدل عليه:
قول الرسول ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ» متفق عليه.
قال الشوكاني:
"فقد دل -أي: الحديث- دلالةً بينةً أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجرًا، فسماه مخطئًا، وجعل له أجرًا، فالمخالف للحق بعد الاجتهاد مخطئ مأجور، وهو يردّ على من قال: إنه مصيب، ويرد على من قال: إنه آثم، ويرده ردًّا بينًا، ويدفعه دفعًا ظاهرًا" (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"المجتهد إذا أدَّاه اجتهادُه إلى قول فعَمِلَ بموجَبه كلاهما مطيع لله، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله وله أجر على ذلك، وليس مصيبًا بمعنى: أنه علم الحق المعيّن؛ فإن ذلك لا يكون إلا واحدًا، ومُصيبُهُ له أجران (^٢).
وقال ابن القيم في [أحكام أهل الذمة] كلامًا رائعًا عن معنى (كل مجتهد مصيب): "وإذا كان النبي ﷺ قد منع الأمير أن يُنزل أهل الحصن على حكم الله وقال: لعلك لا تدري أتصيبه أم لا؛ فما الظن بالشهادة على الله والحكم عليه بأنه كذا أوْ ليس كذا، والحديث صريح في أن حُكم الله سبحانه في الحادثة واحد معيَّن، وأن المجتهد يصيبه تارةً، ويُخْطئه تارة.
وقد نص الأئمة الأربعة على ذلك صريحًا: قال أبو عمر ابنُ عبد البَرّ:
"ولا أعلم خلافًا بين الحُذّاق من شيوخ المالكيّينَ ثم عدّهم،
_________________
(١) السيل الجَرّار (١/ ٢٠ (.
(٢) مجموع الفتاوَى (١٠/ ٤٧٨).
[ ١ / ٣٦ ]
ثم قال: "كلٌّ يحكي أن مذهب "مالك" في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نَوازل الأحكام: أن الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم، إلا أنّ كل مجتهد إذا اجتهد كما أُمِرَ وبالغَ ولم يألُ وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد- فقد أدى ما عليه، وليس عليه غير ذلك، وهو مأجور على قصْده الصوابَ وإن كان الحق من ذلك واحدًا.
قال: "وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي".
قال: "وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسَن وأبو يوسف والحُذّاق من أصحابهم". قلت: قال القاضي عبد الوهاب:
"وقد نص "مالك" على منع القول بإصابة كل مجتهد، فقال:
"ليس في اختلاف أصحاب رسول الله -ﷺ، ورضي عنهم- سَعةٌ، إنما هو خطأ أو صواب". وسئل أيضًا: ما تقول في قول من يقول:
إنّ كل واحد من المجتهدين مصيب لما كلف؟ فقال:
"ما هذا هكذا، قولان مختلفان لا يكونان قطُّ صوابًا! ". وقد نص على ذلك الإمام أحمد، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه:
إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذَ رجل بأحد الحديثينِ وأخذ آخرُ بحديث آخرَ ضِدُّه فالحق عند الله واحد وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يدري أصابَ الحقَّ أم أخطأ. وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا إلخ" (^١).
*قلت:
وعليه فلكل مجتهد نصيبٌ، أي: من الأجر، وليس كل مجتهد مصيبًا، بل المصيب واحد، والآخَر مخطئ. ومنهم من يعبّر عن ذلك بعبارة أخرى فيقول: «كل مجتهد مصيب، وليس كل اجتهاد صوابًا»،
والمعنى: أن "كل مجتهد مصيب" أي: عند نفسه؛ لاستفراغه وُسعَه،
_________________
(١) أحكام أهل الذِّمّة (١/ ١١٧).
[ ١ / ٣٧ ]