يجزم بالنجاة، بل يرجو ربه ذلك.
٢ - المرجئة لا يمتنعون من القول بدخول الأعمال فى الإيمان إذا كان لا يترتب على زوالها زوال الإيمان، فالعمل ركن من الإيمان الكامل، وليس بركن من أصل الإيمان الذى لا نجاة من الخلود فى النار إلا به.
*شبهات أخرى لكافة فرق المرجئة:
١ - الشبهة الأولى:
قالوا: العمل ليس من الإيمان؛ لأن الله فرَّق بينهما فقال (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)!!
والرد على ذلك أن يقال:
أولًا: هذا من باب عطف العام على الخاص، ورَد نظير ذلك قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) (البقرة/٢٧٧) وقول النبى -ﷺ- (اتقوا الدنيا، واتقوا النساء) ولازم قولكم أن فتنة النساء ليست من فتن الدنيا.
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ وَلَا خلاف
فِي أَن جِبْرِيل وَمِيكَائِيل من جملَة الْمَلَائِكَة، وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ وَالرُّمَّان
من الْفَاكِهَة. وَالْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب، وَالْعرب تعيد الشَّيْء باسمه وَإِن كَانَت قد أجملت
ذكره تَأْكِيدًا لأَمره (^١).
ثانيًا: إعمال الأدلة أولى من إهمالها، وكافة النصوص الأخرى دلت أن الإيمان قول وعمل، فهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
٢ - الشبهة الثانية:
ما ورد في حديث جبريل - ﵇في بيان الإسلام والإيمان والإحسان؛ حيث جعل أعمال الجوارح، من الصوم والزكاة والصيام والحج ليست من الإيمان!!!
* وجواب ذلك ما قاله البغوي:
جعل النبي -ﷺفي هذا الحديث الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ١٢٤)
[ ١ / ٢٨٣ ]
لجملة هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال: «ذاك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم» .. (^١).
** ثم نقول:
: أليس الذى عرَّف الإيمان بالتصديق الباطن في حديث جبريل هو -ﷺالذي عرَّفه بأعمال الجوارح في قوله: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:
«شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنَّ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنَ الْمَغْنَمِ؟!!!
٣_ الشبهة الثالثة:
قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فجعل محل الإيمان هو القلب، وعمل الجوارح ليست من الإيمان!!!
** وجواب ذلك أن يقال:
ليس في الآية ما يشير إلى إخراج عمل الجوارح من الإيمان، بل غاية ما فيها هو التأكيد على ضرورة الاعتقاد القلبي في ثبوت الإيمان، فالآية في الحقيقة حجة على من استدل بها، لا حجة له؛ وذلك من وجهين:
١ - الأول: ما ذكره الطبري بقوله:
وهو أن الله تقدّم إلى هؤلاء الأعراب الذين دخلوا في الملة إقرارا منهم بالقول، ولم يحققوا قولهم بعملهم أن يقولوا بالإطلاق آمنا دون تقييد قولهم بذلك بأن يقولوا آمنا بالله ورسوله، ولكن أمرهم أن يقولوا القول الذي لا يشكل على سامعيه والذي قائله فيه محقّ، وهو أن يقولوا أسلمنا، بمعنى: دخلنا في الملة لحفظ الأنفس والأموال بالشهادة الحق (^٢).
٢ - الثاني: ما ذُكر في الآية التي تليها مباشرة، في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادقون﴾ فلقد جعل الجهاد بالنفس والمال من الإيمان، وهى أعمال جوارح، فتأمل.
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١١)
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٣١٣)
[ ١ / ٢٨٤ ]