فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا، كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ، وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتِ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ، فَيَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا، ثُمَّ يَقُولُ:
ارْجِعُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا، لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا، فَيَقُولُ اللهُ -﷿-: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ - وفي رواية: «فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي» - فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ». (^١)
الشفاعة لأُناسٍ قد استحقوا النار في ألّا يدخلوها.:
وهذه قد يُستدل لها بقول الرسول ﷺ:
«ما مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جنازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا- إلّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (^٢)
فإنّ هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفّعهم الله في ذلك.
الشفاعة لأناس من أهل الإيمان -قد استحقوا الجنة- أن يزدادوا رِفعةً في الجنة:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٧٧).
[ ١ / ٢٣٢ ]
فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ». (^١)
أقسام الناس مع الشفاعة:
الكلام في قضية الشفاعة يدور بين الغلو والجفو، و﴿هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]:
فالمشركون قد غالَوْا في إثبات الشفاعة، فقاموا يستشفعون بالآلهة الباطلة التي عبدوها من دون الله، أو معه؛ ظنًّا منهم أنّ عبادتها وسيلةٌ لأنْ يشفعَ لهم أصحابُها عند الله -﷿-، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]،
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، فالله -﷿- أبطل هذه الشفاعة الشركية، وحكمَ على من تلبَّسَ بها أنه كاذب كَفَّار.
وعلى الجانب الآخَرِ
يَجيءُ أصحاب المُجافاة من النُّفاة، وهُمْ: الخوارج، والجهمية، والمعتزلة، الذين أنكروا شفاعة النبي - ﷺ - في العصاة من أهل الكبائر، الذين ماتوا دون توبة.
وأمّا الجهمية:
فلمّا كان الإيمان عندهم هو المعرفة، والأعمال خارجة عن مسمَّى الإيمان، والكفر محصور في الجهل بالله -تعالى- فحسْبُ، ولا يُتصور عندهم أن يُعذَّب أحدٌ على ذنبٍ- فإنّ قولهم بإنكار الشفاعة مبني على عدم وجود من تَحْصُلُ له أصلًا.
* وأمّا الخوارج والمعتزلة:
فلمّا تبنَّوُا الْقولَ إنّ فعل الكبيرة يَسْتوجب أن يخلَّد صاحبُها في نار جهنم، فيرَوْن
أنّ مَن زنى - مثلًا - ومات مصرًّا على ذلك لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله -تعالى-
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠).
[ ١ / ٢٣٣ ]
لأحدٍ بالشفاعة له. (^١)
يقول القاضي عبد الجبار- أحد كبار مشايخ المعتزلة - في بيان رأي المعتزلة في الشفاعة:
"لا خلاف بين الأمة في أنَّ شفاعة النبي -ﷺ- ثابتة للأمة، وإنما الخلاف في أنها تَثبُتُ لِمَنْ؟ "،
ثم قال: "فعندنا أن الشفاعة: للتائبين من المؤمنين".
ويقول في موضع آخر: " فحصلَ لك -بهذه الجُملةِ- العلمُ بأنّ الشفاعة ثابتة للمؤمنين، دُونَ الفُسّاقِ من أهل الصلاة". (^٢)
* وأوّلُ مَن أنكرَ الشفاعة في أهل الكبائر هم الخوارج، وذلك في آخِرِ عصر الصحابة -﵃-، ثم سار على دربهم -في إنكار الشفاعة في أهل الكبائر- المعتزلةُ الذين ظهروا في عصر التابعينَ، ووافقوا الخوارج في مآلِ فاعل الكبيرة، فقالوا بخلوده في النار.
** وقد أنكر الصحابة -﵃- مذهب الخوارج في ذلك، وحدَّثوهم بما سمعوا من النبي -ﷺ- في ذلك.
قَالَ يَزِيدُ الْفَقِيرُ:
كُنْتُ قَدْ شَغَفَنِي رَأْيٌ مِنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ، فَخَرَجْنَا فِي عِصَابَةٍ ذَوِي عَدَدٍ نُرِيدُ أَنْ نَحُجَّ، ثُمَّ نَخْرُجَ عَلَى النَّاسِ، قَالَ:
فَمَرَرْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ، جَالِسٌ إِلَى سَارِيَةٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَكَرَ الْجَهَنَّمِيِّينَ، قَالَ:
فَقُلْتُ لَهُ: يَا صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُونَ؟ وَاللهُ يَقُولُ:
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] وَ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فَمَا هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ؟
قَالَ: فَقَالَ: «أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟»
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ سَمِعْتَ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ ﵇ - يَعْنِي الَّذِي يَبْعَثُهُ اللهُ فِيهِ -؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:
«فَإِنَّهُ مَقَامُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَحْمُودُ الَّذِي يُخْرِجُ اللهُ بِهِ مَنْ يُخْرِجُ»، قَالَ: ثُمَّ نَعَتَ وَضْعَ
_________________
(١) وانظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص/١٢٨)، ومقالات الجهم (ص/٦٨٤).
(٢) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٦٨٨)، ونص على مثله في" فضلُ الاعتزال، وطبقاتُ المعتزلة " (ص/٧٣).
[ ١ / ٢٣٤ ]
الصِّرَاطِ، وَمَرَّ النَّاسِ عَلَيْهِ، - قَالَ: وَأَخَافُ أَنْ لَا أَكُونَ أَحْفَظُ ذَاكَ - قَالَ: غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ زَعَمَ أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا، قَالَ: - يَعْنِي - فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ، قَالَ:
«فَيَدْخُلُونَ نَهَرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ الْقَرَاطِيسُ»، فَرَجَعْنَا قُلْنَا: وَيْحَكُمْ أَتُرَوْنَ الشَّيْخَ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَرَجَعْنَا، فَلَا وَاللهِ مَا خَرَجَ مِنَّا غَيْرُ رَجُلٍ واحد. (^١)
قال أنس بن مالك ﵁:
«يخرج قَومٌ مِن النَّار، ولا نُكَذِّبُ بها كَما يُكَذِّبُ بها أَهلُ حَرُورَاءَ». (^٢)
* قال ابن حجر:
"إنّ الخوارج - الطائفة المشهورة المبتدعة - كانوا ينكرون الشفاعة، وكان الصحابة ينكرون إنكارَهم، ويحدّثون بما سمعوا من النبي -ﷺ- في ذلك "، ثم ذكرَ -﵀- جملة من الآثار في ذلك. (^٣)
** مما سبق يتضح لنا:
أن مسألة التكذيب بالشفاعة مسألة قديمة تصدَّى لها الصحابة -﵃-، وبيَّنوا زَيْفها وبطلانها.
** وأمّا الذي حملَ الخوارج والمعتزلة على إنكار الشفاعة لأصحاب الكبائر فهو جملة من الأمور:
١) آياتٌ ظاهرُها نفْي الشفاعة عن أصحاب الكبائر.
٢) أدلةٌ أفادَ ظاهرُها كُفْرَ فاعل الكبيرة.
٣) دعوى أنّ أحاديث الشفاعة من أحاديث الآحاد التي لا تثبت بها مسائل الاعتقاد.
٤) دعوى أنّ أحاديث الشفاعة محمولة على الذين تابوا من أصحاب الكبائر.
٥) شبهات عقلية.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٩١)
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٣٤٦)، والبيهقي في البعث (٤٦٧).
(٣) فتح الباري (١١/ ٤٢٦).
[ ١ / ٢٣٥ ]