استند جمهور الجهمية والمعتزلة في قولهم بنفي الرؤية على جملة من الشبهات العقلية والنقلية، والتى جعلوها مستندًا لهم في القول بنفي الرؤية، بل إنهم تجاوزا هذه المرحلة حتى قالوا بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبوالحسن الأشعري. (^٤)
* ونذكر طرفًا من هذه الشبهات مع الجواب عليها:
١) قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَوَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣» فقال النفاة: قد نفت الأية رؤية الله، فكما أن الله يدرك الأبصارفي الدنيا والأخرة، فكذلك أبصار العباد لا تدركه لا في لدنيا ولا في الأخرة. (^٥)
_________________
(١) الشريعة (٢/ ٩٨٦)
(٢) الشريعة (٢/ ٩٧٦)
(٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٢/ ٥٤٤)
(٤) قال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله -وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٥٥)
(٥) وهذه أحد الأدلة التى شغَّب بها القاضي عبدالجبار في كتابه "متشابه القرآن" (ص/٢٥٥)، وانظر "شرح الأصول الخمسة" (ص/٢٣٣)
[ ١ / ٣٢٨ ]
الجواب:
نريد منكم أن تفرَّقوا بين الرؤية والإدراك، فالأمر الذى نفته الأية بلا شك إنما هو الإدراك لا الرؤية، فالله -عزوجل -لا تدركه الأبصار، ولا تحويه ﷿، وهو-عزوجل- يُرى من غير إدراك، كما يقول الرجل:
رأيتُ البحر، مع أنه لم يدركه، لذا فإن الإدراك أخص من مطلق الرؤية، لأن الادراك رؤية خاصة؛ وهي الرؤية علي جهة الإحاطة، كما في قوله تعالي:
(فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا) فلم ينف موسي -﵇- الرؤية، وإنمانفي الإدراك. وكذلك قوله تعالى:
﴿لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ ومعلوم أنه لم يخف الرؤية وإنما خاف الإحاطة. (^١).
ونظيرذلك::
الفرق بين العلم بالله والإحاطة به سبحانه، فالذى قال (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّااللَّهُ) هو سبحانه الذى قال (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا)
فالله -تعالي-يُري ولا يُدْرك، كما أنه يُعلْم ولا يُحاط به علمًا.
وعليه فمن يستدل على نفى الرؤية بنفي الإدراك فهو ممن يجهل الفرق بين الأمرين.
وكم من عائب قولًا صحيحًا * وآفته من الفهم السقيم.
* يؤيده:
قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يدرك أبدًا وإن رآه المؤمنون، فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق، وكيف نفى الرؤية بـ " لن " فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأن النفي بها لا يتأبد. (^٢)
*بل يقال هنا: أن هذه الأية تصلح لأن تكون دليلًا لأهل السنة:
_________________
(١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (ص/٦٤٨)
(٢) بدائع الفوائد (١/ ٩٦)
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال ابن العثيمين:
نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية؛ لأن نفي الأخص يدل على وجود الأعم، ولو كان الأعم منتفيًا لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار، لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس، ولأنه لو كان الأعم منتفيًا لكان نفي الأخص إيهامًا وتلبيسًا ينزه عنه كلام الله ﷿. (^١)
ثم يقال:
ولو تنزلنا مع الخصم وقلنا إن الرؤية هى الإدراك -على مستوى فهمهم- فيقال هنا بحمل الرؤية المنفية في هذه الأية على حال الحياة الدنيا. (^٢)
٢) ومن شبهات النفاة:
قوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) قالوا: قوله تعالي: (لن تراني): يفيد نفي الرؤية مطلقًا؛ وذلك لأن " لن " تفيد النفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله صدق لا يدخله النسخ. (^٣)
الجواب:
قد أجاب أهل العلم على ذلك فقالوا: حرف "لن" يفيد النفي المؤبد، مردود شرعًا ولغة
أما شرعًا:
فإن النفي إذا جاء بـ " لن" فلا يفيد النفى المؤبد؛ وإنما يفيد النفي المؤقت، بدليل قوله تعالي في اليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
_________________
(١) شرح الواسطية (ص/٤٥٦)
(٢) يعني لو كان الإدراك بمعنى الرؤية لوجب التخصيص في الأية حتي تتفق مع أحاديث الرؤية. وممن ذهب إلى تفسير الإدراك بالرؤية: عائشة ﵂، والدارمي والبيهقي ونعيم بن حماد وابن قتيبة. قال ابن قتيبة وأما قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فليس ناقضًا لقوله ﷺ: "ترون ربكم يوم القيامة "؛ لأنه أراد -جل وعز- بقوله: "لا تدركه الأبصار" في الدنيا. ا. هـ نقول: وإن كان التوجيه الأقوي والأرجح شرعا ولغة هو التوجيه الأول، والله أعلم. أما شرعًا: فلأن النبي -صلي الله عليه وسلم - قد نفي الرؤية في الدنيا بقوله " لن تروا ربكم حتى تموتوا"، فمن باب أولي أن يكون في ذلك تفي للإدراك، لأنه رؤية وزيادة. أما لغة: فقد سبق ذكره. وانظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص/٢٩٨) والرد على الجهمية (ص/١٢٤) وكتاب التوحيد لابن خزيمة بتعليق خليل هراس (ص/١٦٨)
(٣) دراسات فى الفرق الإسلامية (ص/١٧٠)
[ ١ / ٣٣٠ ]
أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) ﴿فنفت الأية عن اليهود أن يتمنوا الموت بقوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)
ومع ذلك فهم يتمنونه في الآخرة، حين يقولون: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف/ ٧٧]، مما دل على أن " لن" ليست للتأبيد.
قلت: وإذا كان النفي مع التأبيد المصرح به كما في قوله تعالي: " وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا"، لم يدل على النفي المؤبد، لأنهم تمنوا الموت بعد ذلك، فكيف يفيده النفي غير المقرون بالتأبيد؟!! فتأمل.
أما لغة:
فإن " لن" لا تفيد النفي المؤبد. قال جمال الدين ابن مالك في " الكافية":
ومن رأي النفي بـ لن مؤبدًا فقوله أردد وسواه فأعضدا
* يؤيده:
لو كانت تفيد النفي المؤبد لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد ورد ذلك في قوله تعالي:
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴿. (^١)
* قال ابن القيم:
وتأمل قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ " لا " الدالة على طول النفي ودوامه، فإنه لا يُدرَك أبدًا وإن رآه المؤمنون. وكيف نفى الرؤية بـ " لن" فقال:
﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذَّبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ لن بقوله (وقالوا يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فهذا تمنٍّ للموت.
فلو اقتضت " لن " دوام النفي لتناقض الكلام. (^٢)
* وعند التحقيق نقول:
أن المستقرئ لاستعمالات حرف "لن" يجد أنها تستعمل على المعنيين:
(التأقيت والتأبيد) ومثال المعنى الأول ما ورد في الأية (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)
وقد ترد
_________________
(١) ذكره أبو العز الحنفي في شرحه للطحاوية (ص/٢١٤) قلت: فتأويل الأية: لن أبرح الأرض لعلة، فإذا انتفت فعلت، وكذا يقال في الرؤية: لن تراني لعلة وهي ضعفك، فإذا كان أمر الأخرة تحقق الرؤية.
(٢) بدائع الفوائد (ص/٩٦)
[ ١ / ٣٣١ ]
لن للتأبيد: كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا)، وقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)
وإنما الذي يحدد أصح الاستعمالين إنما هو السياق مع القرائن الأخري، فالشرع إنما يؤخذ من مجموعه، وقد دلت الأدلة الأخرى بتواترها وتواردها على المراد بـ " لن " في قوله تعالى (لن تراني) هو نفي التأقيت لا التأبيد، فتأمل.
وقد رد أهل السنة على المخالفين المستدلين بهذه الأية على نفي الرؤية من وجوه عديدة تزيد عن تسعة أوجه مبثوثة في كتب أهل السنة، قد تركت ذكرها خشية الإطالة. (^١)
مما يُبين أنها دليل أظهر لمن يثبت الرؤية وليس لمن ينفيها.
وصدق ابن القيم -﵀حين ذكر في مَعرِض كلامه عن إنكار المعتزلة للرؤية يقول:
وبدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن. (^٢)
** ومن شبهات النفاة:
قالت المعتزلة: قوله تعالي﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴿إنما هو نظر الانتظار، لا نظر الرؤية!!
وقالوا: إنما هو نظر إلي ثواب ربها أي: إلي ثواب ربها ناظرة!! (^٣)، واستدلوا بأن هذا هو تفسير مجاهد للآية. (^٤)
_________________
(١) ومن أراد الوقوف عليها فليراجع: حادي الأرواح (ص/٢٨٧) وشرح العقيدة الطحاوية (ص/٢١٣) والانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٦٤٢)
(٢) المصدر السابق (ص/٩٦)
(٣) نص على ذلك القاضي عبد الجبار في"تنزيه القرآن عن المطاعن" (ص/٤٤٧)، وذكره أبو القاسم البلخي عن الجبَّائي في "كتاب المقالات" (ص/١١١) وانظر شرح الأصول الخمسة (ص/٢٤٥)
(٤) حيث فسر مجاهد الأية بقوله "تنتظر الثواب من ربها"، وذكره عنه الطبري في جامع البيان (٢٤/ ٧٢)، والقرطبي في تفسيره، وقال القرطبي: لم يُنقل ذلك إلا عن مجاهد. وقد تلقف القاضي عبد الجبار قول مجاهد فطار به، وقال: "إذا صح ذلك فالصحيح عندنا أنه النظر إلى ثوابه ". وانظر الجامع لأحكام القرآن (١٩/ ١٠٨) والمغني في أبواب التوحيد والعدل (٤/ ٢١٢) و"مجاهد المفسِّروالتفسير" (ص/٥٣٦)
[ ١ / ٣٣٢ ]
الجواب أن يقال:
النظر له استعمالات متعددة، فمنها:
١) أن يتعدى بنفسه، ومعناه: التوقف والانتظار، كقوله ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (الحديد: ١٣)
والمقصود: انتظرونا وأمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، وهذا يقوله المنافقون للمؤمنين يوم القيامة.
٢) أن يتعدي بـ (في) كان معناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: يعتبروا ويتفكروا.
٣) أن يتعدى بـ (إلى) فمعناه: نظر العين، كقوله تعالى: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، انظروا يعني: بالعين. فهذا النظر بمعنى الإبصار
فلا يجوز أن يكون الله -﷿- عنى نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار اعتبار.
ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه، فإذا ذكر النظر مع الوجه لم يكن معناه نظر الانتظار؛، وأيضا فإن نظر الانتظار لا يكون في الجنة؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت من العيش السليم والنعيم المقيم.
وإذا فسدت الأقسام لم يبق إلا أن يكون المقصود بالأية أنه نظر رؤية العين.
*كما أن تفسير الأية بأنه انتظار للثواب مخالف لظاهر النص:
*قال ابن حزم:
وقال بعضهم ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ معناه إلى ثواب ربها ناظرة أي منتظرة،
وهذا فاسد جدًا؛ لأنه لا يقال في اللغة نظرت إلى فلان بمعنى انتظرته، وحمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديه إلا بنص أو إجماع؛ لأن من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلها والشرائع كلها والمعقول كله. (^١)
_________________
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٣/ ٣) وانظرالاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (ص/١٢٢)
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال ابن القيم:
ما أطرد استعماله على وجه واحد استحال تأويله بم يخالف ظاهره؛ لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء نادرًا خارجًا عن نظائره.
ونظير هذا إطراد النصوص بالنظر إلى الله تعالى، هكذا ترون ربكم، تنظرون إلى ربكم، ﴿إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة ٢٣]، ولم يجئ في موضع واحد ترون ثواب ربكم، فيحمل عليه ما خرج عن نظائره. (^١)
أما ما نقل عن مجاهد فجوابه ما قاله ابن عبد البر:
قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي -ﷺوأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ. وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ. (^٢)
*وما أجمل ما قاله الدارمي في مناقشة المخالفين، حيث قال:
فكيف ألزمتم أنفسكم اتباع المشتبه من آثار مجاهد وحده، وتركتم الصحيح المنصوص من آثار الرسول -ﷺ- وأصحابه ونظراء مجاهد من التابعين، إلا من ريبة وشذوذ عن الحق، والذي يريد الشذوذ عن الحق، يتبع الشاذ من قول العلماء، ويتعلق بزلاتهم، والذي يؤم الحق في نفسه يتبع المشهور من قول جماعتهم، وينقلب مع جمهورهم، فهما آيتان بينتان يستدل بهما على اتباع الرجل، وعلى ابتداعه. (^٣)
ومن جملة الشبهات التي استدل بها نفاة الرؤية قالوا:
القول بإثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة لله، وإثبات الجهة يلزم منه التجسيم، وهذا منتفٍ في حق الله. (^٤)
_________________
(١) الصواعق المرسلة (١/ ٦٣)
(٢) التمهيد (٧/ ١٥٧)
(٣) الرد على الجهمية (ص/١٢٤)
(٤) فقد نص القاضي عبد الجبار في كتابه "تنزيه القرآن عن المطاعن" (ص/٤٤٧) على أن الرؤية هي تقليب العين نحو الشيء طلبًا لرؤيته، وذلك لا يصح إلا في الأجسام، أي أنه لا يُرى إلا ما كان جسمًا!! ومن هذا الباب حكم المعتزلة بكفر من أثبت الرؤية، كما نقل ذلك عنهم ابن الجوزى وابن عبدالبر وأبو الحسن الأشعري. قال ابن عبدالبر: وأهل البدع المخالفون لنا في هذا التأويل يقولون إن من جوَّز مثل هذا -أى رؤية الله - وأمكن عنده فقد كفر. التمهيد (٧/ ١٥٥)
[ ١ / ٣٣٤ ]
والجواب أن يقال:
أما قولكم بنفي الجهة عن الله ﷿؛ فيقال:
١ - لفظة "جهة " في حق الله -تعالي- من الألفاظ المجملة، والقاعدة هنا إن
"الألفاظ المجملة في حق الله، لا نثبتها مطلقًا ولا ننفيها مطلقًا، بل نثبتها حال الكمال وننفيها حال النقص".
أ- فإن فُهِم من لفظة الجهة الله، أن لله -تعالى-مكانًا ما يظله أو يقله، فهذا المعنى ننفيه عن الله تعالي، لأنه عندها يكون صفة نقص في حقه تعالي؛ فالله -﷿- هو الباطن الذي ليس دونه شئ، وهوالظاهر الذي ليس فوقه شئ. كرسيه قد وسع السماوات والأرض، والكرسي إلى عرشه كحلقة في فلاة، فما أدراكم بذاته تعالى؟!
ب- وإن فُهم من الجهة لله أن الله -﷿- مستوٍ علي عرشه بائنٌ من خلقه، ليس حالّا في شيء من مخلوقاته، فهذا معني نقول به، ولم لا نقول به وقد تواردت وتواترت النصوص الشرعية على إثباته.
** أما قولهم: إثبات الجهة يلزم منه الجسمية!!
فجوابه:
أن لفظة الجسمية في حق الله -تعالي - مما لم يرد به نص من كتاب أو سنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
لم ينقل عن أحد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أن الله جسم أو أن الله ليس بجسم؛ بل النفي والإثبات بدعة في الشرع. (^١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٤٣٥)
[ ١ / ٣٣٥ ]
وقال ﵀:
لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى، لا نفيًا ولا إثباتًا، فليس لأحد أن يبتدع اسمًا مجملًا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلّق به دين المسلمين. (^١)
** أما قولكم أن إثبات الرؤية يلزم منه إثبات الجهة الله تعالي!!!
فإن كان وصف الجهة في حق الله -تعالى- على المعنى اللائق الذي سبق أن فَصَّلنَاه فنحن نقول بإثبات الرؤية على هذا المعنى.
وما زال السلف يثبتون أحاديث الرؤية، ولا يقولون كيف، فحرام على العقول أن تكيّف أو تمثل.
قال الذهبي:
المبالغة في إثبات الصفات وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف -﷿- لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها. (^٢)
*ومن شبهاتهم في نفي الرؤية:
قالوا:
الرؤية التي ذكرت في الأحاديث إنما يُقصد بها العلم، ونظير ذلك قوله تعالى:
﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد ﴿(الفجر: ٦) أي: ألم تعلم. (^٣)
_________________
(١) المصدر السابق (١٧/ ٣١٨)
(٢) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧) وكلام الإمام الذهبي -﵀وإن كان يقصد به المشبَّهة، فإن الجهمية المعطلة ما عطّلوا الصفات إلا لما اعتقدوا نوع مشابهة بين الخالق والمخلوق، ففروا من التشبيه إلي التعطيل، فكانوا كما قيل كالمستجير من النار بالرمضاء.
(٣) فمذهب المعتزلة نفي رؤية الله -﷿- بالأبصار، وتأويل الرؤية في قوله ﷺ: "سترون ربكم" بالعلم، يقول القاضي عبد الجبار في ذلك: "ثم نتناوله - أي حديث سترون ربكم - نحن على وجه يوافق دلالة العقل فنقول: المراد به سترون ربكم= =يوم القيامة أي ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر" انظر: "شرح الأصول الخمسة (ص/ ٢٣٢، ٢٧٠) المقالات (١/ ٢٨٩".
[ ١ / ٣٣٦ ]
فجوابه:
فإنه يستحيل، لأنا نعلمه في الدنيا أيضا؛ فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الأمر في يوم القيامة وفي الدنيا واحدًا؟؟!. (^١)
* كذلك:
فإن لفظة "رأى" تارة تكون قلبية وتارة تكون بصرية، والقرائن هي التي تُخلّص أحد المعاني وترجحه، وأي بيان وقرينة فوق قوله: "ترون ربكم كما ترون الشمس "، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟! وهل يخفي مثل هذا إلا على من أعمي الله قلبه؟!! (^٢)
* ومن شبهاتهم على نفي الرؤية:
قالوا: أحاديث الرؤية هي من أخبار الآحاد التى لا تفيد العلم في أبواب العقائد. (^٣)
فجوابه من وجوه:
1) قد سلف لنا ذكر ما يؤيد أن أحاديث الرؤية إنما هي من الأحاديث المتواترة، وذكرنا أقوال العلماء فى ذلك.
2) وإن قلنا - تنزلنًا- بأن أحاديث الرؤية من الآحاد فالصحيح أن خبر الواحد يفيد العلم النظري إذا احتفت به القرائن، سواء في ذلك ما ورد منها في العقائد أو العبادات. وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن حجر وابن الصلاح والآمدي وابن القيم وغيرهم. (^4)
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (ص/300)
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص/211)
(٣) وممن نص على ذلك: القاضى عبد الجبارفى "المغنى فى أبواب العدل والتوحيد " (4/ 225) والرازي في أساس التقديس (ص/168) والباقلانى في تمهيد الأوئل (1/ 266) وابن فورك في مشكل الحديث (1/ 270) وانظر المعتزلة وأصولهم الخمسة (ص/134) والمنحة الإلهية في الصفات الربانية (ص/282)
(٤) وقد ذكرنا أدلة ذلك في رسالتنا "البيان الأثيث في قواعد علم الحديث"، عند الكلام على قاعدة (خبر الآحاد حجة في الاعتقاد).
[ ١ / ٣٣٧ ]
* قال ابن حجر:
وقد يقع فيها -أي الآحاد-ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار، كأن يخرِّج الخبر الشيخان في صحيحهما، أو يكون مشهورًا وله طرق سالمة من ضعف الرواة والعلل. (^١)
٣) من اللوازم الباطلة لهذا القول:
نسبة أمر الأمة جميعها إلى الخطأ؛ فقد أجمع أهل الإسلام على رواية الأحاديث في صفات الله -﷿- وفي مسائل القدر والرؤية والإيمان والشفاعة والحوض، فإذا قلنا إن خبر الواحد لا يوجب العلم حملنا أمر الأمة في نقل هذه الأخبارعلى الخطأ، وجعلناهم لاغين هاذين مشتغلين بما لا يفيد أحدا شيئًا ولا ينفعه، ويصير كأنهم قد دونوا في أمور الدين ما لا يجوز الرجوع إليه والاعتماد عليه. (^٢)
* ثم نقول:
التفريق في القبول بين الخبريات والعمليات بناءً على التواتر من عدمه قول محدث شغَّب بها أهل البدع لرد أصول الاعتقاد التى لا توافق أهواءهم.
* قال السمعانى:
قولهم إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار وطلب الدليل من النظر والاعتبار. وهذا شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار.
والخبر إذا صح عن رسول الله -ﷺ - ورواه الثقات، وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم، هذا قول عامة أهل الحديث. (^٣)
_________________
(١) نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ص/٥٤) ومعني قوله العلم النظري: أي الذي يحتاج إلي قرائن لتقوي صحه ثبوته، بعكس العلم اليقيني الذي يفيده الخبر المتواتر. ومثال ذلك: حديث الأعمال بالنيات، فهذا من خير الآحاد التي احتفت به القرآئن التي دلت علي صحته وأوجبت العمل والعلم به، ومن هذه القرآئن بل وأقواها كونه في الصحيحين، وقد تلقته الأمة بالقبول، كما أنه برواية الثقات الأثبات بعضهم عن بعض.
(٢) الانتصارلأصحاب الحديث (ص/٣٧)
(٣) المصدر السابق (ص/٣٦)
[ ١ / ٣٣٨ ]
قول الأشاعرة في مسألة الرؤية:
وأما الأشاعرة فأرادوا الخروج من جلباب المعتزلة، ليقولوا بإثبات الرؤية؛ وكذلك أرادوا ألا يقولوا بقول أهل السنة بإثبات علو الله -تعالى- على عرشه، فقالوا:
إن الله -تعالى- يُري، ولكن لا في جهة؛ لأن الجهة -على زعمهم- من لوازم الأجسام.
قال صاحب الجوهرة:
" ومنه أن يُنظر بالأبصار لكن بلا كيفٍ ولا انحصار".
وعليه فقد جعل الأشاعرةُ أهلَ السنة مجسِّمة من هذا الباب. (^١)
قال الغزالي:
أما الحشوية -وهو يقصد أهل السنة - فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة حتى ألزمتهم بالضرورة الجسمية، وأما المعتزلة فقد نفوا الجهة ولم يتمكنوا من إثبات الرؤية دونها، وخالفوا به قواطع الشرع، وظنوا أن في إثباتها إثبات الجهة.
فهؤلاء تغلغلوا في التنزيه محترزين من التشبيه، فأفرطوا، والحشوية أثبتوا الجهة احترازًا من التعطيل فشبهوا، فوفق الله -سبحانه- أهل السنة للقيام بالحق، فتفطنوا وعرفوا أن الجهة منقية لأنها للجسمية تابعة، وأن الرؤية ثابتة لأنها رديف العلم؛ فانتفاء الجسمية أوجب انتفاء الجهة التي من لوازمها، وثبوت العلم أوجب ثبوت الرؤية. (^٢)
_________________
(١) لذا فقد فسَّر الأشاعرة: " لا تضامّون " بالتشديد بأن معناه: لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى عن جهة. الاعتقاد للبيهقي (ص/٥١).
(٢) وانظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص/٤٧) وشرح العقائد النسفية (ص/٢٠٦) قلت: قال اللقاني شارح "جوهرة التوحيد": والمشبهة -يقصد أهل السنة- على تجويز الرؤية في مكان؛ لاعتقادهم بالجسمية، فتعالى الله على قولهم علوًا كبيرًا!! وقد ورد في أبيات الجوهرة: " ومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيف ولا انحصار". وقوله: (بلا انحصار: أي بلا جهة ولا حد) وقد ذكر محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق في كتابه "مباحث في علم التوحيد" هذا القول ونسبه لأهل السنة، وإنما قصد بذلك الأشاعرة، فقال: وأهل السنة يثبتون الرؤية بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وانظر هداية المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٦٨) وتحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص/٣٢٢)
[ ١ / ٣٣٩ ]
* تأمل:
كيف يشنع الغزالي على أهل السنة فيصفهم بالحشوية والمشبهة لإثباتهم رؤية الله - تعالى- في الآخرة.
وعلى منواله قد نسج الزمخشري الذى تفوَّه بسب أهل السنة بفاحش اللفظ، حيث قال:
" ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة -يقصد إثبات رؤية الله- مذهبًا، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
لجماعةٌ سمُّوا هواهم سنّة جماعة حُمُرٌ لَعَمْري موْكَفة
قد شبّهوه بخلقه فتخوّفوا شَنَع الورى فتستّروا بالبلكفه. (^١)
* وفى تفسيرهم لحديث " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، .. " قالوا بما بوافق مذهبهم القائل بنفي الجهة مع إثبات الرؤية، كما قال بذلك البيهقي، وشيخه ابن فورك، وغيرهما، حيث فسَّروا " تضامّون ": بالتشديد بأن معناه:
لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة، وهو دون تشديد الميم من الضيم، ومعناه:
لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلها، وهو يتعالى
عن جهة!! (^٢)
* الرد على قول الأشاعرة:
١) أولًا:
قول الأشاعرة في الرؤية هو قول محدث مخالف للكتاب والسنة
_________________
(١) الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل (٢/ ١٥٦) وقوله: موكفة: أى موضوع عليها الاكاف وهى البردعة؛ مبالغة في التشبيه. قد شبهوه: أى الله -﷿- بخلقه حيث قالوا: إنه يرى بالعين، فخافوا تشنيع الناس عليهم فتستروا " بالبلكفه " أى أنهم قالوا: إنه يُرى بلا كيف.
(٢) الاعتقاد للبيهقي (ص/٥١)
[ ١ / ٣٤٠ ]
وإجماع الأمة، فمجموع أدلة الشرع أثبتت لله -تعالى- كلا الأمرين إثبات العلو والمباينة، وإثبات الرؤية، وقد قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
وأما السنة:
قوله ﷺ: «سترون ربكم كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ»،:
أنَّ الشرع ورد بثبوت الرؤية لله - تعالى - بالأبصار فحُمِلَ ذلك على الرؤية المعهودة، وهو ما كان عن مقابلة، لأنه لا يُتصورأن يكون هناك موجود مرئي في غير جهة، وذلك لا يقتضي تحديدًا ولا تجسيمًا لله تعالى، كما لا يقتضي العلم به تحديدًا له ولا تجسيمًا.
وأما الإجماع:
قال أبو العباس ابن تيمية:
وقد تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- عند علماء الحديث، وجمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل. (^١)
٢) ثانيًا:
لا شك أن التناقض البيِّن في قول الأشاعرة هو أكبر دليل على سقوط هذا القول فقد وقعوا في التناقض، وانفردوا بقول لم يقل به أنس قبلهم ولا جآن.
فالعقل فضلًا عن النقل يرفض مثل هذا الجمع بين النقيضين؛ فكيف يُعقل أن تثبت رؤية بغير مقابلة، ولهذا قيل فيهم:
"من أنكر الجهة وأثبت الرؤية فقد أضحك الناسَ على عقله".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
جمهور القائلين بالرؤية يقولون: يُرى عيانًا مواجهة، كما هو المعروف بالعقل، ولا ريب أن جمهورالعقلاء من مثبتي الرؤية ونفاتها يقولون: إن قول الأشاعرة معلوم الفساد بالضرورة؛ ولهذا يذكر الرازي أن جميع فرق الأمة تخالفهم في ذلك. (^٢)
_________________
(١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٤١)
(٢) المصدر السابق (٣/ ٣٤٣)
[ ١ / ٣٤١ ]
قال الإمام أبو العز الحنفي:
وهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يُرى لا في جهة، فليراجع عقله!!
فإما أن يكون مكابرًا لعقله أو في عقله شيء، ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة؟!! (^١)
قال ابن رشد:
وأما الأشاعرة فراموا الجمع بين الاعتقادين، انتفاء الجسمية وجواز الرؤية فعسر ذلك عليهم ولجأوا إلى حجج سوفسطائية مموهة كاذبة.
وقال أيضًا:
ولولا النشأ على هذه الأقاويل وتعظيم القائلين بها لما أمكن أن يكون فيها شيء من الإقناع، ولا وقع بها التصديق لأحد سليم الفطرة. (^٢)
يقول ابن القيم:
إذْ رُؤيَةٌ لَا فِي مُقَابَلَةٍ مِنَ الرَّ ائِى مُحَالٌ لَيْسَ فِي الإِمْكَانِ
وَمَنِ ادَّعَى شَيْئًا سِوَى ذَا كَانَ دَعـ وَاهُ مُكَابَرَةً عَلَى الأَذْهَانِ. (^٣)
* وتأمل:
" فلكل مقدمة باطلة نتائج عنها معبرة "، فها هو الرازى قد أورد أثني عشر سؤالًا هي حجة على الأشاعرة في إثبات الرؤية، واعترف بالعجز عن الجواب عنها. (^٤)
٣) ثالثًا:
أن شيوخ الأشاعرة المتقدمون يثبتون لله -عزوجل- العلو، ولم يُحفظ عنهم إثبات رؤية بلا جهة، فهل يقال إن شيوخ الأشاعرة مجسمة؟!! (^٥)
٤) رابعًا:
إن المتأمل لقول الأشاعرة في هذا الباب يصل إلى حقيقة الرؤية التى قالوا بها، والتى اعترف بها المنصفون منهم لا المكابرون: أن الرؤية ما هى إلا نوع
_________________
(١) شرح الطحاوية (ص/٢٢٠)
(٢) الكشف عن مناهج الأدلة (ص/٧٧ - ٨١) وانظر المنحة الربانية (ص/٧٢٥)
(٣) متن القصيدة النونية (ص/٨٣)
(٤) وانظر " الأربعون في أصول الدين" (١/ ٢٩٥)
(٥) وانظر " دراسة نقدية لمنظومة الجوهرة " (ص/٣٦٢)
[ ١ / ٣٤٢ ]
إدراك وكشف وزيادة استيضاح لذات الله عزوجل. (^١)
لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
صار الحذاق من متأخري الأشعرية على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي. (^٢)
* وفي ذلك يقول ابن القيم:
ولذاك قال محققٌ منكم لأهل الاعتزال مقالة بأمان
ما بيننا خلف وبينكم لذي التحقيق في معنى فيا إخواني
شدوا بأجمعنا لنحمل حملة نذر المجسم في أذل هوان
إذ قال إن إلهنا حقا يُرى يوم المعاد كما يُرى القمران. (^٣)
* فلعلك لاحظت أن إثبات الأشاعرة للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم.
لذلك كان المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم
_________________
(١) قال الآمدي: وبما حققناه يندفع ما يهول به الخصوم -يقصد أهل السنة-ويعتمدون عليه ويستندون في الإلزام اليه وهو قولهم إن الرؤية تستدعى المقابلة، والمقابة تستدعى الجهة والجهة توجب كونه جوهرا أو عرضًا، فإنهم لم يبنوا ذلك إلا على فاسد أصولهم في أن الأدراك بالبصر لا يكون إلا بانبعاث الأشعة من العين، وذلك كله قد ابطلناه وبيَّنا أنه ليس الإدراك إلا نوع من العلوم يخلقه الله -تعالى - في البصرا. هـ وقد أكد الرازي في "نهاية العقول" على أن حقيقة الرؤية هي مزيد كشف، وضرب من التخيل. وانظر غاية المرام درء تعارض العقل والنقل في علم الكلام (ص/١٦٨) والاقتصاد في الاعتقاد (ص/٦٦) ومقالات في تناقضات الأشاعرة (ص/١٣٨)
(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٠) وقد اعترف الرازي بأن الخلاف في مسألة الرؤية مع المعتزلة خلاف قريب من الخلاف اللفظي، وهكذا كان سمت المتأخرين من الأشاعرة تراهم يسعون سعيًا حثيثًا لإذابة الخلاف بينهم وبين المعتزلة، وتراهم يسارعون فيهم، أذلة على المعتزلة أشدة على أهل السنة، لا يتورعون عن وصف أئمة أهل السنة بالمجسمة والحشوية والصفاتية والحمير والخصوم والحنابلة والوهابية،. قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يصفهم: وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم، وقدَّموهم على أهل السنة والإثبات وخالفوا أوليهم. الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٧٢)
(٣) القصيدة النونية (ص/٨٤)
[ ١ / ٣٤٣ ]
حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة. (^١)
وصدق من قال:
" الأشاعرة لُحاء سنة، ومخ اعتزال "
ومن المسائل المتعلقة بهذا البحث؛ مسألة مهمة: