* وعن عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قال:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ لَا أدعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ ". (^١)
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا، وحرَّم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدًا للذريعة. (^٢)
- قال الصنعاني:
اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لدن الصحابة﵃- إلى هذا الوقت: أنَّ رفعَ القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النهيُ عنها، واشتدَّ وعيدُ رسول الله لفاعلها. (^٣)
المسألة الثالثة: قَوله - ﷺ - في حديث الباب:
" أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ "
قد نهي النبي -صلي الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد، فما هي صور اتخاذ القبور مساجد؟
الجواب:
إنما يُتخذ القبر مسجدًا بواحدة من هذه الصور:
الصورة الأولى:
١ - أن يأتي المرء إلى الصلاة فيكون القبر بينه وبين القبلة؛ وهذا مما قد ورد النهى عنه؛ فعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
«لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (^٤)
والنهى عن الصلاة إلى القبورإنما ورد تحذيرًا للأمة عن التذّرع إلى عبادة الموتى من تعظيم القبور، والظاهر أن النهي يشمل الصلاة في محل فيه قبر، سواء تأخر عن المصلي أو تقدم كالصلاة في القباب والمشاهد والنهي للتحريم. (^٥)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٩٣)
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤١)
(٣) تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد (ص/١٠٢)
(٤) أخرجه مسلم (٩٧٢)
(٥) التنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٥٤٨)
[ ١ / ٣٠٠ ]
* ومن ذلك ما ذكرته عائشة -﵂- تعقيبًا على قوله - ﷺ - " لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ "، قَالَتْرضي الله عنها-:
يُحَذِّرُهُمْ مِمَّا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ".
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ومن ذلك الصلاة عندها (القبور)، وإن لم يبن هناك مسجد، فإن ذلك أيضًا اتخاذها مسجدًا، كما قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدًا».
ولم تقصد عائشة - ﵂ - مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة -﵃ - لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره،
وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضع يصلي فيه فإنه يسمى
مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي ﷺ:
«جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا» (^١)
- قال القرطبي:
قوله ﷺ "لا تصلوا إلى القبور"؛ أى لا تتخذوها قبلة، وكلّ ذلك لقطع الذريعة أن يعتقد الجهَّال في الصلاة إليها أو عليها الصلاة لها، فيؤدِّي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. (^٢)
الصورة الثانية:
أن يأتي شخص إلى قبر فيسجد عليه، عن أبي سعيد الخدري ﵁:
«أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلي عليها. (^٣)
* قال ابن حجر الهيتمي:
«واتخاذ القبر مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه» (^٤).
** الصورة الثالثة:
أن يُعْمد إلى قبر لمعظِّم فيُبنى عليه مسجد، كما ورد في قوله - ﷺ - عن النصارى:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٨٩)
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٢/ ٦٢٨) وانظر أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية (ص/٣٣٧)
(٣) رواه أبو يعلى (٦٦/ ٢) وصححه الألبانى.
(٤) الزواجر (١/ ١٢١) وانظر تحذيرالساجد للعلامة الألبانى (ص/٢٩)
[ ١ / ٣٠١ ]
مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". (^١)
وقد ترجم البخاري -﵀- لحديث (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا) بقوله: (باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور)؛ فجعل من معنى الاتخاذ البناء على القبور المساجد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
اتخاذ القبور مساجد يتناول شيئين: أن يبني عليها مسجدًا، أو يصلي عندها من غير بناء، وهو الذي خافه النبيﷺ - وخافته الصحابة إذا دفنوه بارزا: خافوا أن يُصلي عنده فيتخذ قبره مسجدًا. (^٢)
المسألة الرابعة: حكم المساجد التي بنيت علي القبور:
والمعنى:
هذه المساجد التى بها قبور ويؤمها الناس للصلاة فيها، هل ينبش هذا القبر وينقل إلى المقابر العامة، أم يُهدم المسجد نفسه؟؟
*نقول أولًا:
قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) فالأصل في المسجد أن يُبنى لله - تعالى- وحده لا شريك له. وقال عزوجل (وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا..) فما أُسست المساجد ولا شرعت في الإسلام إلا لإقامة ذكر الله.
وقال ﵎ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ)
عن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺقَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ:
«إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْقَذَرِ وَالْبَوْلِ وَالْخَلَاءِ؛ إِنَّمَا هِيَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ». (^٣)
تأمل:
إذا كانت المساجد لا تصلح للقذر والنجس الحسي، وهذه أشياء يطهرها
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٠٦)
(٣) رواه مسلم (٢٨٥)
[ ١ / ٣٠٢ ]