ومعنى الاستثناء في الإيمان أن يقول " أنا مؤمن إن شاء الله "".
الأقوال في هذه المسألة:
١) القول الأول:
حرمة الاستثناء فى الإيمان:
قال به الجهمية والمرجئة الكرامية؛ لأن الإيمان عندهم واحد يعلمه المرء من نفسه، فإن استثنى كان ذلك دليلًا على شكه، فالأصل فى الإيمان الجزم؛ لقوله تعالى
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥) وممن قال بهذا القول الحنفية " مرجئة الفقهاء "، وهو لازم قول الخوارج والمعتزلة بهذا الاعتبار.
فأصحاب هذا القول يعدُّون الاستثناء فى الإيمان شكًا، ويطلقون على من استثنى فى إيمانه اسم "الشكَّاكة" (^١).
- القول الثانى:
وهو وجوب الاستثناء في الإيمان، وقال به بعض أهل السنة والكلَّابية:
وذلك باعتبار الحال والمآل:
١ - فأما المآل:
فلأنَّ المرء لا يعلم خاتمته، وعلى أي شيء يموت، وعليه فمن لم يستثن في الإيمان فقد جزم لنفسه بالجنة.
٢ - وأما الحال:
فلأن الإيمان إنما هو فعل المأمورات وترك المحظورات، وهذا لا يجزم به أحد؛ للنقص الذى يعتري المرء.
٣ - كما أن الجزم بالإيمان فيه تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم/٣٢)
*والراجح في ذلك هو التفصيل:
(١) حالات يحرم فيها الاستثناء، وذلك إن كان الاستثناء عن شك:
فهو محرم، بل
_________________
(١) وذهب بعضهم الى تكفير المستثنى بحجة أنه شاك فى إيمانه، ولهذا منع بعض الحنفية من تزويج القائل بالاستثناء في الإيمان من المرأة الحنفية، ثم جوزوا نكاح الحنفى من الشافعية - التي تقول بالاستثناء - قياسًا على نكاح أهل الكتاب، ولكن المحققين منهم على خلاف ذلك كله.
[ ١ / ٢٨٧ ]
هو كفر؛ لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/١٥)
وذلك لأن اليقين شرط من شروط صحة " لا إله إلا الله ". (^١)
(٢) حالات يشرع فىها الاستثناء:
أ- الاستثناء لمن يخشى تزكية النفس، أو باعتبارالموافاة فهو حق.
كما أدَّب الله -تعالى- أنبيائه على ذلك، كما فى قول إبراهيم ﵇ (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) (الأنعام: ٨٠)
قال ابن بطة:
الاستثناء يصح من وجهين:
أحدهما:
نفي التزكية لئلا يشهد الإنسان على نفسه بحقائق الإيمان وكوامله، فإن من قطع على نفسه بهذه الأوصاف شهد لها بالجنة والرضوان، ومن شهد لنفسه بهذه الشهادة كان خليقًا بضدها.
الوجه الآخر:
يقع على مستقبل الأعمال ومستأنف الأفعال وعلى الخاتمة، وبقية الأعمار، ويريد إني مؤمن إن ختم الله لي بأعمال المؤمنين، وإن كنت عند الله -تعالى- مثبتًا في ديوان أهل الإيمان، وإن كان ما أنا عليه من أفعال المؤمنين أمرا يدوم لي ويبقى علي حتى ألقى الله -تعالى- به، ولا أدري هل أصبح وأمسي على الإيمان أم لا؟ (^٢)
* قَالَ اسحاق بن منصور:
وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:
«وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»، الِاسْتِثْنَاءُ هَاهُنَا عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَقَعُ؟
قَالَ: «عَلَى الْبِقَاعِ، لَا يَدْرِي أَيُدْفَنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِمْ أَوْ غَيْرِهِ» (^٣)
ب- أن يتوجه الاستثناء إلى الإيمان المطلق:
لأن عدم الاستثناء يتضمن أن العبد فعل جميع ما أمر به، وفى ذلك تزكية للنفس، ومن هذا الباب قوله ﷺ: وَاللَّهِ إِنِّى
_________________
(١) الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح (ص/١٨١)
(٢) وانظر الإبانة الكبرى (٢/ ٨٦٥) ونص على مثله البغوى في شرح السنة (١/ ٤١) والغزالي فى قواعد العقائد (ص/٢٧٠)
(٣) انظر السنة للخلال (١٠٦٥)
[ ١ / ٢٨٨ ]
لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله وهو يعتقد أن الإيمان فعل جميع الواجبات ويخاف أن لا يكون قائما بها فقد أحسن ولهذا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم (^٢).
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: سفيان يقول: من كره أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو عندنا مرجئ. (^٣).
وَقَال - ﵀-:
خالفنا المرجئة في ثلاث، نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: قول بلا عمل. ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص. ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله. (^٤)
قال الإمام أ حمد:
الإيمان قول، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل، فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: " أنا مؤمن إن شاء الله". (^٥)
وقد ورد عن جماعة من السلف الإستثناء فى الإيمان، كابن مسعود وغيره. (^٦)
٣ - أن يتوجه الاستثناء إلى مطلق الإيمان، الذى هو أصله:
فهنا يجب ترك الاستثناء؛ فالمرء عليه أن يجزم بالإيمان قاصدًا التصديق بما يعتقده، كما حكى الله عن المؤمنين (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران/٥٣) (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
_________________
(١) رواه مسلم (١١١٠)
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٨١)
(٣) تاريخ الإسلام (٤/ ٣٨٢)
(٤) شرح السنة للبغوي (١/ ٤٠) فالمرجيء لا يستثني في الإيمان لأمرين: الأول: أنه حصر الإيمان في التصديق، وهذا عنده لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وعليه فإن الاستثناء فيه لا يكون إلا شكًا. والثاني: لأنهم أخرجوا الأعمال من الإيمان.
(٥) وانظر السنة للخلال (١٠٦٥) ومسائل ابن هانئ (ص/٤١٤)
(٦) انظر حقيقة الإيمان وبدع الإرجاء (ص /٤٣)
[ ١ / ٢٨٩ ]
الرَّاحِمِينَ) (المؤمنون/١٠٩)
ومثل هذا هو ما أمرنا به، كما في قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة /١٣٦)
* عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي مُؤْمِنٌ، فقَالَ عبد الله: " قُلْ: إِنِّي فِي الْجَنَّةِ!
وَلَكِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ". (^١)
قال أبو يعلى:
لا يكون الاستثناء شكًا إنما هي سنة ماضية عند العلماء، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول:
أنا مؤمن إن شاء الله، ويقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. (^٢)
تم بحمد الله.
_________________
(١) الإيمان لابن أبي شيبة (ص/٢٦٥) وسنده صحيح.
(٢) الاعتقاد (ص/٢٤)
[ ١ / ٢٩٠ ]