فإنها تَرفع عنه وَصْفَ الشرك (تَرْفعُه عن الشخص، لا عن الفعل نفسِه).
*ومن هذه الأعذار:
*الجهل، والتأويل، والخطَأ، والنِّسْيان * فمن وقعَ في شرك وكان جاهلًا أو مخطئًا أو ناسيًا أو متأوِّلًا- فهذه الأعذار تُسقط عنه حُكم الشرك، وهذا من حيث العَيْنُ لا النَّوْعُ، وهذا معنى مسألة العذر بالجهل.
* من أدلة العذر بالخطأ:
(١) قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥]
(٢) قد ورد في حديث الرجُل الذي كان في فَلاةٍ، وكان على دابّةٍ عليها طعام وشراب، وفقدَ دابته بما عليها، فجلس ينتظر الموت، وإذ به يرى ناقته التي عليها الطعام والشراب أمام عينيه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. (^١)
فهذا الرجل قد أخطأ من شدّة الفرح، حتى أنه قد نطق كفرًا، ولكنه لم يكفر بذلك؛ لِكَونه لم يُرِدْهُ، ولم يَقُلْه قاصدًا حقيقة مَعْناهُ، بل في حالة كان فيها كالغافل والذّاهل والنّاسي الذي لا يؤاخَذ بما يصدُر مِنْهُ. (^٢)
*وكذلك من هذه الأعذار: التأويل:
والتأويل مِن معانيه: تفسير النصوص الشرعية على غير مَدلولها الشرعي الصحيح.
* ويدل عليه:
قوله تعالى) وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) (النحل: ١٠٦)
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) فتْح الباري (١١/ ١٠٨)، وإعلام الموقِّعين (٣/ ٦٣).
[ ١ / ٦١ ]
قال ابن الوزير:
فقوله في هذه الآية الكريمة ﴿ولكنْ من شرح بالكفر صدرًا﴾ يؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا أو ظنًا أو تجويزًا أو احتمالًا.
وقد يشهد لهم بذلك كلام أمير المؤمنين ﵇ وهو الصادق المصدوق في المشهور عنه حيث سئل عن كفر الخوارج، فقال: " من الكفر فروا "، فكذلك جميع أهل التأويل من أهل الملة وإن وقعوا في أفحش البدع والجهل فقد علم منهم أن حالهم في ذلك هي حال الخوارج. (^١)
* يؤيده: قوله ﷺ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ».
قال أبو سُليمانَ الخَطّابيُّ:
"فيه دلالة على أن هذه الفِرَق كلَّها غيرُ خارجة من الدين؛ إذ النبي -ﷺ- جعلَهم كلَّهم من أمّته. وفيه: أن المتأوِّل لا يخرج من الملة، وإنْ أخطأ في تأوُّله" اهـ - (^٢)
وقد كان الإمام أحمد مع قوله بكفر من قال بخلق القرآن، كان لا يكفِّر الأعيان لكونه يراهم متأولين.
قال أبو العباس ابن تيمية:
ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفِّروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة.
وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل.
_________________
(١) إيثار الحق على الخلق (ص/٤٣٧)
(٢) معالم السنن (٣/ ٥١٠).
[ ١ / ٦٢ ]
فيقال: من كفَّره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار. (^١)
وقال ﵀:
فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- ترحَّم عليهم واستغفر لهم؛ لعلمه بأنهم لمن يتبين لهم أنهم مكذِّبون للرسول ﷺ، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلَّدوا من قال لهم ذلك. (^٢)
ويقرر ابن حزم العذر بمثل هذا التأويل قائلًا:
" ومن بلغه الأمر عن رسول اللهﷺ - من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأوَّل في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة فى ذلك فعاند فلا تأويل بعد قيام الحجة. (^٣)
*وهنا فائدة: في ضوابط التأويل التى يُعذر بها المرء:
١ - الضابط الأول:
يُشترط كونُه من التأويل السائغ، وهو ما لا يعود على الدين بالإبطال، ويكون مقبولًا في لغة العرب، ويكون قاله قاصدًا أن يصيب الحقَّ، وقالَه وفْق قواعد العلم؛ ومِثل هؤلاء لهم أعذارٌ في وُقوعهم في التأويل.
فلا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم بالضرورة للجميع، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار. (^٤)
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩)
(٢) المصدر السابق (٢٣/ ٣٤٩)
(٣) الدرة فيما يجب اعتقاده (ص/٤١٤)
(٤) إيثار الحق على الخلق (ص/٤١٥)
[ ١ / ٦٣ ]
قال الشيخ ابن العثيمين وهو يبين التأويل السائغ من غيره:
إنكار شيء من أسماء الله -تعالى- أو صفاته نوعان:
النوع الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة.
النوع الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها وهذا نوعان:
الأول: أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.
الثاني:
أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية فهذا موجب للكفر، لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار تكذيبًا، مثل أن يقول: ليس لله -تعالى- يد حقيقة، ولا بمعنى النعمة، أو القوة، فهذا كافر؛ لأنه نفاها نفيًا مطلقًا فهو مكذب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب.
لكن إن قال: المراد باليد النعمة أو القوة فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة. (^١)
٢ - الضابط الثانى:
يشترط في ذلك التأويل أن لا يكون في أصل الدين الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، وقبول شريعته؛ لأن هذا الأصل الذي هو الشهادتان لا يمكن تحقيقه مع حصول الشبهة فيه، ولهذا أجمع العلماء، على كفر الباطنية - مثلًا وأنهم لا يعذرون بالتأويل؛ لأن حقيقة مذهبهم الكفر بالله تعالى، وتمام عبادة الله وحده، وإسقاط شرائع الاسلام. (^٢)
*وهنا الإشكال:
قد يقول قائل: إن المناط في قيام الحجة على المعين مطلقًا هو
_________________
(١) فتاوى أركان الإسلام (ص/٩٢)
(٢) وانظر رسالة ضوابط التكفير (ص/٣٦٩) ونواقض الإيمان (ص/٧٨)
[ ١ / ٦٤ ]
مجرد بلوغها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عنده شبهة أو لا يكون. ومقتضى ذلك ألَّا يعذر أحد بالشبهة بعد بلوغ الحجة الرسالية.
ويستند من يقول هذا القول إلى أن الله -تعالى-قد حكم بالكفر على من وصفهم بأنهم لا يفقهون، وأنهم لا يعلمون، وأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحو ذلك.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الإسراء: ٤٦)، وقول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢ - ٢٣).
وقوله تعالي: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون﴾
(الأعراف: ١٧٩)
والجواب أن هذا لا يعارض إعذار المتأول، ويتبين ذلك بوجهين:
الأول:
أن هناك فرقًا بين فهم الدلالة وفهم الهداية. فليس كل من بلغته الحجة وفهمها يهتدي بها.
لكنَّ الله -تعالى- قد جعل فهم الدلالة شرطًا في تكليف عموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ولم يجعل فهم الهداية والتوفيق إلا لمن أراد لهم ذلك، وهو محض فضل من الله تعالي، أو بفضل منه جزاء لمن سعي في طلب الهدي.
فالفهم المشروط في قيام حجة الله -تعالى- على العباد غير الفهم الذي هو مقتضى هداية الله - تعالى -وتوفيقه، والشبهة التي تتعلق بفهم الحجة غير الشبهة التي هي لعدم الهداية ولو بلغت الحجة، وهذا فرق ظاهر.
يبين ذلك أن الآيات التي قد يستدل بها من لا يفرق بين هذين الأمرين كلها فيما
[ ١ / ٦٥ ]