وقال تعالى (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (يس: ١٨)
*وأما في السنة:
١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -
: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ ". (^١)
٢) عن أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ -ﷺقَالَ: " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. (^٢) والنفى المذكور للطيرة في الحديث ليس نفيًا لوجودها، فهى موجودة في اعتقاد الكثير، وإنما النفي هنا هو إبطال لهذا الاعتقاد الباطل؛ فإن الطيرة لا تأثير لها، لا بذاتها ولا بسببها.
٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُنَّا نَتَطَيَّرُ فى الجاهلية. قَالَ: "ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ " (^٣)
فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه هو الذي يطيره ويصدّه، لا ما رآه وسمعه، فالله-سبحانه- لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه، لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيتة تعالى. (^٤)
** فرع في: حكم التطير:
هناك أحاديث صرحت بأن الطيرة شرك، فهل هي شرك أكبر أم أصغر؟
نقول: الأصل أن الطيرة شرك أصغر، ودليل هذه المسألة ما يلي:
- الأحاديث التي صرحت بأن الطيرة شرك؛ جاء فيها لفظ (شرك) نكرة، والقاعدة التي قعَّدها العلماء في هذا الباب: " كل كفر أو شرك جاء نكرة فهو شرك أصغر "
_________________
(١) أخرجه أحمد (٧٠٤٥)، وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤)
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم (١٢١) وأبوداود (٣٩٠٩)
(٤) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٣٤)
[ ١ / ٣٧٣ ]
ودليل هذه القاعدة هو التتبع والاستقراء للأدلة الشرعية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الشرك " شركان ": شرك في التوحيد ينقل عن الملة، وشرك في العمل لا ينقل عن الملة وهو الرياء، وقال النبي ﷺ ﴿الطيرة شرك﴾. (^١)
-يؤيده: أن النبي -ﷺ - قدجعل للطيرة كفَّارة، والشرك الأكبر ليس له كفَّارة، لأن الشرك الأكبر تجب فية التوبة والنطق بكلمة التوحيد، ودليل الكفَّارة في الطيرة؛ ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو -﵄قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -:
"مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟،
قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ". (^٢)
-يؤيده:
أن الذى يتطير بشيء ما فإنه -في الأغلب- لا يعتقد فيه ضرًا ولا نفعًا، وإنما يعتقد أنه سبب في ذلك، وهذا الاعتقاد شرك أصغر، لأن كل من اتخذ سببًا لم يشرِّعه الله -تعالى- سببًا فقد وقع في الشرك الأصغر.
لكن قد يصل التطير إلى الشرك الأكبر، وذلك إن اعتقد المرء أن الشيء الذي يتطير به بذاته يجلب له ضرًا أويمنع عنه نفعًا، ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال، فقد أشرك شركًا جليًا.
قال العظيم آبادي:
وإنما كانت الطيرة شركًا لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، فمن اعتقد أن شيئًا سوى الله -تعالى- ينفع أو يضر بالاستقلال فقد أشرك شركًا جليًا. (^٣)
* ومن صور التشاؤم المعاصرة:
١ - من يتشاءم برقم معين أو شخص معين أو ساعة معينة، كالجهال الذين
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٣٢٩)
(٢) أخرجه أحمد (٧٠٤٥) وصححه الألبانى في صحيح الجامع (٦٢٦٤) قوله ﷺ: (لا طير إلا طيرك): أى أن كل ما يحدث للإنسان من الحوادث المكروهة؛ فإنها واقعة بقدر الله وجل، كما قال تعالى (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ) (الأعراف/ ١٣١)
(٣) عون المعبود (١٠/ ٢٨٨)
[ ١ / ٣٧٤ ]
يقولون أن في الجمعة ساعة نحس، وكذبوا بل في يوم الجمعة ساعة إجابة. (^١)
٢ - حال كثير من النساء اللاتي يتشائمن بحدوث اضطراب في العين، وهو ما يسمى (عيني بترف). (^٢)
٣ - فتح المصحف على صفحة دون سابق تحديد، والنظر في أول سطر يخرج منها، فإن كانت آية رحمة وبشرى أقدم على ما يريد، وإن كانت آية عذاب ونحوه أحجم ورجع، ولا شك أن هذا من البدع المحدثة، وهو من نوع الاستسقام بالأزلام. (^٣)
_________________
(١) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه» (متفق عليه) وعن جابر بن عبدالله - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، فيها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر»؛ أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه جمع من العلماء، منهم: المنذري، وابن حجر، ومن المعاصرين: الألباني والذى عليه جمهور العلماء انها الساعة الأخيرة قبل الغروب.
(٢) وما هذا إلا فعل الشيطان الذي ينخس عين ابن آدم ليتشاءم، كما جاء في حديث امرأة ابن مسعود -﵂- قالت: كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله - ﷺ- يقول: "أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " أخرجه أبوداود (٣٨٨٣)، وأصله في الصحيحين.
(٣) وحكي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥] فمزق المصحف، وأنشأ يقول: أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، فنعوذ بالله من البغي ومصارعه، والشيطان ومكائده، وهو حسبنا وعليه توكلنا. وانظر "أدب الدنيا والدين" (ص/٣١٧) و"مسائل العقيدة قررها أئمة المالكية " (ص/١٠٨)
[ ١ / ٣٧٥ ]