٣» القول الثالث:
قالوا: إن الهاء تعود إلى الله ﷿.
ويقولون: الصورة هي وصف لآدم -﵇-، وإنما أضاف الله -﷿- صورة آدم -﵇- إلى نفسه إضافةَ تشريفٍ، أو مِلْكِيّةٍ.
وممن قال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن حزم. (^١)
٤» القول الرابع:
وهو الراجح الصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة، والذي نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جمهور السلف.
هو أن الهاء تعود إلى الله -﷿-، وأن ذلك يقتضي القولَ بظاهر الحديث مع إثبات صفة الصورة لله -﷿- على ما يَليق به -سبحانه-.
فالقول إن الله خلق آدم -﵇- على صورة الله -﷿- لا يَلزَمُ مِنه المماثلة؛ بدليل قوله -ﷺ-: «إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» (^٢)،
فمراده -ﷺ-: أن أول زمرة هم على صورة البَشَر، ولكنهم في الوضاءة والحُسْن والجمال واستدارة الوجه وما أشبهَ ذلك: على صورة القمر، فصُورتهم: فيها شَبَهٌ
_________________
(١) قال ابن خزيمة: " فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم -﵇- خُلق عليها، لا على ما توهَّمَ بعضُ من لم يتحرَّ العلمَ، فظنَّ أنّ قوله «على صُورتِه» صورة الرحمن صفةً من صفات ذاته؛ جلَّ وعلا! قد نزَّهَ الله نَفْسَهُ وقَدَّسَ عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] "، وإنما إضافة الصورة إلى الرحمن هو إضافة الخلق إليه؛ لأن الخلق يضاف إلى الرحمن؛ إذِ اللهُ -تعالى-خلقَه، وكذلك الصورة تُضاف إلى الرحمن؛ لأنّ الله صوَّرها. وانظر كتاب [التوحيد] لابن خزيمة (ص/٩٣). وممن قال بقول ابن خزيمة: البيهقي في كتابه [الأسماء والصفات]. * وقال ابن حزم: "وكذلك القول في الحديث الثابت «خلق الله آدم على صورته» فهذه إضافة مِلكٍ، يريد: الصورة التي تخيَّرها الله -﷾- ليكون آدم مصوَّرًا عليها، وكلُّ فاضلٍ في طبقته فإنه يُنسبُ إلى الله -﷿- كما يقول: "بيت الله تعالى" عن الكعبة، والبيوت كلها بيوت الله تعالى " ا. هـ. وانظر [الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل] (٢/ ١٢٨)، و[إيضاح الدليل في قطْع حُجَج أهل التعطيل] (ص/١٥٥)، و[التوضيح لشرح الجامع الصحيح] (٢٩/ ١٢). *وهنا تنبيه مهم: فارقٌ بينَ من يحمل إضافة الصورة في قوله «على صورته» إلى الله -تعالى-، مَن يحملها على سبيل التشريف - وهو أحد الأوجه التي قال بها الشيخ العثيمين- مع إثبات صفة الصورة لله -تعالى- من النصوص الأخرى، وبين من يحملها على ذلك نفيًا لصفة الصورة عن الله -﷿-!
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ١٥٣ ]
بالقمر، لكن دُونَ مماثَلةٍ.
فتبيَّنَ أنه: لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثِلًا له من كل وجهٍ، ولا يلزم أن يكون على مَثيل صورة القمر.
** وقال شيخ الإسلام في ردِّه على الرازيّ في تأويله للحديث:
"لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاعٌ في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مُستفيضٌ من طُرُقٍ متعدِّدة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك، وهو أيضًا مذكور فيما عندَ أهل الكِتابَيْنِ، حتى ظهرَ الجهميةُ، فزعموا نسبة الهاء لآدم -﵇- تنزيهًا لله عن صفة الصورة". (^١)
* لما سئل الإمام أحمد عن حديث الصورة، وهل الهاء تعود إلى غير الله ﷿؟
قال: "مَن قال ذلك فهو جهميّ، وأيُّ صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلقه الله؟! ". (^٢)
**قال ابن قُتيبة: "والذي عندي -والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجبَ من اليدينِ والأصابعِ والعينِ، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها، ووقعت الوَحْشةُ من هذه لأنها لم تأتِ في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفيّةٍ ولا حَدٍّ". (^٣)
تنبيه:
قد ذهب الجهمية والمعتزِلة إلى نفي الصورة عن الله -﷿- بدعوى نفْي المماثَلة والمشابَهة بين الله -تعالى- وخلْقه
قال القاضي عبد الجبار -وهو يعرِّض بأهل السنة-:
"ثم حَدَثَ قومٌ من المشبِّهة
_________________
(١) [بيان تلبيس الجهمية] (٢/ ٣٥٦). وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية على من زعمَ أن الهاء تعود إلى آدم -﵇- من ثلاثة عشر وجهًا. وانظر [تلبيس الجهمية] (٢/ ٣٤٦)
(٢) [طبقات الحنابلة] (١/ ٣٠٩). وفي رواية: قال إبراهيم بن أبان الموصلي: سمعت أبا عبد الله، وجاءه رجل فقال: إني سمعت أبا ثور يقول: إنّ اللَّه خلق آدم على صورة نفسه، فأَطْرَقَ طويلًا، ثم ضربَ بيده على وجهه، ثم قال: "هذا كلام سوء، هذا كلامُ جَهْمٍ، هذا جهميٌّ، لا تَقْرَبُوه! ". [طبقات الحنابلة] (١/ ٩١)
(٣) [تأويل مختلف الحديث] (ص/٣٢٢).
[ ١ / ١٥٤ ]
زعموا أن الله -تعالى- على صورة الإنسان، ورَوَوْا فيه خبرًا، وهو «إنّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته»، ولو كان الله -تعالى- على صورةِ آدمَ لَما صَحَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ". (^١)
*ونَفْيُهم هذا بيِّنُ البُطْلانِ مِن وُجوهٍ:
١ - الأول:
من ينظر في كتب الأئمة التي ألّفوها لبيان صفات الله -﷿- يجدُ أن أكثرَهم أوردَ فيها أحاديث الصورة:
فقد أوردها ابن أبي عاصم في [السّنّة]، والآجريّ في [الشريعة]، واللالَكائيّ في [شرح اعتقاد أهل السنة]، والدارَقُطني في [الصفات]، وعبد الله ابن الإمام أحمد في [السّنّة].
ولا معنى لإيرادهم هذه الأحاديث إلا إثباتهم لمدلولها، وهو:
(١) أن الله -تعالى- يوصف بأن له صورةً ليست كالصُّوَر.
(٢) وأن آدم -﵇- خُلق على صورة الرحمن -﷿-؛ إذ ليس في هذه الأحاديث مما يتعلق بصفات الله -﷿- إلا هذين المدلولينِ، وهم أئمة ناقدون بصيرون متبوعون، فلو كان لهم فيها رأيٌ أو قول يخالف مدلولها أو شكٌّ في صحتها لَبيَّنُوه. (^٢)
٢ - الثاني:
وأما قولهم: "ولو كان الله -تعالى- على صورة آدم﵇ - لعارض ذلك قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] "
فالرد عليه أن يقال:
إنكم لم تعرفوا من الإثبات إلا ما كان لازمه التشبيه والتمثيل، فنظرتم لأدلة الصفات نظرةً قاصرةً، وأما أهل السنة فهم أسعد الناس بالأخذ عن الله -تعالى- وعن رسوله -ﷺ-، فقد أعملوا أدلة الصفات، فأثبتوها لله تعالى، وأعملوا أدلة التنزيه، فجعلوا الصفات الإلهية ثابتة لله -تعالى- على ما يليق به، فلا سَمِيَّ له، ولا كُفُؤَ له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
_________________
(١) [فضل الاعتزال، وطبقات المعتزلة] (ص/١٠١ - ١٠٤).
(٢) الانتصار في الرد على المعتزلة (٢/ ٦٢٧).
[ ١ / ١٥٥ ]
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ثم إنكم ترمون غيركم بما هم في حِلٍّ منه؛ فإن أهل السنة إذْ يثبتون الصورة لله -﷿- ما كيّفُوها بكيفٍ، ولا شبَّهوها بغيرٍ؛ لأن مثل هذه الفروع التي هي التشبيه والتكييف إنما تُبنى على أصل لم يتحقق وجودُه، وهو رؤية الله تعالى.
*فرع:
هناك رواية صحيحة تَحْسِمُ هذا النزاع، رواية يرويها ابن أبي عاصمٍ في كتاب [السّنّة]، ورواها الحاكم، ورواها الآجري في [الشريعة]، هذه الرواية: «إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ». (^١)
_________________
(١) والحديث رواه عبد الله بن أحمد في [السُّنّة] (٤٩٨)، وابن أبي عاصم في [السنة] (ح/٥٢٩)، وابن خزيمة في [التوحيد] (١/ ٨٥)، والدارَقطني في [الصفات] (٤٥ - ٤٨)، وغيرهم من طريق جَرِير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عَطاءٍ، عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تُقَبِّحُوا الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»، وعُمْدة مَن ضعَّفَ هذا الحديث هو ابن خزيمة -﵀- في كتاب [التوحيد] (١/ ٨٧)، وقد أعلَّه بثلاث عِلَل: الأُولى: أنَّ الثَّوري قد خالف الأعْمش في إسناده، فأرسَلَه. الثانية: عَنْعَنةُ الأعمش، وهي مردودة؛ لأنَّه مدلِّس ما لم يصرِّح بالسَّماع من حبيب بن أبي ثابت. الثالثة: لا يُعلَم لحبيب بن أبي ثابت سَماعٌ من عطاء. *ذِكْرُ من صحَّحَ الحديث: أمَّا ما يُذكر من أنَّ ابن خُزَيمة ضعَّفَه، فقد صححه مَن هو أجَلُّ منه، صحَّحه إسحاقُ بنُ راهَوَيْهِ، وأحمدُ؛ ذلك لأن أحمد وإسحاق أعلمُ بالأسانيد والعِلل ممن أقدمَ على تضعيف الحديث بغير مستنَد صحيحٍ. وكذلك قد صححه الذهبي، وابن حجر، وشيخ الإسلام ابن تيمية. كما أن عبد الله بن أحمد بن حنبل وابن أبي عاصم والدارقطني والآجري قد رَوَوا الحديث، وأمرُّوه كما جاء، ولم يتعرضوا لتضعيفه، ولو كان في إسناده علة قادحة لَما سكتوا عن بيانها، وخصوصًا الدارقطني، فإنه من أئمة الجرح والتعديل وأهل العلم بعلل الأحاديث. *أما الجواب عن العلل التي ذكرها ابن خزيمة فيقال: ١) أما مخالفة الثوري للأعمش، فإنها لا تؤثر في رواية الأعمش؛ لأنّ كلًا منهما حافظ إمام وشيخ من شيوخ الإسلام. قال ابن عيينة: "كان الأعمش أقرأهم لكتاب الله وأحفظهم للحديث"، وقال يحيى القَطّان: "الأعمش علّامة الإسلام"، وقال شُعْبة: "ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمشُ". وقد كان أحمد يَعلم إرسال الثوري، ولم يَقدح في الحديث عنده. ٢) وأما عنعنة الأعمش في روايته عن حبيب بن أبي ثابت، فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الأعمش معدود من المرتبة الثانية من المدلِّسين الذين احتَمَلَ الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم في الصحيح؛ لإمامتهم وقلة تدليسهم في جَنْبِ ما رَوَوْا. ٣) وأما عنعنة حبيب بن أبي ثابت في روايته عن عطاء، فإنها لا تؤثر في صحة الإسناد؛ لأن الظاهر أنه لم يدلس في هذه الرواية. ويدل على ذلك: أنه كان يروي عن ابن عمر -﵄- مباشرة، فلو كان دلَّسَ في هذا الحديث لَكان جديرًا أن يرويَه عن ابن عمر -﵄- دُونَ واسطة بينهما ليَحصل له علوُّ الإسناد. = =* ومن جهة أخرى فإن للحديث شواهدُ تقوِّيه: أوَّلُها: عند ابن أبي عاصم (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨): حدَّثنا محمد بن ثعلبة بن سَواءٍ، حدَّثني عمِّي محمَّد بن سَواءٍ، عن سعيد بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هُرَيرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا قاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ - تعالى - خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ». إسناده صحيح. الشيء الذي يَمنع تفسير ضمير «على صورته» بـ "آدم" الَّذي جاء من حديث أحمدَ عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا قاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (٢/ ٥١٢) غيرَ أنَّ الشيخ الألبانيّ ضعَّفَ زيادة «على صورة وجْهه». وفي ذلك نظَر؛ لأنَّ الزِّيادة إذا كانت بيانًا وليس فيها نوعُ مُنافاةٍ؛ فلا شُذُوذَ فيها وتكون مقبولة، كما قرَّرَه ابنُ الصَّلاح في مقدِّمته حيث قال في النوع الثاني من أنواع الزيادات: "ألّا يكونَ فيه منافاةٌ ومخالَفةٌ أصْلًا لِما رَواهُ غَيْرُهُ ". ثانيها: ما رواه ابن أبي عاصم (٥٣٣) من طريق ابن أبي مَرْيمَ، حدَّثَنا ابن لَهيعةَ عن أبي يُونُسَ سُلَيْمِ بنِ جُبَيْرٍ عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قاتَلَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإنْسانِ: على صُورةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ». وابن لهيعة -وإن رُمِي بسُوء الحفْظ- حَديثه يُعتبر به، ويَصْلُح في الشَّواهد والمتابَعات وقد أخرج ابن أبي عاصم في [السنة] (١/ ٢٣٠)، والدَّارَقطني في [الصفات] (٤٩) من طريق ابن لَهيعة عن أبي يُونُسَ والأعرجِ، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: «إذا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فإنَّ صُورةَ الْإنْسانِ: على صُورةِ الرحمنِ -﷿-». وهذا إسنادٌ رجاله ثقات، إلّا ابن لهيعة، وهو يَصْلح في الشواهد والمتابعات. قال الحافظ في [النُّزْهة]: "ومَتَى تُوبِعَ السَّيِّئُ الحِفْظِ بِمُعتَبَرٍ، وكذا المستورُ والمُرْسِلُ والمدلِّسُ- صار حديثُهم حَسَنًا، لا لِذاته، بل بالمجموع". لذا صحَّح الحديثَ كلٌّ من الذَّهبيّ في [الميزان]، والهيثميّ في [مجمع الزوائد]، وابن حجر العسقلانيّ في [الفتح]، *ومن المعاصرينَ: حماد بن محمد الأنصاري في رسالته [تعريف أهل الإيمان بصحة حديث إن آدم خلق على صورة الرحمن]، وحمود التويجري في [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن]، والشيخ عبد الله الغنيمان في [شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري]. منقول من [إثبات صفة الصورة لله -جل وعلا-] لعبد الجليل مبرور. وانظر [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن] (ص/٢٤).
[ ١ / ١٥٦ ]
*تنبيه مهم:
ما يُروى عن الإمام مالك -﵀- من كراهته التحديثَ بأحاديث الصورة، فالجواب عليه مِن وُجوهٍ:
١ - أن الإسناد إليه في ذلك فيه مَقالٌ، فهو مرويّ عن مِقدامِ بنِ داودَ، وقد تكلم بعض الأئمة في هذا الراوي.
٢ - أن الإمام مالكًا لم يَبْلُغْه حديثُ الصورة.
قال الذهبيّ: "أنكر الإمام ذلك؛ لأنه لم يثبُت عندَه ولا اتّصلَ به، فهو معذورٌ". (^١)
٣ - أنّ الإمام مالك -على تقدير أنه ثَبَتَ عنه النهي عن التحديث بحديث الصورة- لعلَّه كان يخشى أن يكون في التحديث بذلك فتنةٌ لبعض الناس، فيشبّهوا اللهَ بخلقه، أو يتأولوا الحديثَ بما يوافق أقوال الجهمية.
وهذا الذي رجحه ابن عبد البَرّ، حيث قال: "وإنما كَرِهَ ذلك مالكٌ خشيةَ الخوض في التشبيه بكيفٍ هاهُنا". (^٢)
وقد قال ابن مسعود -﵁- أنه قال: "ما أنتَ بمُحَدِّثٍ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان لبعضهم فتنةً". (^٣)
قال ابن قُدامةَ:
"ومِن أجْل ذلك فقد صحَّ عن عمرَ بن الخطاب -﵁- أنْ عاقَبَ صبيغ العراقيّ لأجْل سؤاله عن المتشابه".
وقد قيل لعمر بن الخطاب -﵁-: يا أمير المؤمنين، إنّا لَقِينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهُمَّ أَمْكِنِّي منه. قال: فبَيْنَما عُمَرُ -﵁- ذاتَ يوم يغدي الناس إذْ جاءه عليه ثياب وعِمامة، فتغدى حتى إذا فَرَغَ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا *
_________________
(١) وانظر [سِيَر أعلام النبلاء] (٨/ ١٠٤)، و[دفع إيهام التشبيه] (ص/١٧٨).
(٢) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٥٠)
(٣) مقدمة صحيح مسلم (١/ ١١).
[ ١ / ١٥٨ ]
فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾
[الذاريات: ١ - ٢]، فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه، فحَسَرَ عن ذراعيه، فلم يَزَلْ يَجلِده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفسي بيده، لو وجدتك محلوقًا لَضربتُ رأسك، أَلْبِسوه ثيابَه، واحْمِلُوه على قتب، ثم أَخْرِجوه حتّى تَقْدُموا به بلادَه، ثُمَّ لْيَقُمْ خطيبٌ، ثمَّ لْيَقُلْ:
إنّ صبيغًا طلبَ العلمَ فأخطأَ، فلم يَزَلْ وضيعًا في قومه حتى هَلَكَ وكان سيّدَ قومِه. وهو ظاهر الدلالة على ما ذهب إليه مالك. (^١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"الشيء قد يُمنع سماعُه لبعض الجُهّال وإنْ كان متفَقًا عليه بين علماء المسلمين". (^٢)
** ولكنّ القول ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وأما إنْ قيل: إنّ مالكًا كرِه التحدُّثَ بذلك مُطلَقًا فَهَذَا مَرْدُودٌ على مَن قالَه؛ فقدْ حدَّثَ بهذه الأحاديثِ مَن هم أجلُّ مِن مالكٍ عند نفسه وعند المسلمين، كعبد الله بن عمرَ، وأبي هريرة، وابن عباس، وعطاء بن أبي رَباحٍ، وقد حدَّثَ بها نظراؤه، كسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، وابن عُيينة؛ والثوريُّ أعلمُ من مالكٍ بالحديث، وأحفظه له". (^٣)
*فرع: معنى الصورة:
الصورة في اللغة: الشكل، والهيئة، والحقيقة، والصفة، فكل موجود لا بد أن يكون له صورة.
قال ابن الأَثير: "الصُّورة تَرِد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى مَعْنَى: حقيقة
_________________
(١) [قاعدة مهمة فيما ظاهرُه التأويلُ من صفات الرب] (ص/٨٧). وأثرُ عمرَ -﵁- قد أخرجه الآجريّ في [الشريعة] (١/ ٢١٠)، وابن بَطّة في [الإبانة] (٣٣٠)، وسنده صحيح.
(٢) [بيان تلبيس الجهمية] (٦/ ٤٤٥). وقد ترجم البخاري لمثل هذا المعنى، فقال -﵀فى الصحيح: "باب مَن تركَ بعض الاختيار مَخافَةَ أنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بعضِ الناسِ عنهُ، فيقعوا في أشدَّ مِنْهُ"، وفي باب آخر قال: "باب مَن خَصَّ بالعِلم قومًا دُونَ قَوْمٍ كَراهِيَةَ ألّا يَفهموا"، وأوردَ بعدَه قولِ عليٍّ: "حدِّثوا الناسَ بما يَعرفون! أتُحبّونَ أن يكذَّب اللهُ ورسولُه؟! ". وانظر [الضعفاء الكبير] (٢/ ٢٥١)، و[عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن] (ص/١٠).
(٣) [دقائق التفسير] (٢/ ١٧٢).
[ ١ / ١٥٩ ]
الشيء وهيئته، وعلى معنى: صفته". (^١)
فأهل السنة قد أثبتوا صفة الصورة لله -﷿- على ظاهرها، وقالوا بمعناها على مقتضاها في لغة العرب، فالصورة في اللغة غير مجهولة، وكيفيتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وإنما لم يتعرَّضِ السَّلَفُ للكلام عن الكيف لأنّ الكَيْف مجهولٌ.
** أما ما نُقل عن بعض الأئمة من القول بتفويض معنى الصورة -كالنووي، والذهبي (^٢) - فهو خلاف ما ثبت عن جماهير السلف: فالصورة ليست حروفًا لا يُعلم معانيها كما يقال -مثلًا -في الحروف المقطَّعة "الم" أو "عسق"، بل الصورة في اللغة معلومة.
وأما المفوِّضة فقد جعلوا الصفات -ومنها صفةُ الصورة- من حيث المعنى: كالحروف المقطَّعة.
*وقد نصَّ الإمام الآجريّ على صحيح قول جماهير السلف في صفة الصورة، فقال:
"هذه من السُّنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تُستقبل بالتسليم والتصديق وترْك النظر، كما قال مَن تقدَّمَ من أئمة المسلمين". اهـ. (^٣)
_________________
(١) [النهاية] (٣/ ٥٩).
(٢) قد نصَّ النوويُّ أن: جمهور السلف على ترك التعرض لمعنى الصورة، حيث قال: "وأما قوله -ﷺ-: «فإنَّ اللهَ خلقَ آدمَ على صُورته» فهو من أحاديث الصفات وأنّ مِن العلماء مَن يُمسك عن تأويلها، ويقول: نؤمن بأنها حق، وأنّ ظاهرَها غيرُ مرادٍ، ولها معنًى يَليق بها. وهذا مذهب جمهور السلف، وهو أحوطُ وأسلمُ" ا. هـ. [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج] (١٦/ ١٦٥ - ١٦٦). وممن قالوا بذلك: الإمام الحافظ الذهبيّ، حيث قال: "أما معنى حديث الصورة فنرُدُّ عِلمه إلى الله ورسوله، ونَسكُتُ كما سكتَ السلفُ، مع الجَزْمِ بأنّ الله ليس كمثله شيءٌ". [ميزان الاعتدال] (٢/ ٤٢٠) وفي موضعٍ آخرَ في كتابه [سير أعلام النبلاء] (٥/ ٤٥٠) قال عَقِبَ حديثِ الصورة: "فنؤمن، ونفوِّض، ونُسَلِّم، ولا نخوض فيما لا يَعنينا، معَ عِلمِنا بأن الله ليس كمثله شيء". اهـ. * وكذلك قال المباركفوري: "ذهبَ السلفُ في أمثال هذا الحديث -إذا صحَّ-: أنْ يُؤمَنَ بظاهره، ولا يفسَّر بما يفسَّرُ به صفات الخلق، بل يُنفى عنه الكيفية، ويُوكَل عِلمُ باطنه إلى الله تعالى" [تحفة الأَحْوَذِيّ] (٩/ ٧٣). وكل هذا كلامٌ فيه نظرٌ.
(٣) وانظر [الشريعة] (رقم/٧٢٥).
[ ١ / ١٦٠ ]
وهنا سؤال: إذا كان هذا هو القول الراجح، فما تأويل الحديث؟
*والجواب:
أن الله -تعالى- خلق آدم -﵇- على صورته، أي: على صورة الله ﷿، ولكن ليست الصورة كالصورة، فلله -تعالى- صورة، وله وجه، وله يد، وله عين، والله -﷿- خلق آدم على صورته، ولكن ليست اليد كاليد، وليست العين كالعين، وليس الوجه كالوجه، والقاعدة هنا أنّ التساوي في الاسم لا يستلزم التساوي في المسمَّى.
*ومثاله:
أنني حينما أقول للإنسان يد، وللفيل يد، فهل استلزم من تساوي الاسم وقوع التساوي في المسمَّى؟!
، وحينما أقول: " أمسكت بيد أخي"، فهذا لا يشبه بوجه قولى "أمسكت بيد الإبريق"، فهذه مخلوقات تشابهت بينها الأسماء دون الدلالات، فكيف بالفارق بين الخالق والمخلوق؟!!
* وكذلك مُطلَق المشابَهة لا يستلزم المشابَهة المطلَقة، فوجود مشابَهة بين الله -تعالى- وعباده في
الأسماء لا يستلزم المشابَهة المطلَقة الكاملة فى ذات المسمَّى، فقوله -ﷺ-:
«خلقَ اللهُ آدمَ على صورته» يقتضي نوعًا من المشابهة، ولا يقتضي تماثلًا في حقيقة ولا قدْر، ومن المعلوم أنّ الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوُت العظيم بين جنس ذاتيهما وقدر ذاتيهما.
** قال ابن عباس ﵄:
" لا يُشبه شَيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء"، وفي رواية: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماءُ". (^١)
وهذا مصداقًا لقوله تعالى عن أهل الجنة (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) (البقرة: ٢٥)﴾، يعني في اللون والمرأى وليس يشبه في الطعم.
فإذا كانت المشابهة بين ما في الدنيا وما في الجنة لا تكون إلا في الأسماء فحسْب،
_________________
(١) رواه ابن جَرير في تفسيره (١/ ٦٦)، وصححه الألباني في [صحيح الترغيب] (٣٧٦٩).
[ ١ / ١٦١ ]
وهي مخلوقات مِن خلْق الله -﷿-؛ فما بالُكَ في الفارق بين الخالق والمخلوق؟!
فالذين يفرّون من حديث الصورة لم يعرفوا مِن إثبات الصفات إلا ما كان لازِمُه التشبيه، ففرُّوا من الإثبات، فوقعوا في التعطيل!
وفي قوله ﷺ: " أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ " (^١)، هل معنى ذلك أنهم يدخلون في صورة القمر، لا رؤوس لهم، ولا عيون، ولا مَلامِح؟!
- ٣ ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
إثبات الصورة لله -﷿-:
وهي صفة ذاتية خبرية لله -﷿-، وقد ثبتت بالسنة والإجماع، ومن أدلة ثبوتها:
١ - حديث الباب، وذلك على ما ذكرْنا ورجّحنا أنَّ الهاء تعود إلى الله -﷿-، وذلك في قوله -ﷺ-: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ على صُورَتِهِ»، وما ذكرناه من صحة رواية «على صُورةِ الرَّحْمَنِ».
٢ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
«أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي -﵎- فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى؟ » (^٢).
قال أبو يَعْلَى: "قوله -ﷺ-: «رأيتُ ربِّي في أحسنِ صُورةٍ»، هذا فيه جواز إطلاق الصورة على الله تعالى". (^٣)
٣ - وعن أبي هريرة -﵁- أنَّ ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هَلْ نَرَى ربَّنا يَوْمَ القيامةِ؟ فقال -﵊-: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟»، قالوا: لا يا رسول الله وفيه:
«يَجْمَعُ الله الناسَ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَن كان
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) أخرجه أحمد (٣٤٨٤)، والترمذي (٣٢٣٣)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) [إبطال التأويلات] (١/ ١٢٦).
[ ١ / ١٦٢ ]
يعبدُ شيئًا فلْيَتَّبِعْهُ، فيَتَّبِعُ مَن كان يعبدُ الشمسَ الشمسَ، ويتّبعُ مَن كانَ يعبدُ القمرَ القمرَ، ويتّبعُ مَن كان يعبدُ الطواغيتَ الطواغيتَ، وتَبقى هذه الأُمَّة فيها مُنافِقوها، فيأتِيهِمُ اللهُ - ﵎ - في صُورةٍ غيرِ صورتِه التي يَعْرِفونَ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: نعوذُ بالله منكَ، هذا مَكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عَرَفناه، فيأتِيهِمُ الله - تعالى - في صورته التي يعرفون، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: أنت ربُّنا، فيتّبعونه». (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ "الصورة" في الحديث: كسائر ما وردَ من الأسماء والصفات التي قد يسمَّى المخلوقُ بها على وجه التقييد، وإذا أُطْلِقَتْ على الله اختصّت به، مثل: العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خَلْقه بيديه، واستوائه على العرش، ونحو ذلك". (^٢)
** قال أبو محمدٍ ابنُ قُتيبةَ:
"والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصُّورة ليست بأعجبَ من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقعَ الإلْفُ لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشةُ من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيءٍ منه بكيفية ولا حدٍّ". (^٣)
* فرع:
وهنا مسألة من الأهمية بمكان:
إن مخالفة إمام من أئمة أهل السنة لجماهير العلماء في إثبات صفةٍ ما: لا يُعَدُّ قَدْحًا في ذلك الإمام، ولا يُخرجه عن كونه من أئمة أهل السنة والجماعة، وإلا فلو أنّ كل عالِمٍ توقَّفَ فيه العلماءُ لِزلّة لَما سَلِمَ لنا عالِم لذا لا بد هنا من التفريق بين إمام من أئمة السنة نَفَى صفةً عن الله -﷿- باجتهادٍ قد أَدَّى به إلى ذلكَ لِكَوْنِه رأى هذا الدليلَ بعينه ليس صريحًا في إثبات تلك الصفة، مع كونه متفقًا مع أهل السنة في إثبات سائر الصفات لله -﷿-، وبينَ مَن جعلَ نفْي
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢).
(٢) [نَقْضُ التأسيس] (٣/ ٣٩٦).
(٣) [تأويل مختلف الحديث] (٢٦١).
[ ١ / ١٦٣ ]
الصفات كُلِّيَّةً أصلًا يَرْكَنُ إليه، ويطعن -أيضًا- فيمن أثبتَ الصفاتِ الإلهيّةَ، ويَرميه بالتجسيم والتشبيه! (^١)
وتطبيق ذلك:
ما نص عليه العلماء من مخالفة الإمام ابن خُزيمة في تأويله لحديث الصورة تأويلًا قد خالف فيه جماهيرَ السلف لاجتهادٍ منه في ذلك، مع كونه موافقًا لجماهير السلف في أصل إثبات الصفات الإلهية (^٢)
فقد نص الإمام أحمد -﵀- لَمّا سُئل عن حديث الصورة ومَن يقول فيه:
إن الله خلق آدم على صورته: أي: على صورة آدم، أو على صورة المضروب، أو نحو ذلك؛ قال الإمام أحمد: "هذا قول الجهمية".
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومِثلُ هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمينَ يوالون عليه ويعادون- كان من نوع الخطأ. واللهُ -تعالى- يغفرُ للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك! ". [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٤٩). هذه إشارة إلى معنى في فقه السلف -﵏- لأحكام المخالفين، وهو أن: من اختص ببدعة من البدع ونَصَبَها شِعارًا يُوالي ويعادي عليه وفارَقَ به الإجماعَ الذي عليه الصحابة -﵃- فهذا الانتصار لا يكون إلا من طُرق أهل البدع الخارجينَ عن السنة والجماعة؛ وهؤلاء -في الجُملة- على قدر من التفريط والتقصير في تحقيق ما يجب عليهم من العلم والعمل. * وذلك يخالف ما وردَ من أقوال لبعض الأعيان من أهل السنة هي من البدع المخالفة للإجماع، وقد عَرَضَ له شيء من الخطأ في بعض مقامات أصول الدين عُروضًا قد يَخفى فيما هو مِن مثل هذا؛ فهذا -وإنْ كان قوله الذي عَرَضَ له بدعةً مخالفة للإجماع، وقد أنكره السلفُ، وشددوا فيه- صاحِبُه لا يخرج به عن السنة والجماعة ويجعله من أصحاب البدع، بل يُعد من أصحاب السنة على هذا القدْر من التعليق في شأنه، ويكون خطؤه في الجملة من باب الخطأ الذي اجتهد فيه، والنبي -ﷺ- قال: «وإذا اجتهدَ فأخطأَ فله أَجْرٌ» كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين. = =وهذا يَعني أنّ ثَمَّةَ أقوالًا هي في الأصل من أقوال أهل البدع والضلال عَرَضَتْ لبعض الفضلاء من الفقهاء أو من أصحاب السنة والجماعة فهذه الأقوال سمَّاها السلف بأسماءٍ، إلّا أنّ مَن عَرَضَتْ له لا يجوز أن يسمَّى بأسماء هذه الكلمات؛ فلا يَلزم من تسمية السلف لهذه: أنّ مَن عرضت له هذه الكلمات يسمى بهذه الأسماء من جهة الخُروج من السنة، فضلًا عن جهة التكفير، فضلًا عما هو فوق ذلك كالمآلات في الآخرة! (ذكره يوسف الغفيص تعليقًا على الكلام السابق لشيخ الإسلام).
(٢) قال ابن خزيمة بعد أن أورد أحاديث الصورة: "توهَّمَ بعضُ من لم يتحرَّ العلمَ أنّ قوله «على صورته» يُريدُ صورةَ الرحمن! عزَّ ربُّنا وجلَّ عن أن يكون هذا معنى الخبرِ". [التوحيد] لابن خزيمة (ص/ ٨٤).
[ ١ / ١٦٤ ]
ومع هذا فإن إمام الأئمة ابنَ خزيمة -﵀- عَرَضَ له هذا القول، ولم يكن تجهُّمًا من ابن خزيمة، ولا يجوز أن يسمى جهميًا، ولا أن يقال: إنّ حُكمه حُكم الجهمية، ولا أن يقال: إنه يُذم بما ذم السلفُ به الجهميةَ إلى أمثال ذلك.
وإنْ كان قول ابن خزيمة -﵀- ليس من أقوال أهل السنة وإنما دخلَ عليه من أقوال أهل البدع، فإنّ أهل السنة قولُهم في هذا معروف محفوظ. ** وقد اعتذر له الإمام الذهبيّ، فقال: "ولابنِ خزيمةَ عظمةٌ في النفوس، وجلالةٌ في القلوب؛ لِعلمه ودينه واتباعه السنةَ. وكتابه في (التوحيد) مجلَّد كبير، وقد تأوَّلَ في ذلك حديثَ الصورة؛ فلْيَعْذُر مَن تأوَّلَ بعضَ الصفات، وأما السلفُ فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفوَّضوا عِلْمَ ذلك إلى الله ورسوله.
ولو أنّ كل مَن أخطأ في اجتهاده -مع صحة إيمانه، وتوخِّيه لاتّباع الحق- أهدرناه وبدَّعناه، لَقَلَّ مَن يسلَم من الأئمة معنا. رَحِمَ الله الجميع بِمَنِّهِ وكَرَمه! ". (^١)
** وقد نقل شيخ الإسلام عن الحافظ أبي موسى المديني فيما جَمَعَه من مناقب الإمام الملقَّب بقِوام السّنّة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التَّيْمِيّ، صاحب كتاب [الترغيب والترهيب]، قال:
"سمعته يقول:
"أخطأ محمد بن إسحاق بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذُ عنه فحسْب.
قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قَلَّ مِن إمامٍ إلا وله زَلّةٌ، فإذا تُرك ذلك الإمامُ لأجل زَلّته تُرك الكثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يُفعلَ". اهـ. (^٢)
قال الشاطبيّ:
"زلة العالم لا يصح اعتمادها، ولا الأخذُ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالَفة للشرع، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبُها إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّعَ عليه بها، ولا يُنتقصُ من أجْلها، أو يُعتقدُ فيه الإقدام على المخالفة بَحْتًا؛ فإنّ
_________________
(١) [سير أعلام النبلاء] (١٤/ ٣٧٤)
(٢) [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بِدَعهم الكلامية] (٦/ ٤١٠).
[ ١ / ١٦٥ ]
هذا كله خلافُ ما تقتضي رُتْبَتُه في الدِّين". (^١)
** قلت:
مَن أراد شيخًا بلا زَلّة فلا يزال عِلْمُه إلى قِلّة
* ثم يقال:
وهل يُجْزَمُ بأنّ الإمام ابن خُزيمةَ -﵀- ينفي أصل صفة الصورة عن الله -﷿-؟ بل غاية ما في المسألة: أنه رأى أن نَصًّا بعينه ليس دالًّا على إثباتها، مع كون صفة الصورة ثابتة بالأدلة الأخرى.
* ولو تنزلنا وقلنا إنه لا يقول بأصل ثبوتها، فقد أثبتَ -﵀- سائر صفات الرب على طريقة السلف.
وبهذا يتبين لنا أصلٌ من الأهمية بمكان، ألا وهو أن ما وقع من اختلاف بين السلف في مسائل الاعتقاد -على قلّته- إنما هو اختلاف في التطبيق، وليس اختلافًا في التأصيل (^٢)، بمعنى: أنهم مع اتفاقهم على أصل إثبات الصفات لله تعالى، قد يختلفون في نصٍّ ما هل هو من نصوص الصفات أم لا.
* الفائدة الأخيرة:
في حديث الباب دلالة واضحة على إبطال نظرية (دَارْوِن) Darwin " " التي نصّت على مسألة تطور الجنس البشري، وأن الإنسان أصله قِرْد.
وهي نظرية كاذبة خاطئة، قد لَفَظَها كثيرٌ من الجامعات في الخارج فما نصَّتْ عليه هو كلام منكر وباطل، ومخالف لكتاب الله -﷿-، ولسُنة رسوله -﵊-، ولإجماع سلف الأمة.
وقد اشتَهَرَ هذا القول عن المدعوّ دَارْوِنْ، وهو كاذب فيما قال، بلْ أصلُ الإنسان
_________________
(١) [الموافَقات] (ص/١٣٧).
(٢) كاختلافهم -مثلًا- في إثبات صفة (الشِّمال) لله -﷿- مع أصل اتفاقهم على إثبات صفة (اليد) لله تعالى، وكاختلافهم في رؤية النبي -ﷺ- لربه ليلةَ المِعْراج مع اتفاقهم أن الله -تعالى- يُرى في الآخرةِ.
[ ١ / ١٦٦ ]