عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: ذَكَرَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ وَأُمُّ سَلَمَةَ - ﵄ - لِلنَّبِيِّ - ﷺ - كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ:
" إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (^٢)
*فمن هنا جاءت بداية تزيين الشيطان لعبادة وتعظيم الصالحين والتعلق بالقبور.
فكانوا إذا مات منهم الرجل الصالح جاء الشيطان لقومه فأوحى إليهم:
أن اصنعوا له صورة؛ حتي اذا ما رأيتم صورته ذكرتم عبادته وصلاحه وتقواه؛
فيكون هذا حافزًا لكم علي ان تقتضوا بفعله وهديه.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ:
صَارَتْ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ
_________________
(١) القول المفيد شرح كتاب التوحيد (١/ ٢٣٦)
(٢) متفق عليه.
[ ١ / ٢٩٤ ]
بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآلِ ذِي الْكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا، أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ:
أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. (^١)
فمن هنا جاءت بداية عبادة القبور ونشأة القبورية، حيث أن الشيطان قد استدرج الناس بحيله ومَكره إلى الشرك بعبادة القبور، وذلك حين قال لهم:
هل لكم أن أصورهم لكم إذا نظرتم إليهم - ذكرتموهم فيذهب حزنكم وتنشطون في العبادة، فقلوا: نعم، فصورهم لهم.
ثم لما تقدَّم الزمن وانقرض الآباء والأبناء وأبناء الأبناء ونُسِي العلمُ، جاء الشيطان في صورة الإنسان وقال لمن بعدهم:
إن من كان قبلكم من سلفكم كانوا يعبدونهم؛ فعبدوهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية.
وبذلك فقد صار قوم نوح -﵇- أول فرقة مشركة قبورية وثنية - ظهرت على وجه الأرض في تاريخ البشرية.
وكما نص الحافظ ابن كثير أن أصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها.
* فعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وأن المشركين القبوريين قد ظهروا في عهد نوح -﵇ - بسبب عبادة هؤلاء الأولياء الخمسة، وعكوف القبورية في ذلك العهد على قبورهم، وبذلك وجدت القبورية على الأرض، ثم تطورت القبورية حتى انتشرت في العرب وغيرهم. (^٢)
وقد أورد ابن حجرعن السهيلي أن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٢٠) في كتاب التفسير، بَابُ ﴿وَدًّا وَلَا سُواعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣]
(٢) جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية (١/ ٤٠٧)
[ ١ / ٢٩٥ ]
وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم. (^١)
-- وهكذا حاد الشيطان بالناس عن صراط الله المستقيم إلى طريقه السقيم.
عن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍرضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:
(إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا:
، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ). (^٢)
*وعن ابن عباس - ﵄- قال في تفسير قوله الله ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة﴾
[البقرة: من الآية ٢١٣]: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام" (^٣)
-- ومما سبق نخلص بقضية مهمة:
" "أن أول شرك وقع في الأرض إنما كان سببه تعظيم الصالحين والغلو فيهم ".
فالمبالغة في مدح الصالحين قد أدت بكثير منهم في آخر الأمر إلى الوقوع في شرك الربوبية ومن ثَم شرك الألوهية وشرك الأسماء والصفات:
أ) شرك الربوبية:
وذلك باعتقاد أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون، وأنهم يسمعون كلام من دعاهم ولو من بعد، وأنهم يجيبون دعاءه، وأنهم ينفعون ويضرون، وأنهم يعلمون الغيب.
ب) شرك الألوهية:
فترتب على وقوعوهم في شرك الربوبية قيامهم بدعاء الأموات من دون الله، والإستغاثة بهم، وهذا والعياذ بالله من أعظم الشرك.
ج) شرك الأسماء والصفات:
قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (٢٠) ﴿فسمَّوا "اللات" من "الإله " المستحق للعبادة، و"العزّى" من "العزيز" و"مناة"
_________________
(١) فتح الباري (٨/ ٦٦٨)
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٦٥)
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٣٣٤)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٤٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٩٦ ]
من "المنان" إلحادًا في أسماء الله وتجريًا على الشرك به. (^١)
لذا فقد حذَّر النبي -ﷺ- من الغلو في مدحه، فقال: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ». (^٢)
ولما قال رجل لرسول الله - ﷺ- " ما شاء اللُه وشئتَ "، عقَّب عليه، وقال: «أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده» (^٣)
وإذا كان هذا في حقه ﷺ، فغيره من البشر أولى. (^٤)
وصدق شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال:
"والنفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فلأن يُشرَك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه، أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجرعلى تمثاله. (^٥)
* وتأمل في فعل صحابة النبى - ﷺ - في سد الذرائع الموصلة إلى شرك الغلو في الصالحين:
لما فتح الصحابة -﵃- مدينة تستر وجدوا جسد النبي دانيال -﵇- الذى قُدّر أنه مات قبل ثلاثمائة سنة من البعثة النبوية تقريبًا، وجدوه وما تغير منه شئ، فحفروا بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفنوه، وقاموا بتسوية القبور كلها، لتعمية قبره على الناس؛ فقد رأوا أنَّ السماء كانت إذا حبست عن الناس أبرزوا السرير فيمطرون، فأراد الصحابة -﵃- غلق هذا الباب من الفتنة. (^٦)
قال ابن القيم﵀- تعقيبًا على ذلك:
ففى هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به،
_________________
(١) جامع البيان في تأويل القرآن (٢٢/ ٥٢٢) وتيسير الكريم الرحمن (ص/٨١٩)
(٢) رواه البخاري (٣٤٤٥)
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص/١١٦) وحسنه الألباني في الصحيحة (١/ ٥٦ - ٥٧)
(٤) الدرر السنية (٣/ ٢٤٧)
(٥) اقتضاء الصراط المستقيم (ص/١٩٢)
(٦) قال صاحب كتاب التوضيح الرشيد في شرح التوحيد " وهو أثر صحيح. أورده الربعي -﵀ - في كتاب فضائل الشام، انظر تخريج كتاب فضائل الشام (ص ٥١)، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في أشرطة فتاوى سلسلة الهدى والنور (ش/ ٣٠٤).
[ ١ / ٢٩٧ ]
ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانًا من لا يداني هذا ولا يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد. (^١)