في مطلع الحديث يقول النبي -ﷺ-:
«احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى -﵉- عِنْدَ رَبِّهِمَا»، وقد يقع سؤال يتبادر إلى الذهن، وهو:
كيف وقعت هذه المناظرة بين موسى وآدم
[ ١ / ١٧١ ]
-﵉-؟
** نقول أوّلًا: هذا السؤال في كيفية وقوع المناظرة لا بد أن يسبقه أمر مهم، وهو أننا نسلّم بما جاء عن الله على مراد الله، ونسلّم بما جاء عن رسول الله -ﷺ- على مراد رسول الله -ﷺ-، وذلك على طريقة الراسخين في العلم، قال - تَعالَى -: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، بلا خوضٍ في الغيب.
** ثانيًا: اختلف العلماء في كيفية وقوع هذه المناظرة على أوجُهٍ:
* الوجه الأول:
قيل: إن هذه المناظرة وقعت بين رُوحَيْهِما في السماء:
وقال بذلك: أبو الحسن القابسي، وابن عبد البَرّ.
وهذا لا يَبعُد، خاصّةً أنه ورد في رواية مسلم: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا»، وهذا الحديث ترجم له البخاري بقوله: "بَابُ: تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَىُ عِنْدَ اللَّهِ»، وبناءً على هذا الوجه يكون ذلك من الأمور البَرْزَخِيّة التي تَؤول كيفيّتُها إلى الله - تَعالَى -؛ فإن الحياة البرزخية لا تَجري عليها سُنن الحياة الدنيوية.
* وقد وقع للنبي -ﷺ- نظير لذلك في حادثة الإسراء والمعراج، فقد صلى النبي -ﷺ- بالأنبياء. (^١)
* الوجه الثاني:
قيل: يُحتمل أنَّ ذلك كان في حياة موسى -﵇- وأنه سأل ربَّه أن يُريَه آدمَ -﵇-، فاستجاب الله -تعالى- له ذلك، فوقعت بينهما تلك المناظرة.
_________________
(١) هل كان التقاء النبي -ﷺ- بالأنبياء بأجسادهم مع أرواحهم، أم بأرواحهم دُونَ أجسادهم؟ قولان لأهل العلم قال الحافظ ابن حجر: "وقد استُشْكَلَ رؤيةُ الأنبياء في السماوات مع أنّ أجسادهم مستقرّة في قُبورهم بالأرض، وأُجِيبَ بأنّ: أرواحهم تشكّلت بصُوَر أجسادهم، أو أُحْضِرَتْ أجسادُهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلةَ، تشريفًا له وتكريمًا" ا. هـ. والراجح -والله أعلم- أنه التقى أرواحَهم متشكِّلةً بصُوَر أجسادهم، باستثناء عيسى -﵇-، حيث رُفع برُوحه وبَدَنه. فالأنبياء -﵈- أبدانهم في قبورهم، وأرواحهم في السماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "رأى أرواحَهم مصوَّرةً في صُوَر أبدانهم". وانظر فتح الباري (٧/ ٢١٠) ومجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٨).
[ ١ / ١٧٢ ]
ومما يُستدل به لذلك: الرواية الصحيحة التي رواها أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ». (^١)
** التوجيه الثالث:
إنَّ هذه المناظرة على الحقيقة؛ إمضاءً للحديث على ظاهره، كما رجّحه النووي والقرطبي، وذكرَ ابن الجوزي احتمال التقائهما في البرزخ. (^٢)
لكن نقول ما قاله ابنُ حَجَر:
"وهذا مما يجب الإيمان به؛ لثُبوته عن خبر الصادق وإنْ لم يُطَّلَعْ على كيفيّة الحال، وليس هو بأوّلِ ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نَقِفْ على حقيقة معناه، كعذاب القبر ونعيمه، ومتى ضاقت الحِيَلُ في كشف المُشكِلات لم يَبْقَ إلا التسليمُ". (^٣)
وقال ابن عبد البر:
"مِثل هذا عندي يجب فيه التسليم، ولا يُوقَفُ فيه على التحقيق؛ لأنّا لم نُؤْتَ مِن جِنس هذا العلمِ إلا قَليلًا". (^٤)
* الفائدة الثانية:
في قول موسى﵇- لآدم﵇-: «أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إلَى الْأَرْضِ».
_________________
(١) طَرْحُ التثريب في شرحِ التقريب (٨/ ٢٤٧).
(٢) إِكمال المُعْلِم بفَوَائِد مسْلم (٨/ ١٣٧)، المِنهاج شرح صحيح مسلم بن الحَجّاج (٨/ ٤٥٠).
(٣) فتْح الباري (١١/ ٥٠٧)، وكَشْفُ المُشْكِلِ مِن حديث الصحيحينِ (٣/ ٣٨٣) وقد ذكر الإمام ابن كثيرٍ أن هارُونَ الرشيدَ قد حدَّثَه أبو مُعاويةَ الضَّريرُ يومًا بحديث احتجاج آدمَ وموسى، فقال عمُّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاويةَ؟ فغَضِبَ الرشيد من ذلك غضبًا شديدًا، وقال: أتعترض على الحديث؟! عليَّ بالنَّطْعِ والسَّيْفِ، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زَنْدَقةٌ! ثم أمرَ بسَجْنِه، وأقسمَ أنْ لا يخرجُ حتى يخبرني مَن ألقى إليه هذا، فأقسمَ عمُّه بالأَيْمان المغلَّظة ما قال هذا له أحدٌ، وإنما كانت هذه الكلمة بادرةً منّي، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها "، فأطلقَه. [البداية والنهاية] (١٠/ ٢١٥).
(٤) التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد (١٨/ ١٦).
[ ١ / ١٧٣ ]