في:
البدعة
[ ١ / ٣٣٩ ]
من بدهيات الإسلام التمسك بسنة رسول الله ﷺ، كيف لا والله ﷿ يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
ومن بدهيات الإسلام الحذر من البدعة وكراهيتها، ولكن هذين الموضوعين يلبس بهما أهل الجهل على المسلمين فاقتضى ذلك تبيينهما.
فيما يدخل في التمسك بالسنة: الاقتداء برسول الله ﷺ بالكليات والجزئيات، وذلك يقتضي فهم سيرته ومعرفة سننه، ولكن درجات الإلزام في ذلك يحددها أئمة الاجتهاد والفتوى الصحيحة من أهلها، فهناك سنة عادة وسنة عبادة وسنة دائمة وتشريع مؤقت، وما دام المسلم على فتوى إمام مجتهد أو عالم معتمد فهو على إسلام وعلى سنة وعلى اقتداء برسول الله ﷺ في حده الأدنى أو حده الأعلى، وما دام المسلم على العقائد الإسلامية كما هي في صريح الكتاب والسنة وما دام على فهم الراسخين في العلم من الأئمة في المتشابهات فهو على سنة، وبالتالي لا يعتبر مبتدعًا من من كان في المحكمات على الكتاب والسنة وفي المتشابهات والمشتبهات على مذاهب الراسخين في العلم من أئمة أهل السنة والجماعة، ومن ضلل من تابع الأئمة في مثل هذين الأخيرين فقد ضل لأنه يريد أن يلقي بالأمة في أحضان الجاهلية وأن يتهم الأئمة وحاشاهم.
وأخطر أنواع البدع بدع الاعتقاد التي تخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية إلى أن يدخل في الفرق الثنتين والسبعين التي نص رسول الله ﷺ على استحقاقها النار، ويدخل في الابتداع ابتداع العمل، ولكن لا نحكم على إنسان في العقائد أنه مبتدع ما دام على فهم الراسخين في العلم للمتشابهات، قال تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (٢) فالقراءة التي تقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ تفيد إفادة صريحة كما ذكرناه، ولا نحكم على عمل أنه بدعة، أما إذا اختلفوا في بدعيته وتحريمه فالأمر واسع بالنسبة للعامي، وهو أضيق في
_________________
(١) الأحزاب: ٢١.
(٢) آل عمران: ٧.
[ ١ / ٣٤١ ]
حق من يعرف مسالك الدليل، فمن ترجح لديه أن الدليل الأقوى يوصل إلى البدعية فعليه أن يجتنب، ولكنه لا يحق له أن يشتد في الإنكار على من يتابع أئمة الاجتهاد أو أئمة الفتوى في مثل هذه الحالة، فالسير على اجتهاد إمام من أئمة الاجتهاد، أو على فتوى إمام من الأئمة المعتبرين في الفتوى يخرج صاحبه من إثم الابتداع المحرم أو المكروه، إلا إذا كان من أهل العلم الذين يعرفون مسالك الأدلة فالأمر في حق مثل هؤلاء أشد، ولا يصح لواحد منهم أن يشتد على من خالفه ما دام على رأي إمام معتمد.
٤١٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بينٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشكُ أن يرتع فيه. ألا وإن لكلِّ ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمُهُ. ألا وإن في الجسد مُضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب".
دل هذا الحديث على أن بعض مسائل الحرام والحلال مشتبهة لا يعلمها الكثير، وإذن فالقليل يعلمها وهم الأئمة المجتهدون المستشرفون لنصوص الكتاب والسنة والقادرون على
_________________
(١) البخاري (١/ ١٢٦) -٢ - كتاب الإيمان -٢٩ - باب فضل من استبرأ لدينه. مسلم (٣/ ١٢١٩) -٢٢ - كتاب المساقاة -٢٠ - أخذ الحلال وترك الشبهات. بين: ظاهر، وهو ما نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه. وكذلك بالنسبة للحرام. مشتبهات: مشكلات، لما فيها من عدم الوضوح في الحل والحرمة بسبب تنازع الأدلة فتشبه مرة الحلال ومرة الحرام. اتقي الشبهات: أي ابتعد عن المشكلات واجتنبها. فقد استبرأ لدينه وعرضه: أي طلب البراءة، أو حصل عليها، لحفظ دينه من الذم الشرعي، وعرضه يصونه عن كلام الناس بما يعيبه. وقع في الشبهات: أي تجرأ عليها وفعلها. وهذا ربما يؤدي به إلى تساهل وجرأةٍ يحملانه عادةً على فعل الحرام الظاهر. الحمى: أي المحمي. وهو المحظور على غير مالكه. وقيل: هو الكلأ الذي يمنعه الحاكم ويتوعد من يرعى فيه. محارمه: معاصيه التي حرمها الله تعالى، وهي الجناية على النفس والعرض والمال وغيرها. كالقتل والسرقة والزنا إلخ.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الاستنباط منهما، وعلى هذا فإذا كان أحد العلماء مظنة الاجتهاد وقال قولًا لا يخالف صريح كتاب أو سنة قطعية الثبوت قطعية الدلالة ليس لها معارض، فللمسلم أن يتابعه ولا حرج، ولا يكون بذلك مبتدعًا، فالمبتدع هو من سار في أمر العقائد على غير أقوال الراسخين في العلم، وفي الفروع على غير أقوال الأئمة المجتهدين، نفهم ذلك من هذا الحديث في قضايا الحلال والحرام، ومن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١).
وقد قال الإمام أحمد (٢) عن عائشة ﵂، قالت: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهمن الذين عنى اللهُ فاحذروهم".
وفي البخاري (٣) ومسلم وأبي داود عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذورهم".
ويدخل في ذلك كل من اتبع المتشابه وترك المحكم.
ويدخل في ذلك فرق الضلال كلها، كما سنرى في مباحث لاحقة.
أما من تابع الراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة الذين يحملون المتشابه على المحكم فحاشاهم من الابتداع.
_________________
(١) آل عمران: ٧.
(٢) أحمد (٦/ ٤٨).
(٣) البخاري (٨/ ٢٠٩) -٦٥ - كتاب التفسير -١ باب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾. مسلم (٤/ ٢٠٥٣) -٤٧ - كتاب العلم -١ - باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه أبو داود (٤/ ١٩٨) -كتاب السنة - باب مجانبة أهل الأهواء.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقد تشدد قوم في موضوع البدعة نتيجة لسوء الفهم، فحكموا على أشياء أجازها أئمة الاجتهاد أو بعضهم على أنها بدع ضالة وضللوا أهلها، وليس لهم ذلك وفهمهمن للحديث (١): "كلُ ما ليس عليه أمرنا فهو رد" فهو مغلوطٌ في هذه الحالة، فأمر رسول الله ﷺ هو ما وافق الكتاب والسنة، وما أحال عليه الكتاب والسنة من مسالك الاجتهاد كالقياس والإجماع والاستحسان -عند القائلين به- وتحكيم العرف حيث سكت النص- عند القائلين به- وكل ذلك داخل في أمر رسول الله ﷺ، ولكن لا يحسن كل أحد أن يستنبط ما يوافق أمر رسول الله ﷺ إلا من وصل إلى رتبة الاجتهاد أو وصل إلى الإمامة في الفتوى، أمثال هؤلاء يستطيعون أن يميزوا بين ما وافق أمر رسول الله ﷺ وأصحابه من اعتقادات وأعمال وما لا يوافق، وبالتالي ففتوى هؤلاء أو أحدهم بالموافقة يُخرِج من أخذ بفتواه من أن يكون من أهل الابتداع، وهذا الذي قلناه تشهد له أعمال الصاحبة، فكثيرًا ما حدث أن الصحابي كان يقول أو يفعل الفعل بناء على فهمه لشريعة الله، دون أن يكون هناك نص خاصٌ في عمله أو في قوله، وكان رسول الله ﷺ يعجبه ذلك إن وافق فعلًا أمره، وإلا صحح وسدد، وهذا الذي كان يفعله الصحابة فهمًا من النصوص، وكان رسول الله ﷺ يقرّه ويعجبه هو الذي يجعلنا نقول: إن كثيرًا من الاجتهادات التي حدثت بعده ﵊ قد توافق أمره وقد تخالفه، فمن الذي يحكم عليها؟ لا شك أن أئمة الاجتهاد وأئمة الفتوى المؤهلين للتمييز بين ما يوافق الأمر وما يخالفه، فإذا أجمعوا فذلك الذي لا يسع مسلمًا أن يخالفه، وإذا افترقوا فالأمر واسع، وأحيانًا يحدث فيما بينهم نقاش ثم يستقر عند الأمة على شيءٍ متفق عليه، فبعد الاتفاق واستقرار أمر الأمة على شيء فههنا كذاك لا ينبغي أن يخالف، ومن خالف كان مبتدعًا.
وقد تتبع بعضهم ما فعله الصحابة ابتداءٌ دون أمر خاص وأقرهم الرسول -ﷺ- عليه،
_________________
(١) البخاري (٥/ ٣٠١) -٥٣ - كتاب الصلح -٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. مسلم (٣/ ١٣٤٣) -٣٠ كتاب الأقضية -٨ - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. أبو داود (٤/ ٢٠٠) - كتاب السنة -باب في لزوم السنة. ابن ماجه (١/ ٧) - المقدمة -٢ - باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وذلك كله يشهد لما ذكرناه، فذكر من ذلك المسائل التالية:
٤١٩ - * الحديث الأول: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن نبي الله ﵌ قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: "يا بلالُ حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام فإني سمعت دَف نعليك في الجنة". قال: ما عملتُ عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليتُ بذلك الطهور ما كُتب لي.
وفي حديث الترمذي (٢) قاله لبلال: "بم سبقتني إلى الجنة"؟ قال: ما أذنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال النبي ﵌: "بها نِلت". أي تلك المنزلة.
قال الحافظ ابن حجرٍ في الفتح: يُستفاد منه جوازُ الاجتهاد في توقيتِ العبادة؛ لأن بلالًا توصل إلى ذكره بالاستنباط فصوبه الرسول ﵌ (٣) ومثلُ هذا حديثُ خبيب في البخاري وفيه: وهو أول من سن الصلاة لكلِّ مقتول صبرًا ركعتين (٤). فهذه الأحاديث صريحةً في أن بلالًا وخبيبًا اجتهدا في توقيت العبادة، ولم يسبق من الرسول ﵌ أمرٌ ولا فعلٌ إلا الطلبُ العام. وإن الصلاة خيرٌ موضوعٌ فأقلل منها أو استكثر كما في الحديث، فلو أن أحدًا أراد إيقاعها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها لكانت بدعة عند من يرى عمووم النهي، وغير بدعةٍ عند من يرى تخصيص النهي بالنفل المطلق، ومع أن الشافعية ﵏ يرون تخصيص النهي بغير المؤقت بذي السبب، فإنهم اختلفوا في سنة الوضوء فالإمام الغزالي يمنع فِعلها فيه، ويقول: يتوضأ
_________________
(١) البخاري (٣/ ٣٣، ٣٤) -١٩ - كتاب التهجد -١٧ - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار. مسلم (٤/ ١٩١٠) -٤٤ - كتاب فضائل الصحابة -٢١ - باب من فضائل بلال ﵁. أحمد (٢/ ٣٣٣).
(٢) الترمذي (٥/ ٦٢٠) -٥٠ - كتاب المناقب -١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁. وقال: هذا حديث صحيح غريب. المستدرك (٣/ ٢٨٥). وقال: صحيح على شرطهما. وأقره الذهبي.
(٣) فتح الباري ج ٣ ص ٣٤.
(٤) فتح الباري: ج ٧ ص ٣٧٩.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ليصلي وليس يصلي لأنه توضأ. فليست بذات سبب، ولكلٍّ نهجهُ وفهمهُ واستدراكه، رضوان الله عليهم أجمعين.
٤٢٠ - * الحديث الثاني ما رواه البخاري عن رفاعة بن رافع قال: كنا نصلي وراء النبي ﵌ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده". قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا. قال: رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها".
قال الحافظ في الفتح: يُستدلُّ به على جواز إحداث ذكرٍ في الصلاة مأثور إذا كان غير مخالفٍ للمأثور، وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش.
ومثله ما رواه الصنعاني عبد الرزاق في المصنف (٢) عن ابن عمر قال إن رجلًا والناس في الصلاة فقال حين وصل إلى الصف: الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. فلما قضى النبي ﵌ صلاته قال: "من صاحبُ الكلمات؟ " قال الرجل: أنا يا رسول الله، والله ما أردتُ بهن إلا الخير. قال: "لقد رأيت أبواب السماء فتحت لهن". قال ابن عمر. فما تركتهن منذ سمعتُهن.
ورواه النسائي (٣) إلا أنه قال: "لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا". وفي رواية أخرى فيه (٤) قال: "عجبت لها". وذكر كلمةً معناها: "فتحت لها أبواب السماء". وفيه قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله ﵌ يقوله.
_________________
(١) البخاري (٢/ ٢٨٤) -١٠ - كتاب الأذان -١٢٦ - باب حدثنا معاذ بن فضالة.
(٢) المصنف (٢/ ٧٦).
(٣) النسائي (٢/ ٢٢٥) -١١ - كتاب الافتتاح -٨ - باب القول الذي يفتتح به الصلاة.
(٤) النسائي، الموضع السابق. والحديث في مسلم والنسائي وأبي داود عن أنس، وحديث رفاعة بن رافع الزرقي عند أبي داود أيضًا. وفي أبي داود عن عبد الله بن عامر عن أبيه قال: "عطس شاب من الأنصار خلف رسول الله ﵌ وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه حتى يرضى ربنا من أمر الدنيا والآخرة فلما انصرف الرسول ﵌ قال: "من القائل الكلمة". وفيه: فقال ﵌: "فما تناهت دون عرش الرحمن ﵎".
[ ١ / ٣٤٦ ]
فانظر- وفقنا الله وإياك إلى الحق- كيف أقر الرسول ﵌ زيادة ذكر لم يؤثر عنه في افتتاح الصلاة، وأقر فاعليها بأعلى درجات الإقرار والرضاء، وذلك لأن الموضعين من مواضع الثناء على الله في الصلاة.
والمقصود أن الرسول ﵌ أقر الصحابيين على إحداث أذكار في الصلاة لم تكن مأثورة عنه، وهذا موضع الاستدلال كما سبق، وأنه كان اجتهادًا واستنباطًا منهما.
٤٢١ - * الحديث الثالث ما رواه البخاري عن أنس ﵁ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء كلما قرأ افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به ثم افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمة أصحابهُ فقالوا: إنك تفتتحُ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُكَ حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، وإن أحببتم أن أؤمكم فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي ﵌ أخبروه فقال: "يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة"؟ فقال: إني أحبها. فقال النبي ﵌: "حبك إياها أدخلك الجنة".
قال الحافظ في الفتح: (قوله: ما يمنعُك وما يحملك. سأله عن أمرين فأجابه بقوله: إني أحبها. وهو جواب عن السؤال الثاني مستلزمٌ للأول بانضمام شيء آخر إليه وهو إقامة السنة المعهودة في الصلاة. فالمانعُ مركب في المحبة والأمر المعهود والحاملُ له على الفعل المحبةُ وحدها، ويوحي إلى أن في فعله زيادةً على فعل النبي ﵌. فدل تبشيره بالجنة على الرضاء بفعله. قال ناصر الدين ابن المنير في هذا الحديث: "إن المقاصد تغيِّرُ أحكام الفعل لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لم يحفظ غيرها. مثلًا، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه".
_________________
(١) البخاري (٢/ ٢٥٥) -١٠ - كتاب الأذان -١٠٦ - باب الجمع بين السورتين في الركعة.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قال: وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يُعدُّ ذلك هجرانًا لغيره، ومع هذا التقرير من الرسول ﵌، وتبشير الرسول ﵌ له بالجنة لم نجد من العلماء ولا من الصحابة قبلهم من يقول بأن فعله هذا سنة ثابتة، ذلك لأ، ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الذي تنبغي المحافظة عليه، ولكنه يُعطينا الدليل على أن مثل هذا وإن كان في صورته مخالفةٌ لفعل الرسول ﷺ في الجملة فإن الأمر واسع لا كما يظن البعض ما دام الفعل في إطار المشروع والمطلوب، [ويدخل في عمومات الشريعة]).
٤٢٢ - الحديث الرابع روى البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﵌ بعث رجلًا على سريةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختمُ بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﵌، فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك". فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقر بها فقال النبي ﵌: "أخبروه أن الله يحبه".
قال الحافظ في الفتح: قال ابن دقيق العيد: هذا يدل على أنه كان يقرأ بغيرها ثم يقرأها في كل ركعة وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته فيختص بالركعة الأخيرة أ. هـ (١). أي وكلا الأمرين لم يُعهد فعلُهُ من رسول الله ﵌ ومع ذلك أقره بأعلى درجات الإقرار وهو التبشيرُ بمحبةِ الله له.
ومع كل هذا فلم نعلم أن أحدًا من العلماء قال باستحباب ذلك افتتاحًا كالحديث السابقن ولا اختتامًا كما هنا، لأن ما واظب عليه الرسول ﵌ هو الأفضل، ولكن إقراره لمثل هذا يُوضحُ سُنتهُ ﵌ في قبول ما كان مثل ذلك من أوجه الطاعات والعبادات، ولا يُعتبرُ مثلهُ حدثًا مذمومًا كما يتسابق المتشددون إلى
_________________
(١) البخاري (١٣/ ٣٤٧) -٩٧ - كتاب التوحيد -١ - باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎. مسلم (١/ ٥٥٧) -٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها -٤٥ - باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
(٢) فتح الباري (١٣/ ٣٥٦).
[ ١ / ٣٤٨ ]
التبديع والتضليل في أفعاله. هذا وظاهرٌ من سياق الحديثين (هذا والذي قبله) أنهما قضيتان، فحديث أنس الأول فيه أن الفاعل لتخصيص هذه السورة إمام قومه في مسجد قباء، وفي حديث عائشة كان أمير سريةٍ. وأن هذا كان يختتم بقل هو الله أحد، وذاك كان يفتتح بها. وهذا بشره الرسول ﵌ بحب الله له، وذاك بشره بالجنة. فالتعدد فيهما واضح لا يحتمل الجمع ولا التأويل. والأحاديث التي مرت كلها في الصلاة كما ترى، وهي أهم أعمال العبادات البدنية وفيها قول الرسول ﵌ (١): "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومع ذلك قَبِلَ هذه الاجتهادات لأنها لا تخرجُ عن الهيئة التي حدَّدها الشارعُ. [ولأنها داخلة في العمومات التي ندب إلى أصلها الشارع]. فكلُّ حدٍّ لابد من الالتزام به، وما عدا ذلك فالأمر مُسعٌ ما دام داخلًا في الأصل المطلوب. هذه هي سنة الرسول ﷺ وطريقته. وهذا في غاية الوضوح. ويؤخذُ منها ما أصَّله العلماء أن كل عمل يشهدُ له الشرع من الطلب ولم يصادم نصًا ولا تترتب عليه مفسدةٌ فليس داخلًا في حدود البدعة، بل هو من السنة وإن كان غيره أفضل: فالعبادات فيها المفضول وفيها الفاضل، ولا يعاب ولا يُبدعُ من استروح شيئًا منها ما دام الأصلُ عبادةً. والآن نأتي على شيء من الاجتهادات التي أقرها الرسول ﵌ في غير الصلاة، لترى كيف أقرها الرسول ﵌.
٤٢٣ - الحديث الخامس: حديثُ الرُّقية. وقد رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رهطًا من أصحاب النبي ﵌ انطلقوا في سَفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفهم، فلُدغَ سيدُ ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيءٌ. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذي نزل بكم لعله أن يكون عند بعضهم شيءٌ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدغ فسعينا له
_________________
(١) البخاري (٢/ ١١١) -١٠ - كتاب الأذان -١٨ - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة .. أحمد (٥/ ٥٣). الدارمي (١/ ٢٨٦) -كتاب الصلاة- باب من أحق بالإقامة.
(٢) البخاري (١٠/ ٢٠٩) -٧٦ - كتاب الطب -٣٩ - باب النفث في الرقية.
[ ١ / ٣٤٩ ]
بكل شيء فهل عند أحدٍ منكم شيءٌ؟ فقال بعضهم: نعم والله إني لراقٍ ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانلق فجعل يتفُلُ ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى لكأنما نَشِطَ من عِقالٍ فانطلق يمشي ما به قَلبةٌ. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. وقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﵌ فَنَذكُر له الذي كان فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول الله ﵌ فذكروا له فقال: "وما يُدريك أنها رُقيةٌ. أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهمٍ".
قال الحافظ في الفتح في كتاب الإجارة (١): قوله "وما يدريك" إلخ هي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتستعملُ في تعظيم الشيء أيضًا، وهو لائق هنا. زاد شعبةُ في روايته: ولم يذكر نهيًا. أي من النبي ﵌. وزاد سليمان بن قتة في روايته بعد قوله: "وما يدريك أنها رُقية"؟ قلت ألقي في روعي أهـ.
وهذا صريح في أن الصحابي لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرُّقية بالفاتحة، ولكنه شيء فعله باجتهاده، ولما لم يكن فيه مخالفةٌ للمشروع أقره الرسول ﵌؛ لأن هذه سنته وطريقته في إقرار ما كان من الخير ولا تترتبُ عليه مفسدةٌ، وإن لم يكن من عمل الرسول ﵌ نصًا. وقول الرسول ﵌: "قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم بسهم". كأنه أراد المبالغة في تأنيسهم كما قال الحافظ.
٤٢٤ - * الحديث السادس: وقد وقعت للصحابة قصة أخرى في رجل مُصاب في عقله فقرأ عليه بعضُهم فاتحةَ الكتابِ فبرأ.
روى أبو داود من طريق خارجة بن الصلت عن عمه: أنه مر بقوم وعندهم رجل مجنون
_________________
(١) = الجعل: هو ما جعل للإنسان من أجر في مقابل شيء. ما به قلبةٌ: أي ما به أثر من مرض.
(٢) فتح الباري (٤/ ٤٥٧).
(٣) أبو داود (٤/ ١٤) -كتاب الطب- باب كيف الرقي؟ وانظر فتح الباري (٤/ ٤٥٥).
[ ١ / ٣٥٠ ]
موثق في الحديد، فقالوا: إنك جئت من عند هذا بخير، فارق لنا هذا الرجل. فرقاه بها.
٤٢٥ - * الحديث السابع: روى أبو يعلى عن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ على مبتلى في أذنه فأفاق، فقال له الرسول ﵌: "ما قرأت"؟ قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ إلى آخر السورة. فقال الرسول ﵌: "لو أن رجلًا موفقًا قرأ بها على جبل لزال".
وفي الحديث تقرير النبي ﵌ لابن مسعود في قراءته الآيات من آخر سورة المؤمنون على المبتلى، ولم يكن قد سمع ذلك من النبي ﵌ وإنما هو شيء استنبطه باجتهاده. ولما كان من الخير الذي لا يعارض المشروع أقره كصاحب الرقية عند البخاري، والتي عند أصحاب السنن، وهما قضيتان إحداهما لأبي سعيد الخدري، والثانية لعم خارجة بن الصلت، وهذه الثالثة لابن مسعود، وهناك رابعة عند ابن حبان لعلاقة بن صحار وهي الحديث الثامن.
٤٢٦ - * الحديث الثامن: روى ابن حبان عن علاقة بن صحار السليطي التميمي أنه أتى النبي ﵌، ثم أقبل راجعًا من عنده فمر على قوم عندهم رجل موثق بالحديد، فقال أهله: إنه قد حدثنا أن صاحبكم قد جاء بخير. فهل عندك شيء ترقيه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ فأعطوني مائة شاة فأتيت النبي ﵌ فقال: "خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل فقد أكلته برقية حق".
٤٢٧ - * الحديث التاسع: روى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ بقل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﵌ فذكر له
_________________
(١) مجمع الزوائد (٥/ ١١٥). وقال: رواه أبو يعلى وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح، أهـ من المجمع. ومثله في المطالب العالية للحافظ ابن حجر.
(٢) الإحسان بترتيب ابن حبان (٧/ ٦٣٦) - كتاب الرقاء والتمائم- باب ذكر بإباحة أخذ الراقي الأجرة على رقيته التي وصفناها.
(٣) البخاري (٩/ ٥٨، ٥٩) - ١٦ كتاب فضائل القرآن- ١٣ - باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
[ ١ / ٣٥١ ]
ذلك وكأن الرجل يتقالها، فقال ﵌: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن".
قال الحافظ في الفتح: القارئ هو قتادة بن النعمان. أخرجه أحمد بن طريف بن الهيثم عن أبي سعيد، قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ من الليل كله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يزيد عليها. والذي سمعه لعله أخوه لأمه أبو سعيد، وكانا متجاورين، وبذلك جزم ابن عبد البر. وقد خرج الدارقطني من طريق إسحاق بن الطباع عن مالك في هذا الحديث بلفظ إن لي جارًا يقوم بالليل فمل يقرأ إلا بقل هو الله أحد. أهـ (١).
وفي الحديث إقرار الرسول ﷺ له على هذا التخصيص والاقتصار على هذه السورة في قيام الليل، مع ما فيه من التخصيص الذي لم يكن من عمله ﵌. وفيه ما في سابقيه برقم ٣، ٤ من الدلالة على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجرانا لغيره. ومع كل هذا فلم نجد من العلماء من قال بأفضلية قيام الليل بها وحدها، لأن ما كان عليه عمل الرسول ﷺ من القراءة بالقرآن كله أفضل من ذلك، ولكن عمله وما يشبهه داخل في نطاق السنة، وليس فيه ما يذم؛ بل هو محمود على كل حال. وفيه رد على المبدعين [بالباطل] كالأحاديث السابقة والتي ستأتي.
٤٢٨ - * الحديث العاشر: روى ابن حبان عن ابن بريدة عن أبيه قال دخلت مع رسول الله ﵌ المسجد فإذا رجل يصلي يدعو: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٥٩، ٦٠).
(٢) ابن حبان (٢/ ١٢٥) - كتاب الرقائق- باب ذكر البيان بأن دعاء بما وصفنا إنما هو دعاؤه باسم الله الأعظم الذي لا يخيب من سأل ربه به. أحمد (٥/ ٣٤٩). أبو داود (٢/ ٧٩) - كتاب الصلاة- باب الدعاء. الترمذي (٥/ ٥١٥) - ٤٩ - كتاب الدعوات- ٦٤ - باب جامع الدعوات عن النبي ﷺ. ابن ماجه (٢/ ١٢٦٧) - ٣٤ - كتاب الدعاء- ٩ - باب اسم الله الأعظم. ورواه أيضًا النسائي في الكبرى في كتاب التفسير.
[ ١ / ٣٥٢ ]
أحد. فقال النبي ﵌ "والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أهـ وهذا دعاء أنشأه الصحابي فيما يظهر، ولما كان مطابقًا للمطلوب أقره ﵌ بأعلى درجات الإقرار والرضاء، ولم يعلم أن الرسول ﵌ علمه إياه، فنصوص الشريعة فيها العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص، وفيها الحقيقة والمجاز وما يجب أن يصار إليه عند التعارض، إلى غير ذلك من القواعد الأصولية حتى قالوا: (ما من عام إلا وخصص)، ولا يمنع وجود (كل) من التخصيص كما هو في آيات الكتاب الكريم.
فدل هذا كله على أن إنشاء أمر ما يدخل ضمن عمومات الشرع، أو يعتبر تفريعًا لأصل من أصوله، أو يعتبر انبثاقًا عنه، أو استنباطًا من الكتاب والسنة لا يعتبر بدعة، ولكن يخشى أن يكون هذا الإنشاء غير مستند استنادًا صحيحًا إلى عام يدخل فيه هذا الخاص إلى هذا النوع ولا يعتبر انبثاقًا صحيحًا من الأصول أو أن هذا الاستنباط خاطئ ولذلك قلنا لابد من موافقة أهل الاجتهاد أو بعضهم لهذا الإنشاء حتى يخرج من البدعة السيئة ليدخل في السنة الحسنة.
لقد غلط أناس كثيرون في أمر البدعة، وإذا صحت نية بعضهم فهم مأجورون ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الهالكين، ونخشى على بعضهم أن يدخلوا في دائرة الضالين.
فهناك من هو على بدعة في الاعتقاد أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها.
وهناك من هو على بدعة في العمل أجمع على بدعيتها الراسخون في العلم ولا يتردد في بدعيتها.
وهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، وهي مما أجمع على جوازه الراسخون في العلم.
وهناك من يعتبر بعض القضايا بدعة ضالة، ويشتد على أهلها مع إجازة بعض أئمة الاجتهاد أو الفتوى لها، وكل ذلك غلط كبير إلا في الأخيرة فلا حرج في الإنكار ولكن
[ ١ / ٣٥٣ ]
دون شدة وغلظة بل بالبيان الرفيق وذكر الدليل وذكر من أفتى بذلك من أئمة الفتوى.
إن ما ذكرناه هو الأمر الجامع وهو الذي ينسجم مع النصوص ومع فعل الصحابة وإجماع أهل الفتوى المعتبرين: ألا ترى إلى إجماع الصحابة على جمع عمر الناس في صلاة التراويح على إمام واحد وجعلها عشرين، وقول عمر (نعمت البدعة هذه) وكل ذلك قد صح عن عمر وعن الصحابة (١). ألا ترى أن الذين يضللون عمر والصحابة بسبب ذلك قد دخلوا في دائرة الضلال، فعمر من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بالاقتداء بهم والاقتداء بهديهم، وأصحاب رسول الله ﷺ كلهم عدول وهم أعمق الناس فهمًا لكتاب الله، ولم تزل الأمة تفعل ما فعله دون نكير إلا من دخل في دائرة الغلو ولم يستطع الخروج منها.
وهذه نقول عن العلماء توضح ما ذكرناه وتؤكده:
قال الإمام الشافعي: البدعة بدعتان محمودة ومذمومة، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم.
ويشهد لهذا المعنى حديث جرير عند مسلم (٢) "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" ومثل هذه الأحاديث أحاديث أخرى تدور حولها منها: حديث ابن مسعود عند مسلم (٣): "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". وحديث أبي هريرة عند مسلم (٤): "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم ".
إن ما يحدث يجب أن يعرض على قواعد الشريعة ونصوصها فما شهدت له الشريعة بالحسن فهو حسن مقبول وما شهدت له الشريعة بالمخالفة والقبح فهو المردود وهو البدعة
_________________
(١) راجع شرح السنة (٤/ ١١٦ - ١٢٥) بتحقيق الأستاذ شعيب الأرناؤوط.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم. ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.
(٣) مسلم (٣/ ١٥٠٦) ٣٣ - كتاب الإمارة. ٣٨ - باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله بخير.
(٤) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم. ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.
[ ١ / ٣٥٤ ]
المذمومة. وقد يسمون الأول (بدعة حسنة) من حيث اللغة باعتباره محدثًا وإلا فهو في الواقع ليس ببدعة شرعية بل هو (سنة مستنبطة) ما دامت شواهد الشريعة تشهد لها بالقبول. وعلى هذه البدعة اللغوية يحمل قول سيدنا عمر ﵁ في صلاة التراويح (نعمت البدعة).
إن ما شهد له شاهد من الشرع بالطلب خاصا أو عاما ليس من البدعة وإن لم يكن رسول الله ﵌ فعله بخصوصه أو أمر به أمرًا خاصًا.
قال النووي: (١) في قوله ﵌ (٢): "وكل بدعة ضلالة" هذا عام مخصوص المراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المرادة بالبدع. وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في شرحه على سنن الترمذي: - (السابعة) (٣): "وإياكم ومحدثات الأمور" اعلموا علمكم الله أن المحدث على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة فهذا باطل قطعًا (أي) وهو البدعة الضلالة. ومحدث يحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء. قال وليس المحدث والبدعة مذمومين .. [لمجرد النظر إليهما] (محدث وبدعة) ولا لمعناها فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (٤) وقال عمر (٥) (نعمت البدعة) وإنما يذم من البدعة ما خالف السنة ويذم من المحدث ما دعا إلى ضلالة أ. هـ.
وهكذا نجد الأئمة الذين جاءوا بعد الشافعي مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام من الشافعية والإمام النووي وابن الأثير من الشافعية وابن العربي والقرافي من المالكية
_________________
(١) راجع حاشية السيوطي على سنن النسائي ص ٢٣٤ جـ ٢.
(٢) أحمد (٤/ ١٢٦). مسلم (٢/ ٥٩٢) ٧ - كتاب الجمعة. ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة. أبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة. الترمذي (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم. ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) المواضع السابقة.
(٤) الأنبياء: ٢.
(٥) البخاري (٤/ ٢٥٠) ٣١ - كتاب صلاة التراويح. ١ - باب فضل من قام رمضان.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وغيرهم كثير آخرهم الحافظ ابن حجر العسقلاني كلهم أقروا تقسيم المحدث إلى محمود ومذموم وأنه قد تعتريه الأحكام الخمسة بحسب الأصل الذي يبنى عليه والشواهد التي تشهد له أو عليه أو لما يترتب عليه من المصالح أو المفاسد أو مصادمة الشرع أو موافقته.
ومع كل هذا فإن لهم تقسيمًا آخر: البدعة المكفرة والبدعة المحرمة والبدعة المكروهة تحريمًا والبدعة المكروهة تنزيهًا.
وهناك جمهور من العلماء قرروا هذا التقسيم منهم النووي وابن العربي وخاتمة الحفاظ ابن حجر.
إن البدعة المضلة الواردة في الحديث الشريف هي المنافية لأمر الشرع والتي ليست هي مما طلبه الشرع بدليل خاص أو عام. وإن كل ما كان من الشرع وشهد له بالطلب دليل خاص أو عام فليس هو بالبدعة الشرعية المرادة في الحديث وإن سمي بدعة باعتباره اللغوي الشامل للحسن والقبيح.
عن عبد الله بن مسعود (١) قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ.
ولابن تيمية كلمة جاءت في سياق كلام في كتابه: (جواب أهل العلم) تدل على أن ابن تيمية يرى أن كلام السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين إذا قالوا قولًا فذلك يكون حجة يخرج أصحابه من الابتداع. قال ﵀: والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحدا منها عن أحد من السلف أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والورع في الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق لا في زمن أحمد بن حنبل
_________________
(١) أحمد (١/ ٣٧٩). قال في المجمع (١/ ١٧٧): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله موثقون.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ولا زمن الشافعي ولا زمن أبي حنيفة ولا قبلهم. أ. هـ (١).
وقد تحدث الإمام العز بن عبد السلام في مقدمة رده على ابن الصلاح بخصوص صلاة الرغائب- عن البدعة وأقسامها فقال: إن البدعة ثلاثة أضرب:
١ - ما كان مباحًا كالتوسع في المأكل والمشارب والملابس والمناكح فلا بأس بشيء من ذلك.
٢ - ما كان حسنًا، وهو كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها كصلاة التراويح، وبناء الربط والخانات والمدارس، وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في الصدر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى، وكذلك الاشتغال بالعربية فإنه مبتدع، ولكن لا يتأتى تدبر القرآن، وفهم معانيه إلا بمعرفة ذلك فكان ابتداعه موافقًا لما أمرنا به من تدبر آيات القرآن وفهم معانيه، وكذلك الأحاديث وتدوينها وتقسيمها إلى الحسن والصحيح والموضوع والضعيف، مبتدع حسن، لما فيه من حفظ كلام رسول الله ﷺ أن يدخله ما ليس فيه، أو يخرج منه ما هو فيه، وكذلك تأسيس قواعد الفقه وأصوله وكل ذلك مبتدع حسن، موافق لأصول الشرع غير مخالف لشيء منها.
٣ - ما كان مخالفًا للشرع، أو ملتزمًا لمخالفة الشرع. أهـ (٢).
وقد كان الإمام حسن البنا ﵀ يحذر أتباعه من الانشغال بمحاربة البدع الإضافية لأن في محاربة البدع الحقيقية شغلًا ويريد بالبدع الحقيقية ما خالف الدين من المنكرات التي لا خلاف بين العلماء في واحد منها وضررها على الدين وما أكثرها وأخطرها بين المسلمين ومراده بالبدع الإضافية ما اندرج تحت أصل عام في الطلب ولكن صورته غير مأثورة كسائر المسائل المستنبطة، والمختلف فيها بين الفقهاء وهذا منه إدراك الخطورة البدع الحقيقية وخطورة السكوت عنها والانشغال بغيرها. أما الخلافات المذهبية فهي أمر ضروري
_________________
(١) انظر ص ٢٣ في كتاب جواب أهل العلم.
(٢) من كتاب "العز بن عبد السلام وأثره في الفقه الإسلامي" للدكتور علي الفقير.
[ ١ / ٣٥٧ ]
والإجماع على أمر فرعي متعذر. فعلينا أن نعتقد الحق فيما بلغنا ونلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات ولا يكون حائلًا بين ترابط القلوب وتبادل الحب والتعاون على الخير (١).
وإليك نقولًا عن أهل العلم تزيد ما قلناه تأكيدًا وتعطيك تصورًا أكمل عما يعتبرونه بدعة:
البدعة في اللغة: كل شيء أحدث على غير مثال سابق كان محمودًا أو مذمومًا.
والبدع: الأمر الذي يكون أولًا ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٢) أي لست أول من جاء بالوحي أو ما كنت مبتدعًا فيما أقوله.
ومن أسمائه تعالى البديع: لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها فيكون بمعنى مبدع أو من بدع الخلق أي بدأه.
وغالبًا ما تدور مادة بدع على الإحداث والاختراع.
البدعة في الاصطلاح:
اختلفت أنظار العلماء فيها فمنهم من توسع في تحديدها ومنهم من ضيقها:
١ - الإمام الشافعي﵀:
يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة، أو محمودة ومذمومة. وهي على هذا تشمل كل حادث بعد عصر الرسول ﷺ وعصر الخلفاء الراشدين:
عن حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي رحمه الله تعالى يقول: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة .. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم (٣).
_________________
(١) من مراجع هذا البحث، كتاب للسيد عبد الله بن محفوظ باعلوي الحسيني الحضرمي رئيس القضاء الشرعي في حضرموت سابقًا.
(٢) الأحقاف: ٩.
(٣) الباعث لأبي شامة ص ١٣، وفتح الباري جـ ١٧ ص ١٠، وقال أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عنه.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقال الربيع: قال الشافعي رحمه الله تعالى: المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فهذه البدعة الضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة (١). وقد استند في كلا التعبيرين إلى قول عمر ﵁، في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه (٢).
٢ - وابن حزم ﵀ يقول:
البدعة في الدين: كل ما لم يأت في القرآن، ولا عن رسول الله ﷺ، إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويعذر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنًا، وهو ما كان أصله الإباحة، كما روي عن عمر ﵁: نعمت البدعة هذه (٣)، وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص. ومنها ما يكون مذمومًا ولا يعذر صاحبه، وهو ما قامت الحجة على فساده، فتمادى القائل به.
٣ - والإمام الغزالي ﵀ يقول في إحيائه عن الأكل على السفرة:
وما يقال إنه أبدع بعد رسول الله ﷺ، فليس كل ما أبدع منهيًا عنه بل المنهي- عنه- بدعة تضاد سنة ثابتة وترفع أمرًا من الشرع مع بقاء علته، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيرت الأسباب (٤).
٤ - وابن الأثير ﵀، يقول:
البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال .. فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ، فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو
_________________
(١) المصدران السابقات، وذكره السيوطي في الحاوي جـ ١ ص ٥٣٩.
(٢) البخاري (٤/ ٢٥٠) ٣١ - كتاب صلاة التراويح ١٠ - باب فضل من قام رمضان.
(٣) الموضع السابق.
(٤) الإحياء جـ ٢ ص ٣ ط. عيسى الحلبي.
[ ١ / ٣٥٩ ]
رسوله ﷺ فهو حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من السخاء والجود وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد في الشرع به، لأن النبي ﷺ قد جعل له في ذلك ثوابا فقال "من سن سنة حسنة كان له أجره وأجر من عمل بها" (١) وقال في ضده "من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" (٢) .. وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ﷺ. ومثل البدعة الحسنة يقول عمر في صلاة التراويح: نعمت البدعة. ثم قال: وهي على الحقيقة سنة لقوله ﷺ (٣): "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" وقوله (٤): "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر".
وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر "كل محدثة بدعة" (٥) على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة (٦).
٥ - وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة:
اعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله ﷺ بدعة، وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة، وإلى هذا الاتجاه مال الشيخ عز الدين بن عبد السلام والنووي وأبو شامة (٧).
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٥٩) ٤٧ - كتاب العلم- ٦ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.
(٢) مسلم: الموضع السابق.
(٣) أبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.
(٤) أحمد (٥/ ٣٨٥). الترمذي (٥/ ٦٠٩) ٥٠ - كتاب المناقب ١٦٠ - باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما. وقال: حديث حسن.
(٥) أحمد (٤/ ١٢٦). مسلم (٢/ ٥٩٢) ٧ - كتاب الجمعة. ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة. أبو داود (٤/ ٢٠١) كتاب السنة- باب في لزوم السنة. الترمذي (٥/ ٤٤) ٤٢ - كتاب العلم- ١٦ - باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٦) النهاية جـ ١ ص ٧٩؟
(٧) كشاف اصطلاحات الفنون جـ ١.
[ ١ / ٣٦٠ ]
٦ - ابن رجب الحنبلي يقول:
والمراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة ٧ - ويقول ابن حجر العسقلاني:
والبدعة: أصلها ما أحدث على غير مثال سابق. وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة ..
ويقول في موضع آخر: والمحدثات جمع محدثة- والمراد بها- أي في حديث "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢) ما أحدث وليس له أصل في الشرع- ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة.
٨ - ويقول ابن حجر الهيثمي:
وهي- أي البدعة- لغة: ما كان مخترعًا .
وشرعًا: ما أحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص والعام (٣).
٩ - وقال الزركشي:
البدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم (٤).
١٠ - وقال الشيخ محمد نجيب في رسالته عن البدعة:
إن البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام إلخ فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم.
(٢) البخاري (٥/ ٣٠١) ٥٣ - كتاب الصلح. ٥ - باب إد اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. مسلم (٢/ ١٢٤٢) ٢٠ - كتاب الأقضية ٨ - باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. أبو داود (٤/ ٢٠٠) كتاب السنة- باب في لزوم السنة.
(٣) التبيين بشرح الأربعين ص ٢٢١.
(٤) الإبداع ص ٢٢.
[ ١ / ٣٦١ ]
١١ - وقال الدكتور دراز ما مضمونه:
صارت كلمة البدعة في الاستعمال الشرعي إلى معنى أخص من معناها في الاستعمال اللغوي، فلا تتناول على حقيقتها الشرعية في الصدر الأول إلا ما هو باطل، وهو تلك الطرائق المخترعة التي ليس لها مستند من كتاب أو سنة أو ما استنبط منهما (١).
_________________
(١) الميزان بين السنة والبدعة ص ٥.
[ ١ / ٣٦٢ ]