قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٢).
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٤).
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥).
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٦).
وهذه بعض النصوص الحديثية في شرف هذه الأمة وشرف الانتساب إليها:
١١٩ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
_________________
(١) الأنبياء: ٩٢.
(٢) المؤمنون: ٥٢.
(٣) فصلت: ٣٣.
(٤) الحج: ٧٨.
(٥) البقرة: ١٤٣.
(٦) آل عمران: ١١٠.
(٧) البخاري (٨/ ٣٣٤) ٦٥ - كتاب التفسير ٧ - باب (كنتم خير أمة أخرجت للناس). موقوفًا. وقد أخرجه موفوعًا بنحوه (٦/ ١٤٥) ٥٦ - كتاب الجهاد ١٤٤ - باب الأسارى في السلاسل. قال ابن حجر: (خير الناس للناس): أي خير بعض الناس لبعضهم: أي أنفعهم لهم، وإنما كان كذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم. وقال الحافظ: رواه البخاري من غير هذا الوجه مرفوعًا. وقال ابن كثير وغيره: والصحيح أن هذه عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه.
[ ١ / ١٢٦ ]
١٢٠ - * رواه الترمذي عن بهز بن حكيم ﵁، عن أبيه عن جده، أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله".
١٢١ - مروى الترمذي عن عبد الله بن بسر ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء".
١٢٢ - * روى مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا، أو نصرانيًا".
قال: فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالذي لا إله إلا هو ثلاث مرات: أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ؟ قال: فحلف له، فلم يحدثني سعيد - هو ابن أبي بردة - أنه استحلفه، ولم ينكر على عون - هو ابن عتبة - قوله.
وفي رواية "إذا كان يوم القيامة دفع اله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار".
١٢٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله [له] فغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى" فسكت، ثم قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده". ليس فيه عند مسلم ذكر الغسل.
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٢٢٦) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٤ - باب من سورة آل عمران. وقال حديث حسن وحسنه الحكام وغيرهما. قال الحافظ عنه: حديث حسن صحيح.
(٢) الترمذي (٢/ ٥٠٦) كتاب الصلاة ٤٢٧ - باب ذكر من سيما هذه الأمة إلخ. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وهو حديث صحيح.
(٣) مسلم (٤/ ٢١١٩) ٤٩ - كتاب التوبة ٨ - باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله. قال النووي: (الفكاك): الخلاص والغداء. وقال معناه: أن لكل أحد منزلًا في الجنة ومنزلًا في النار كما في الحديث، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره.
[ ١ / ١٢٧ ]
وفي رواية نحوه (١)، وفيه ذكر الغسل.
وفي رواية للبخاري (٢) "نحن الآخرون السابقون " لم يزد.
وفي أخرى لمسلم (٣) "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة " وذكر نحوه.
وفي أخرى له (٤) قال: "أضل الله ﷿ عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي [لهم] قبل الخلائق".
وفي رواية (٥) للبخاري ومسلم والنسائي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له".
زاد النسائي: "يعني يوم الجمعة، ثم اتفقوا، فالناس لنا تبع، اليهود غدًا، والنصار بعد غدٍ".
_________________
(١) البخاري (٢/ ٢٨٢) ١١ - كتاب الجمعة ١٢ - باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل الخ. ومسلم (٣/ ٥٨٥) ٧ - كتاب الجمعة ٦ - باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة. والنسائي (٣/ ٨٥) ١٤ - كتاب الجمعة ١ - باب إيجاب الجمعة.
(٢) مسلم (٣/ ٥٨٣) ٧ - كتاب الجمعة ٢ - باب الطيب والسواك يوم الجمعة.
(٣) البخاري (١/ ٣٤٥) ٤ - كتاب الوضوء ٦٨ - باب البول في الماء الدائم.
(٤) مسلم (٣/ ٥٨٥) الموضع السابق.
(٥) مسلم (٣/ ٥٨٦) الموضع السابق.
(٦) البخاري (٦/ ٥١٥) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء. ومسلم (الموضع السابق). والنسائي (الموضع السابق). (بيد أنهم): بيد بمعنى غير، تقول: هو كثير المال، بيد أنه بخيل أي: غير أنه بخيل.
[ ١ / ١٢٨ ]
١٢٤ - * روى ابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال أن الأمة الأمية ونبيها فنحن الآخرون الأولون".
١٢٥ - * روى البخاري عن سهل بن سعد ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا - أو سبعمائة ألفٍ - سماطين آخذ بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
١٢٦ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة - هم سبعون ألفًا - تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اجعله منهم" ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله ﷿ أن يجعلني منهم، فقال: "سبقك [بها] عكاشة".
ولمسلم (٤): أن النبي ﷺ قال: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله لنا أن يجعلني منهم، فقال: "اللهم اجعله منهم" ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "سبقك بها عكاشة".
_________________
(١) ابن ماجه (٣/ ١٤٣٤) - كتاب الزهد ٣٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ. وفي الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٢) البخاري (١١/ ٤١٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٥١ - باب صفة الجنة والنار. (سماطين): السماطان من النخل ومن الناس: الجانبان، يقال: مشى بين السماطين: إذا مشى بين صفين من الناس، قال محقق الجامع: بالنصب على الحال، ويجوز فيه: سماطان، وفي نسخ البخاري المطبوعة: متماسكين، وفي بعض الروايات: متماسكون.
(٣) البخاري (١١/ ٤٠٦) ٨١ - كتاب الرقاق ٥٠ - باب يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب. ومسلم (١/ ١٩٧) ١ - كتاب الإيمان ٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة الخ.
(٤) مسلم الموضع السابق.=
[ ١ / ١٢٩ ]
وفي أخرى (١) قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا، زمرة واحدة منهم على صورة القمر".
١٢٧ - * روى الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، ومع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثياتٍ من حثياتِ ربي".
١٢٨ - * روى أحمد، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ "يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاثة وأكثر من ذلك وأقل فيقال له هل بلغت قومك فيقول: نعم فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم فيقولون: لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول محمد وأمته، فتدعي أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا، فيقولون نعم فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، قال: فذلكم قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
١٢٩ - * روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ في قوله ﷿ ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﵌ وأمته شهدوا له بالبلاغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا.
_________________
(١) = (١) مسلم الموضع السابق. (زمرة): الزمرة: الطائفة من الناس والجماعة منهم. (ثمرة): الثمرة، جمعها: أثمار. وهي ثوب مخطط.
(٢) الترمذي (٤/ ٦٢٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ١٢ - باب منه حدثنا الحسن بن عرفة الخ. وإسناده حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والطبراني، وقاله الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (حثيات): الحثيات جمع حثية، وهي الغرفة بالكف، يقال: حثا يحثو ويحثي.
(٣) أحمد (٣/ ٥٨). وهو حديث صحيح. ابن ماجه (٢/ ١٤٢٢) ٣٧ - كتاب الزهد ٢٤ - باب صفة أمة محمد ﷺ.
(٤) المستدرك (٢/ ٣١٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
[ ١ / ١٣٠ ]
١٣٠ - * روى أحمد والترمذي عن بريدة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم".
١٣١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال" كنا مع النبي ﷺ في قبة نحوًا من أربعين، فقال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " فلنا: نعم، قال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قلنا: نعم، قال: "والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذلك: أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر".
وفي رواية الترمذي (٣) مثله، إلا أنه قال: "أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة " وذكره.
١٣٢ - * روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ قال لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى الآية ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذاك؟ " قالوا: الله ورسول أعلم قال: "ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يارب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" فأنشأ المسلمون يبكون، فقال النبي ﷺ: "قاربوا وسددوا، فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان
_________________
(١) أحمد (٥/ ٣٤٧ - ٣٥٥). وإسناده الحديث صحيح. والترمذي (٤/ ٦٨٣) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ١٣ - باب ما جاء في صفة أهل الجنة. وقال: هذا حديث حسن.
(٢) البخاري (١١/ ٣) ٨١ - كتاب الرقاق ٤٥ - باب الحشر. ومسلم (١/ ٣٠٠) ١ - كتاب الإيمان ٩٥ - باب كون هذه الأمة نصنف أهل الجنة.
(٣) الترمذي (٤/ ٦٨٤) ٣٩ - كتاب صفة الجنة ١٣ - باب ما جاء في صف أهل الجنة.
(٤) الترمذي (٥/ ٢٢٢) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٣٣ - باب ومن سورة الحج. وقال: حسن صحيح. (قاربوا وسددوا): المقاربة في الفعل: القصد والعدل، والسداد: الصواب من القول والفعل، أي: اطلبوا القصد والصواب، واتركوا الغلو والإفراط.
[ ١ / ١٣١ ]
بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة"، فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا، قال: ولا أدري: أقال الثلثين أم لا؟
وفي رواية قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفاوت أصحابه في السير، فرفع رسول الله ﷺ صوته بهاتين الآيتين ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فلما سمع ذلك أصحابه حثوا للطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم ينادي الله فيه آدم، فيناديه ربه، فيقول: يا آدم، ابعث بعث النار، فيقول: أي رب وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة" فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله ﷺ الذي بأصحابه، قال: "اعملوا وأبشروا، فو الذي نفس محمد بيده، إنكم لمع خليقتين، ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ومن مات من نبي آدم، ومن بني إبليس".
فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: "اعملوا وابشروا، فو الذي نفس محمد بيده، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة".
_________________
(١) = (الرقمة): الهنة التي تكون في باطن عضدي الحمار، وهما رقمتان في غضديه. (حثوا): حث الدابة: الإسراع بها في السير، وحملها عليه. (المطي): جمع مطية، وهي الإبل. (أبدوا بضاحكة): يقال: ما أبدي القوم بضاحكة، أي: ما تبسموا حتى تبدوا منها السن الضاحكة، فإن من تبسم أدنى تبسم بدت أسنانه. ويقال في المبالغة: ضحك حتى بدت نواجذه، وهي أواخر الأضراس. (كثرتاه): تقول: كاثرته فكثرته: إذا غلبته بالكثرة، وكنت أكثر منه. (فسرى): سري عن الحزين والمغموم ونحوهما: إذا كشف عنه ما به وزال.
[ ١ / ١٣٢ ]
١٣٣ - * روى أحمد عن علي بن خالد أن أبا إمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلكم في الجنة ألا من شرد على الله شراد البعير على أهله".
١٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى أوشرد على الله شراد البعير" قيل يا رسول الله ومن أبي أن يدخل الجنة؟ فقال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار".
١٣٥ - * روى أحمد وأبو داود عن زيد بن أرقم، ﵁، كما مع رسول الله ﷺ، فنزلنا منزلًا، فقال: "ما أنتك جزء من مائة ألف جزء ممن يرد على الحوض" قيل: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة، أو ثمانمائةٍ.
١٣٦ - * روى أحمد عن أبي كعبٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "بشر هذه الأمة - وروي: بشر الأئمة - بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب".
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٥٨). مجمع الزوائد (١٠/ ٧٠) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير علي بن خالد وهو ثقة. والمستدرك (٤/ ٢٤٧) وسكت عنه.
(٢) مجمع الزوائد ١٠/ ٧٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد (٤/ ٢٦٧، ٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٢). أبو داود (٤/ ٢٣٧) كتاب السنة ٢٦ - باب في الحوض. المستدرك (١/ ٧٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) المسند (٥/ ١٣٤). مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٠) وقال: رواه أحمد وابنه من طرق ورجال أحمد الصحيح. والحاكم (٤/ ٣١١) وقال: صحيح الإسناد ول يخرجاه ووافقه الذهبي. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (١/ ٣١١). وهو حديث صحيح.
[ ١ / ١٣٣ ]
١٣٧ - * أخرج الحاكم عن قتادة في قوله تعالى ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال، قال أنس: ذهب رسول الله ﷺ وبقيت النقمة ولم ير الله نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ولم يكن نبي إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ.
١٣٨ - * روى البزار عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "أنا حظكم من الأنبياء وأنتم حظي من الأمم".
١٣٩ - * روى أحمد عن أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ﷿ يقول يا عيسى إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يارب كيف لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي".
١٤٠ - * روى الحاكم عن عوف بن مالك الأشجعي قال: نزلنا مع رسول الله ﵌ فاستيقظت من الليل فإذا لا أرى في العسكر شيئًا أطول من موخرة رحلي لقد لصق كل إنسان وبعيره بالأرض فقمت أتخلل الناس حتى دفعت إلى مضجع رسول الله ﵌، فإذا ليس فيه فوضعت يدي على الفراش فإذا هو بارد فخرجت أتخلل الناس أقول إنا إليه راجعون ذهب برسول الله ﵌ حتى خرجت من العسكر كله فنظرت سوادًا فرميت بحجر فمضيت إلى السواد فإذا معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وإذا بين أيدينا صوت كدوى الرحا أو كصوت الحصباء حين يصيبها
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٤٤٧) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). وقال: رواه البزار ورجاله الصحيح غير أن حبيبة الطائي وقد صحح له الترمذي حديثًا وذكره ابن حبان في الثقات. وله شاهد عند أحمد (٣/ ٤٧١) وهي جزء من حديث طويل.
(٣) المسند (٦/ ٤٥٠) ومجمع الزوائد (١٠/ ٦٧). وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط. ورجاله أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان. المستدرك (١/ ١٤، ٦٧).
(٤) المستدرك (١/ ٦٧). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواته كلهم ثقات على شرطها =
[ ١ / ١٣٤ ]
الريح فقال بعضنا لبعض: يا قوم اثبتوا حتى تصبحوا أو يأتيكم رسول الله ﵌ قال: فلبثنا ما شاء الله ثم نادى" أثم معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وعوف ابن مالك" فقلنا: أي نعم فأقبل إلينا فخرجنا نمشي معه لا نسأله عن شيء ولا نخبره بشيء فقعد على فراشه فقال: "أتدرون ما خيرني به ربي الليلة" فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: "فإنه خيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة" قلنا: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنا من أهلها قال: "هي لكل مسلم".
١٤١ - * روى أحمد عن أبي جمعة قال: تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله: أحد أفضل منا أسلمنا معك وجاهدنا معك.
قال: "نعم قوم يكونون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني".
الأفضلية هنا من حيثية أن هؤلاء آمنوا ولم يشاهدوه فلهم فضل على الصحابة من هذه الحيثية، أما فضل أصحاب رسول الله ﷺ بحيثية الصحبة فلا يلحقهم أحد.
١٤٢ - * روى البزار عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "أي الحلق أعجب إيمانًا" قالوا الملائكة قال: "الملائكة كيف لا يؤمنون" قالوا النبيون قال: "النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون" قالوا: الصحابة قال: "الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون ولكن أعجب الناس إيمانًا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتاباُ من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه فهم أعجب الناس إيمانًا أو الخلق إيمانًا".
_________________
(١) = جميعًا وليس له علة وليس في سائر أخبار الشفاعة وهي لكل مسلم. وقال الذهبي: على شرط مسلم.
(٢) أحمد (٤/ ١٠٦). ومجمع الزوائد (١٠/ ٦٦). وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات.
(٣) مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥). وقال: رواه البزار وقاله غريب من حديث أنس. قال الهيثمي: فيه سعيد بن بشير وقد اختلف فيه فوثقه قوم وضعفه آخرون، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه الدارمي والحكام وصححه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ١٣٥ ]
أقول:
الخصوصية لا تقتضي الأفضلية المطلقة إلا إذا كانت كذلك، فخصوصية هؤلاء بالفضل من هذه الحيثية التي ذكرها رسول الله ﷺ لكن الفضل بإطلاق إنما هو للنبيين ثم الصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين والله أعلم، وأصحاب رسول الله ﷺ هم أفضل الخلق بعد النبيين لحيثية الصحبة.
١٤٣ - * روى الطبراني عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجالٍ من أصحابي رجالًا ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب" ثم قرأ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
١٤٤ - * روى الطبراني والبزار على رفاعة بن عرابة، قال: صدرنا مع رسول الله ﷺ فجعل أناس يستأذنون رسول الله ﷺ فجعل يأذن لهم، فقال رسول الله ﷺ: "ما بال شق الشجرة التي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليكم من الشق الآخر" فلا ترى من القوم إلا باكيًا، فقال أبو بكر: إن الذي يستأذنك في نفسي بعدها لسفية فقال رسول الله ﷺ فحمد الله وأثني عليه وقال: "أشهد عند الله - وكان إذا حلف قال: والذي نفس محمد بيده - ما منكم من أحدٍ يؤمن بالله ثم يسدد إلا سلك الجنة ولقد وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوأوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذراريكم مساكن في الجنة ثم قال: إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه ينزل الله ﷿ إلى سماء الدنيا فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني أعطيه؟ من ذا الذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له؟ حتى ينصدع الفجر".
_________________
(١) المعجم الكبير (٦/ ٢٠١). ومجمع الزوائد (١٠/ ٤٨) وقال: رواه الطبراني وإسناده جيد.
(٢) المعجم الكبير (٥/ ٤٩ - ٥١). مجمع الزوائد (١٠/ ٤٨) وقال: رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح.
[ ١ / ١٣٦ ]
في هذا الحديث دليل على فضل الصحبة، وأن الصحابة مقدمون في دخول الجنة على غيرهم. والسبعون ألفًا المذكرون في هذا الحديث ممن يأتون بعد الصحابة، فهم غير السبعين ألفًا الذين سيكون منعهم عكاشة بن محصن. والله أعلم.
١٤٥ - * روى البزار والطبراتي في الأوسط بن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره".
١٤٦ - * روى أحمد بن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ "مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أخره؟ ".
١٤٧ - * روى الترمذي عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " مثل أمتي مثل المطر: لا يدرى آخره خير، أم أوله؟ ".
١٤٨ - * روى أحمد عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ طلع راكبان فلما رآهما قال "كنديان مذحجيان" حتى إذا أتياه قال: فدنا أحدهما إليه ليبايغه قال: فلما اخذ بيده قال: يا رسول الله: أرأيت من رآك وآمن بك وصدقك واتبعك ماذا له قال: "طوبى له" فمسح على يده وانصرف ثم أقبل الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه قال: أرأيت يا رسول الله من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك قال: "طوبى له ثم طوبى له" قال فمسح على يده وانصرف.
_________________
(١) مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفي إسناد البزار حسن، وقال: لا يروى عن النبي ﷺ بإسناد أحسن من هذا.
(٢) أحمد (٤/ ٣١٩). مجمع الزوائد (١٠/ ٦٨). قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد ببن سليكان الأغر وهما ثقتان وفي عبيد خلاف لا يضر.
(٣) الترمذي (٥/ ١٥٢). وقال: هذا حديث حسن.
(٤) أحمد (٤/ ١٥٢). مجمع الزوائد (١٠/ ٦٧). وقال: رواه أحمد ورجاله الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع.
[ ١ / ١٣٧ ]
١٤٩ - * روى أحمد والطبراني عن أبي إمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "طوبي لمن رآني وآمن بي، وطوبي لمن آمن بي ولم يرني" سبع مرات.
١٥٠ - * روى ابن خزيمة في صحيحه عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي".
* * *
وبعد: فإن ما فضلت به هذه الأمة وفضل به رسولها ﷺ أكثر مما يحصى، وخاصة هذا القرآن العظيم المعجزة المتجددة الخالدة، وإنما ذكرنا بعضًا من الأحاديث في فضل هذه الأمة سابقها ولاحقها هنا حتى لا يخلو قسم العقائد من مثل هذا الموضوع، فالإيمان بفضل هذه الأمة على غيرها من المعلومات من الدين بالضرورة، وقد جرت عادة المؤلفين في العقائد أن يدخلوا في كتبهم موضوع الفاضل والأفضل من الرجال والأعمال والأمم، واكتفينا هنا بذكر فضل هذه الأمة ليحرص المسلم على الانتماء ويستشعر شرف ذلك ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
* * *
_________________
(١) أحمد (٥/ ٢٤٨). المعجم الكبير (٨/ ٣١١). مجمع الزوائد (١٠/ ٦٧) وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح غير أيمن من مالك الأشعري وهو ثقة. كذا في المجمع، والحديث بطرقه صحيح.
(٢) صحيح ابن خزيمة (١/ ١٣٢). وأحمد (٥/ ٣٨٣). ومسلم (١/ ٣٧١) ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة. وهو عند أحمد ومسلم باختلاف يسير.
[ ١ / ١٣٨ ]