٣٨٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنَّا قد رأينا إخواننا". قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: "أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتي بعد". قالوا: كيف تعرفُ من لم يأت بعدُ من أمتك يا رسول الله؟ قال: "أرأيت لو أن رجلًا له خيلٌ غُرٌ مُحجلةٌ بين ظهري خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيله". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "فإنهم يأتون غُرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطُهم على الحوض، فليُذادن رجالٌ عن حوضي، كما يُذادُ البعير الضال، أُناديهم: ألا هضلُم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك؟ فأقول: سُحقًا، سُحقًا".
أقول (التبديل): تحتمل ههنا البدعة وتحتمل الفسوق العملي وتحتمل الردة، والنص ههنا: في الأمة المحمدية عامة وفي هذه الأمة وُجد مبتدعة وفساق ومرتدون.
٣٨١ - * روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إني على الحوض أنظُر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذُ ناس دُوني، فأقول: يا رب، مني ومن أُمتي".
وفي رواية (١) "فأقول: أصحابي. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم".
أقول: هناك ناس ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ وقتلوا أو ماتوا على الردة، فالمراد
_________________
(١) مسلم (١/ ٢١٨) -٢ - كتاب الطهارة -١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الضوء. يهم: البُهم: جمع بهيم، وهو اللون الواحدُ الذي لا يشاركه فيه لون آخر، أسود كان أو غيره. ليذادن: ذدتُ فلانًا عن كذا: إذا دفعتُه عنه، أذوده ذودًا. سُحقًا: تقول: سحقًا لفلان، أي: بعدًا له، والسحق: البعد.
(٢) البخاري (١١/ ٤٦٦) -٨١ - كتاب الرقاق -٥٣ - باب في الحوض. وقول الله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. مسلم (٤/ ١٧٩٤) -٤٣ - كتاب الفضائل -٩ - باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته.
(٣) البخاري ومسلم، الموضع السابق.
[ ١ / ٣١٤ ]
بالنص هؤلاء، والله أعلم. ولم يرتد من الصحابة الحقيقيين أحد، وإنما ارتد بعض جفاة الأعراب، ومع ذلك فقد رجع قسم كبير منهم إلى الإسلام فتابوا وحسنت توبتهم، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالرجوع: القهقري، أي إن البعض تأخر عما كان عليه في زمن الرسول ﵊، فواقع بعض الناس ما لا يستأهلون معه الورود إلى الحوض.
٣٨٢ - * روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول وهو بين ظهراني أصحابه: "إني على الحوض أنتظر من يردُ عليَّ منكم، فوالله ليقطعن دوني رجالٌ، فلأقولن: أي ربِّ، مني ومن أُمتي. فيقول: إنك لا تدري ما عَمِلوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم".
٣٨٣ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي"- أو قال: "من أمتي - فيحلؤون عن الحوض، فأقول: يارب، أصحابي. فيقول: إنه لا عِلم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري". وفي رواية (١): "فيُجلون".
الظاهر من هذا النص أن بعض الروايات فيمن يرد عن الحوض رواها بعضهم بالمعنى، فذكر أحيانًا الأمة، وأحيانًا الصحابة، ورجح بعضهم من خلال الاستقراء أن المراد بهذه النصوص كلها الأمة ولكن تشبث زائغو القلوب بكلمة الأصحاب والصحابة ليطعنوا بالصحابة رضوان الله عنهم، ونحن نعتقد أن الصحابة كلهم عدول، وعلى فرض أن المراد ببعض النصوص الصحابة فهؤلاء لا تتوافر فيهم شروط الصحبة في الاصطلاح؛ لأن من شرط ثبوت الصحبة أن يجتمع برسول الله ﷺ مؤمنًا به ويموت على ذلك، ومن ارتد فمات كافرًا لا يعتبر من الصحابة، ولكن الرسول ﵊ في الموقف يسميهم صحابة بالنسبة لمعرفته لذلك في الدنيا.
_________________
(١) مسلم، الموضع السابق. ليقتطعن: الاقتطاع: أخذ طائفة من الشيء، تقول: اقتطعت طائفة، من أصحابه: إذا أخذتهم دونه.
(٢) البخاري (١١/ ٤٦٥)، الموضع السابق.
(٣) البخاري (١١/ ٤٦٤)، الموضع السابق.
[ ١ / ٣١٥ ]
وإنما أوردنا هذه النصوص في بحث نواقض الشهادتين للإشعار بأن هناك ناسًا يدخلون الإسلام ثم يرتكبون ناقضًا من نواقض الشهادتين.
وللبخاري (١): أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا قائم على الحوض: إذا زُمرةً، حتى عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمَّ فقلتُ: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله. فقلتُ: ما شأنُهم؟ فقال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقري. ثم إذا زُمرةٌ أخرى، حتى إذا عرفتُهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم. قلتُ: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم".
ولمسلم (٢): أن رسول الله ﷺ قال: "تَردُ عليَّ أمتي الحوض، وأنا أذُودُ الناس عنه، كما يذود الرجلُ إبل الرجلِ عن إبله". قالوا: يا نبيَّ الله تعرفُنا؟ قال: "نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون غرًا مُحجلين من آثار الوضوء وليصدن عني طائفةٌ منكم، فلا يصلون، فأقول: يا ربِّ، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملكٌ، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ ".
وفي أخرى (٣) قال: "إن حوضي أبعدُ من أيلةَ من عدنٍ، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصدُ الناس [عنه] كما يصد الرجلُ إبلَ الناس عن حوضه". قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذٍ؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم، تردُون عليَّ غُرًا محجلين
_________________
(١) البخاري (١١/ ٤٦٥)، الموضع السابق.
(٢) مسلم (١/ ٢١٧) -٢ - كتاب الطهارة -١٢ - باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٣) مسلم، الموضع السابق. فيحلؤون: أي: يُدفعون عن الماء، ويُطردون عن وروده، ومن رواه "فيجلون" بالجيم، فهو من الجلاء: النفي عن الوطن، وهو راجع إلى الطرد. زمرة الزمرة: الجماعة من الناس. هَمَل النعم النْعَمِ الهمَل: الإبل الضالة، والمعنى: أن الناجي منها قليل كهَمَل النْعم. لأسد الصد: المنع. سيما السيَّما: العلامة.
[ ١ / ٣١٦ ]
من أثر الوضوء".
٣٨٤ - * روى البخاري ومسلم عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك ﵁ أخبره أنه بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمينٍ بملةٍ غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عُذِب به يوم القيامة، وليس على الرجل نذرٌ فيما لا يملك".
وزاد في رواية (١): "ولعنُ المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله، ومن ذبح نفسهُ بشيء ذُبح به يوم القيامة".
وزاد في أخرى (٢): "ومن ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة".
وفي رواية الترمذي (٣): أن النبي ﷺ قال: "ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عذَّبه الله بما قتل [به] نفسهُ يوم القيامة".
٣٨٥ - * روى البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافرُ فهو كقتله".
٣٨٦ - * روى البخاري عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق أو بالكفر، إلا ارتدَّت عليه إن لم يكنْ
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٤٦٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن. مسلم (١/ ١٠٤) -١ - كتاب الإيمان -٤٧ - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه.
(٢) البخاري (١٠/ ٥١٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٧٣ - باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.
(٣) مسلم، الموضع السابق.
(٤) الترمذي (٥/ ٢٢) ٤١ - كتاب الإيمان ١٦ - باب ما جاء فيمن رمى أخاه بكفر. وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٥) كشف الأستار (٢/ ٤٣١). قال في المجمع (٨/ ٧٣): رواه البزار ورجاله ثقات.
(٦) البخاري (١٠/ ٤٦٤) -٧٨ - كتاب الأدب -٤٤ - باب ما ينهى عن السباب واللعن.
[ ١ / ٣١٧ ]
صاحبه كذلك".
٣٨٧ - * روى أحمد عن أبي ذر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتديت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك".
٣٨٨ - * روى البخاري عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: "من بدَّل دينهُ فاقتلوهُ".
٣٨٩ - * روى أبو داود عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا لم يعد إليه الإسلامُ سالمًا".
٣٩٠ - * روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: "من حمل علينا السلاح فليس منا".
وسيمر معنا في حد الردة في القسم الخامس نصوص تتعلق بالردة وأحكامها.
_________________
(١) أحمد (٥/ ١٨١). كشف الأستار (٢/ ٤٢١). قال في المجمع (٨/ ٧٣): رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) البخاري (٦/ ١٤٩) -٥٦ - كتاب الجهاد -١٤٩ - باب لا يُعذب بعذاب الله. أحمد (١/ ٢١٧). ابن ماجه (٢/ ٨٤٨) -٢٠ - كتاب الحدود -٢ - باب المرتد عن دينه.
(٣) أبو داود (٣/ ٢٢٤، ٢٢٥) - كتاب الأيمان والنذور- باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام. ابن ماجه (١/ ٦٧٩) -١١ - كتاب الكفارات -٣ - باب من حلف بملة غير الإسلام. المستدرك (٤/ ٢٩٨). وإسناده لا بأس به.
(٤) البخاري (١٣/ ٢٣) -٩٢ - كتاب الفتن -٧ - باب قول النبي ﷺ: "من حمل علينا السلاح فليس منا". مسلم (١/ ٩٨) -١ - كتاب الإيمان -٤٢ - باب قول النبي ﷺ: "من حمل علينا السلاح فليس منا". الترمذي (٤/ ٥٩، ٦٠) -١٥ - كتاب الحدود -٢٦ - باب ما جاء فيمن شهر السلاح. ابن ماجه (٢/ ٨٦٠) -٢٠ - كتاب الحدود -١٩ - باب من شهر السلاح. وهو عند ابن ماجه بلفظ: "من شَهَرَ".
[ ١ / ٣١٨ ]