٣٠٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون لهم: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: نعم فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فيقولون نعم فيفتح لهم".
وفي رواية (٢) عن جابر، قال: زعم أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به. ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى من رأى أحد رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل، فيفتح لهم به".
٣٠٦ - * روى البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم- قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا- ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن".
_________________
(١) البخاري (٦/ ٨٨) - ٥٦ - كتاب الجهاد- ٧٦ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب. مسلم (٤/ ١٩٦٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. (فئام): أي جماعة.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٦٢)، في الموضع السابق.
(٣) البخاري (٥/ ٢٥٨) - ٥٢ - كتاب الشهادات- ٩ - باب لا يشهد على شهادة زور إذا أشهد. مسلم (٤/ ١٩٦٤)، في الموضع السابق.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال الحافظ في الفتح: قوله: "خير أمتي قرني" أي أهل قرني، والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة، ويقال إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين [وهناك] ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهود
والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة. ا. هـ.
قوله: "يخونون ولا يؤتمنون"؛ قال النووي: ومعناه يخونون خيانة ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة. بخلاف من خاف بحقير مرة واحدة، فإنه يصدق عليه أنه خان، ولا يخرج به عن الأمانة في بعض المواطن. ا. هـ.
قوله: "يظهر فيهم السمن"؛ قال النووي: قال جمهور العلماء في هذا الحديث: المراد بالسمن، هنا، كثرة اللحم. ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم. وليس معناه أن يتمحضوا سمانا. قالوا: والمذموم منه من يستكسبه. وأما من هو فيه خلقة فلا يدخل في هذا، والمتكسب له هو المتوسع في المأكول والمشروب زائدا على المعتاد. ا. هـ.
وفي رواية (١) عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته".
قال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.
قوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته): قال النووي في شرح صحيح مسلم: هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته، ومعنى الحديث أنه يجمع بين اليمين والشهادة فتارة تسبق هذه وتارة هذه. ا. هـ.
قال الحافظ في الفتح: قوله (قال إبراهيم) وإبراهيم هو النخعي.
_________________
(١) البخاري (٥/ ٢٥٩) - ٥٢ - كتاب الشهادات- ٩ - باب لا يشهد على جور إذا أشهد. ومسلم (٤/ ١٩٦٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.=
[ ١ / ٢٥٠ ]
قوله (كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد) قال أبو عمر بن عبد البر: معناه عندهم النهي عن مبادرة الرجل بقوله أشهد بالله وعلي عهد الله لقد كان كذا ونحو ذلك. وإنما كانوا يضربونهم على ذلك حتى لا يصير لهم به عادة فيحلفوا في كل ما يصلح وما لا يصلح. ا. هـ.
وفي رواية (١) عن عائشة قالت: سأل رجل النبي ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث".
٣٠٧ - * روى مسلم عن أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء! قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال "مازلتم ههنا؟ " قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال "أحسنتم" أو "أصبتم". قال: فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون".
٣٠٨ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: أخبرتني أم مبشر؛ أنها سمعت النبي ﷺ يقول، عند حفصة: "لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة، أحد. الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله! فأنتهرها فقالت حفصة:
_________________
(١) = (١) مسلم (٤/ ١٩٦٥)، في الموضع السابق. (أمنة للسماء) قال العلماء: الأمنة والأمن والأمان بمعنى. ومعنى الحديث أن النجوم مادامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت. (وأنا أمنة لأصحابي) أي من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما أنذر به صريحا. وقد وقع كل ذلك. (فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون): معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم عليهم وانتهاك المدينة ومكة، وغير ذلك. وهذه كلها من معجزاته ﷺ.
(٢) مسلم (٤/ ١٩٦١) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥١ - باب بيان أن بقاء النبي ﷺ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة.
(٣) مسلم (٤/ ١٩٤٢) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٣٧ - باب من فضائل أصحاب أهل بيعة الرضوان ﵃.=
[ ١ / ٢٥١ ]
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١) فقال النبي ﷺ: "قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).
٣٠٩ - * روى البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
٣١٠ - * روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه".
قال الحافظ في الفتح:
قوله (فلو أن أحدكم) فيه إشعار بأن المراد بقوله أولا "أصحابي" أصحاب مخصوصون، وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: "لو أن أحدكم أنفق"، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٥) الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدرك النبي ﷺ ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب الأولى، وغفل من قال إن الخطاب بذلك لغير الصحابة وإنما المراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق.
[وقد ذكر الحافظ أنه في روايات أخرى ذكر سبب لهذا الحديث وهو ما وقع في أوله قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فذكر الحديث].
_________________
(١) مريم: ٧١.
(٢) مريم: ٧٢.
(٣) البخاري (٧/ ٢١) - ٦٢ - كتاب فضائل الصحابة- ٥ - باب قوله النبي ﷺ: "لو كنت متخذًا خليلا".
(٤) مسلم (٤/ ١٩٦٧) - ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة- ٥٤ - باب تحريم سب الصحابة ﵃.
(٥) الحديد: ١٠.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قوله (مد أحدهم ولا نصيفه) أي المد من كل شيء، والنصيف بوزن رغيف هو النصف
وقيل النصيف مكيال دون المد، والمد بضم الميم مكيال معروف [ويساوي ٦٧٥ غرامًا].
قال: والمراد به الفضل والطول قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد الطعام أو نصيفه. وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية. قلت: [أي ابن حجر] وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه. ا. هـ.
٣١١ - * روى مسلم عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة، قال: قالت لي عائشة يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ، فسبوهم.
ومن أقوال العلماء في الصحابة:
قال ابن الوزير في الروض الباسم: (إن الأدلة دلت على ما ذهب إليه أهل الحديث وغيرهم من قبول الصحابة ﵃، المعروف منهم بالعدالة، والمجهول الحال، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة).ا. هـ.
وقال الإمام ابن حبان في كتاب المجروحين:
فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة، وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله ﷺ، كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟
يقال له: إن الله -﷿- نزه أقدار أصحاب رسوله، عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم، وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٣١٧) - ٥٤ - كتاب التفسير- حديث (١٥).
(٢) آل عمران: ٦٨.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (١) فمن أخبر الله أنه لا يخزيه يوم القيامة، وقد شهد له بإتباع ملة إبراهيم حنيفًا، لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله -جل وعلا-: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي (٢) ﷺ: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". فيطلق النبي ﷺ إيجاب النار لمن أخبر الله -جل وعلا- أنه لا يخزيه في القيامة، بل الخطاب وقع على من بعد الصحابة، وأما من شهد التنزيل، وصحب الرسول ﷺ، فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله ﷺ، بحكم من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى ﷺ.
وإن من تولى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس، لبالحري من أن لا يجرح لأن رسول الله ﷺ لم يودع أصحابه الرسالة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، إلا وهم عنده صادقون جائزو الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك، لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه لأنه لو كان كذلك، لكان فيه قدح في الرسالة. وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا، وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى إلى من بعده، يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقًا، أو مبتدعًا ضالًا ينقص من الخبر أو يزيد فيه، ليضل به العالم من الناس، فمن أجله فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله -﷿- أقدار الصحابة عند البدع والضلال. جمعنا الله وإياهم في مستقر رحمته ا. هـ.
وقال الخطيب البغدادي -﵀- في الكفاية:
كل حديث اتصل إسناده بين من رواه، وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة، معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن.
_________________
(١) التحريم: ٨.
(٢) مسلم (١/ ١٠) - المقدمة- ٢ - باب تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال أبو زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، فاعلم أن زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة. ا. هـ.
وقال ابن الصلاح في علوم الحديث:
ثم إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع، إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر وكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة. ا. هـ.
قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب:
قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول.
وقال الخطيب في الكفاية: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
ونقل الإجماع محمد بن الوزير اليماني عن أل السنة وعن الزيدية والمعتزلة أيضًا وكذا الصنعاني في توضيح الأفكار. ا. هـ.
* * *
[ ١ / ٢٥٥ ]