٣٢٦ - * روى أبو داود عن أم الدرداء ﵂ قالت: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "كل ذنبٍ عسى أن يغفره الله" -أو قال: "عسى الله أن يغفره- إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدًا".
٣٢٧ - * روى البزار عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا أو قتل مؤمنًا متعمدًا".
هذا الحديث في ظاهره يدل على أنه لا يغفر للمؤمن الذي قتل مؤمنًا متعمدًا وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٣). وهذا مذهب ابن عباس، لكن جمهور السلف وجميع أهل السنة حملوا ما ورد من ذلك على من استحل القتل أو على الزجر والتغليظ والتنفير إذ ما عدا الشرك من الكبائر يجوز أن يغفر وإن مات صاحبه بلا توبة. وصحح أهل السنة قبول توبة القاتل كغيره وحملوا قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي إن شاء أن يجازيه، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) واستدلالًا بحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين ثم أتم المائة بقتل الراهب، فإذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهذه الأمة أولى لما خفف الله عليها من الأثقال هذا مع تضافر النصوص على ذلك (٥).
أقول: التحقيق أن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله وحق القتيل، وحق أهل القتيل: فالتوبة والقصاص، أو التوبة والدية يسقطان حق الله إن شاء وحق أهل القتيل، ويبقى حق القتيل، فإن شاء الله أرضاه وإن شاء عذب قاتله إلى أجل.
_________________
(١) أبو داود (٤/ ١٠٣) -كتاب الفتن والملاحم- باب في تعظيم قتل المؤمن- وإسناده حسن. أحمد (٤/ ٩٩). المستدرك (٤/ ٣٥١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. النسائي (٧/ ٨١) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -١ - باب أخبرنا هارون بن محمد وهو في الثلاثة الأخيرة عن معاوية بن أبي سفيان.
(٢) كشف الأستار (٤/ ١٢٤). ورجاله ثقات.
(٣) النساء: ٩٣.
(٤) راجع عون المعبود (٤/ ١٦٧).
(٥) النساء: ٤٨.
[ ١ / ٢٨٣ ]
٣٢٨ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
وفي رواية (٢): أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه سلم فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله". قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس". قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم"- يعني: بيمين هو فيها كاذب.
٣٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" -ثلاثًا- قلنا: بلى يا رسول الله. قال "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور" وكان متكئًا فجلس -فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
٣٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر، فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس -وقال: - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور- أو قال: شهادة الزور".
وفي رواية (٥): أن النبي ﷺ قال: "في الكبائر: الشرك بالله، وعقوق
_________________
(١) البخاري (١١/ ٥٥٥) -٨٣ - كتاب الإيمان والنذور -١٦ - باب اليمين الغموس. الترمذي (٥/ ٢٢٦) -٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب (ومن سورة النساء). النسائي (٧/ ٨١) -٢٧ - كتاب تحريم الدم -٣ - باب ذكر الكبائر.
(٢) البخاري (١٢/ ٢٦٤) -٨٨ - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم -١ - باب إثم من أشرك بالله (الغموس) اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة التي تغمس حالفها في الإثم. (يقتطع) الاقتطاع: الأخذ والانفراد بالشيء.
(٣) البخاري (٥/ ٢٦١) -٥٢ - كتاب الشهادات -١٠ - باب ما قيل في شهادة الزور. مسلم (١/ ٩١) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها. الترمذي (٥/ ٢٣٥) -٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٥ - باب (ومن سورة النساء). (الكبائر) جمع كبيرة، وهي الذنوب العظام.
(٤) البخاري (١٠/ ٤٠٥) ٨٧ - كتاب الأدب ٦ - باب عقوق الوالدين من الكبائر. مسلم (١/ ٩٢) الموضع السابق.
(٥) الترمذي (٥/ ٢٣٥) الموضع السابق. النسائي (٧/ ٨٩) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -٢ - باب ذكر الكبائر.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور".
٣٢١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك". قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك".
وفي رواية (٢): وتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٣).
٣٣٢ - * روى النسائي عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويجتنب الكبائر: كان له الجنة". فسألوه عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، والفرار يوم الزحف".
٣٣٣ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) البخاري (٨/ ١٦٣) -٦٥ - كتاب التفسير -٣ - باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. مسلم (١/ ٩٠) -١ - كتاب الإيمان -٢٧ - باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده. الترمذي (٥/ ٣٣٩) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن -٢٦ - باب (ومن سورة الفرقان). النسائي (٧/ ٨٩) ٢٧ - كتاب تحريم الدم -٤ - باب ذكر أعظم الذنب.
(٢) الترمذي (٥/ ٣٣٧) في الموضع السابق. النسائي (٧/ ٩٠)، الموضع السابق. ندا: الند: المثل. حليلة جارك: حليلة الرجل: زوجته، والرجل حليل امرأته. آثامًا: الآثام: الإثم، وقيل: هو العذاب.
(٣) الفرقان: ٦٨، ٦٩.
(٤) أخرجه النسائي (٧/ ٨٨) -٣٧ - كتاب تحريم الدم -٣ - ذكر الكبائر. وإسناده حسن.
(٥) البخاري (٥/ ٣٩٣) -٥٥ - كتاب الوصايا -٢٣ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾.=
[ ١ / ٢٨٥ ]
"اجتنبوا السبع الموبقات". قيل يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
٣٣٤ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تشربوا مسكرًا فمن فعل من ذلك شيئًا فأقيم عليه حده فهو كفارة ومن ستر الله عليه فحسابه على الله ﷿ ومن لم يفعل من ذلك شيئًا ضمنت له على الله الجنة".
٣٣٥ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الكبائر أولهن الإشراك بالله وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم وفرار يوم الزحف ورمي المحصنات والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته".
٣٣٦ - * روى الطبراني في الأوسط عن عبد الل بن أنيس الجهني عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أكبر الكبائر الشرك بالله واليمين الغموس".
٣٣٧ - * روى الطبراني عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ "إنما هي
_________________
(١) = مسلم (١/ ٩٢) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها. أبو داود (٣/ ١١٥) -كتاب الوصايا- باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم. النسائي (٦/ ٢٥٧) -٣٠ - كتاب الوصايا -١٢ - اجتناب أكل مال اليتيم. الموبقات: جميع موبقة، وهي: الخصلة المهلكة. قذف المحصنات: المحصنات: جمع محصنة، وهن العفائف ذوات الأزواج، وقذفهن: رميهن بالزنا. ولفظ المحصنات هنا عام في العفيفات متزوجات وغير متزوجات.
(٢) مجمع الزوائد (١/ ١٠٤). وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون إلا أنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، اهـ من المجمع. وقد حسنها المحققون.
(٣) كشف الأستار (١/ ٧٢). مجمع الزوائد (١/ ١٠٣). وقال: رواه البزار وفيه عمر بن أبي سلمة ضعفه شعبة وغيره ووثقه أبو حاتم وابن حسان وغيرهما اهـ من المجمع. وروى الطبراني نحوه عن سهل بن أبي حثمة عن أبيه (المعجم الكبير: ٦/ ١٠٣) وفيه ابن لهيعة.
(٤) مجمع الزوائد (١/ ١٠٥). وقال رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. اهـ من المجمع. وروى نحوه الترمذي (٥/ ٢٣٦). والبخاري (١١/ ٥٥٥) ولكن عنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٥) المعجم الكبير (٧/ ٢٩).=
[ ١ / ٢٨٦ ]
أربع" فما أنا بأشح مني عليهن يوم سمعتهن من رسول الله ﷺ "لا تشركوا بالله شيئًا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا".
٣٣٨ - * روى البزار عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: "الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط من رحمة الله".
٣٣٩ - * روى الطبراني عن ابن مسعود قال: الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. وفي رواية: أكبر الكبائر.
٣٤٠ - * روى الطبراني عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الزنا والشوة الخفية".
٣٤١ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الكبائر: شتم الرجل والديه". قال: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال؛ "نعم، يسب الرجل أبا الرجل وأمه، فيسب أباه وأمه".
وفي رواية (٥): "إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه .. " وذكر الحديث.
_________________
(١) = قال في المجمع (١/ ١٠٤): رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
(٢) كشف الأستار (١/ ٧١). قال في المجمع (١/ ١٠٤): رواه البزار والطبراني ورجاله موثقون.
(٣) المعجم الكبير (٩/ ١٧١). كشف الأستار (١/ ٧١). قال في المجمع (١/ ١٠٤): إسناده صحيح. وهو حديث حسن.
(٤) مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٥) وقال: رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الله بن بديل بن ورقاء وهو ثقة. يا نعايا العرب: نداء للتوبيخ وللتشهير، ومنه (نعى على قوم شهوتهم) أي عاب عليهم. الشهوة الخفية: شهوة النساء.
(٥) البخاري (١٠/ ٤٠٣) -٧٨ - كتاب الأدب -٤ - باب لا يسب الرجل والديه. مسلم (١/ ٩٢) -١ - كتاب الإيمان -٣٨ - باب بيان الكبائر وأكبرها. والترمذي (٤/ ٣١٢) -٢٨ - كتاب البر والصلة -٤ - باب ما جاء في عقوق الوالدين ولكن عنده عن عبد الرحمن ابن عمرو بن العاص.
(٦) أبو داود (٤/ ٣٣٦) -كتاب الأدب- باب في بر الوالدين.
[ ١ / ٢٨٧ ]
٣٤٢ - * روى البزار عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ "إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكن قد رضي بمحقراتٍ".
٣٤٣ - * روى البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم هذه ولكن قد رضي منكم بالمحقرات".
٣٤٤ - * روى أحمد عن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك أن يعمهم الله بعذاب".
ولفظ الطبراني: "لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد لزنا، فإذا ظهروا خشيت أن يعمهم الله بعقاب".
٣٤٥ - * روى الطبراني في الصغير والأوسط عن أنس بن مالكٍ قال: ذكر في زمن رسول الله ﷺ خسف قبل المشرق، فقال رجل: يا رسول يخسف بأرض فيها المسلمون؟ فقال: "نعم إذا كان أكثر أهلها الخبث".
ما ذكر في النصوص السابقة نماذج على الكبائر، وعرف بعضهم الكبائر بأنها كل معصية رتب عليها حد أو توعد عليها بالنار واللعنة والغضب وهذا مذهب ابن عباس والحسن البصري.
_________________
(١) كشف الأستار (٣/ ٣٣٣). قال في المجمع (١٠/ ٥٤): رواه البزار وإسناده حسن.
(٢) كشف الأستار، الموضع السابق. قال في المجمع (١٠/ ٥٤) رواه البزار: ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أحمد (٦/ ٣٣٣). المعجم الكبير (٢٤/ ٢٣). قال في المجمع (٦/ ٢٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع فالحديث صحيح أو حسن.
(٤) الروض الداني (١/ ٨٣). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩)، رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٢٨٨ ]