٢٨ - * روى مسلم عن الأغر المزني ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة".
قال ابن الأثير:
ليغانُ على قلبي: أي: ليغطى ويغشى، والمراد به، السهوُ، لأنه كان ﷺ لا يزال في مزيدٍ من الذكر والقربة ودوام المراقبة، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات، أو نسي، عده ذنبًا على نفسه ففزع إلى الاستغفار.
أقول:
"قال بعضهم مفسرًا هذا الحديث ناسبًا هذا التفسير إلى رؤيا رأى فيها رسول الله ﷺ، فذكر رسول الله ﷺ في المنام "أنه غين أنوار لا أغيار" ولا شك أن نوع الغين الذي يقع لقلب- رسول الله ﷺ غير ما يمكن أن يتوهمه بعض الناس من كون هذه الحالة حالة نقص في حقه ﵊، إلا أن في الحديث تحريضًا للمؤمنين أن يراعو قلوبهم ويكثروا من الاستغفار لجلائها".
٢٩ - * روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، ثم نزل القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل، كجمرٍ
_________________
(١) مسلم (٤/ ٢٠٧٥) ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ١٢ - باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه.
(٢) البخاري (١١/ ٣٣٣) ٨١ - كتاب الرقاق ٣٥ - باب رفع الأمانة. ومسلم (١/ ١٢٦) ١ - كتاب الإيمان ٦٤ - باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب. (جذر): الشيء، بفتح الجيم وكسرها: أصله. (الوكت): النقطة في الشيء من غير لونه. (المجل): غلظ الجلد من أثر العمل، وقيل: إنما هي النفاطات في الجلد.=
[ ١ / ٤٥ ]
دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا، وليس فيه شيءٌ- ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله- فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعلقه، وما في قلبه مثقال حبةٍ من خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه عليَّ دينُهُ، وإن كان نصرانيًا أو يهوديًا ليردنه عليَّ ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.
قال ابن التين: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هي الفرائض التي أمروا بها ونهوا عنها، وقال أبو بكر بن العربي: المراد بالأمانة في هذا الحديث الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب، فشبهه بالأثر في ظاهر البدن، وكنى عن ضعف الإيمان بالنوم، وضرب مثلًا لزهوق الإيمان عن القلب حالًا بزهوق الحجر عن الرجل حتى يقع بالأرض. (م).
قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا فإذا زال أول جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت- وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله- فإذا زال شيء آخر صار كالمجل- وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة- وهذه الظلمة فوق التي قبلها، ثم شبه زوال ذلك النور بعد وقوعه في القلب وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بحجر على رجله حتى يؤثر فيها ثم يزول الحجر ويبقى التنفط. (١)
_________________
(١) = (فنفط): يقال: نفطت يده نفطًا، من باب تعب، ونفيطًا إذا صار بين الجلد واللحم ماء. (منتبرًا) المنتبر: المنتفخ وليس فيه شيء، وكل شيء رفع شيئًا، فقد نبره ومنه اشتق المنبر. (ساعيه) الساعي: واحد السعاة، وهم الولاة على القوم، يعني أن المسلمين كانوا مهتمين بالإسلام، فيحتفظون بالصدق والأمانة، والملوك ذوو عدل، فما كنت أبالي من أعامل: إن كان مسلمًا رده إلي بالخروج عن الحق عمله بمقتضي الإسلام، وإن كان غير مسلم أنصفني منه عامله.
[ ١ / ٤٦ ]
٣٠ - * روى البخاري ومسلم عن علي بن الحسين ﵄ أن صفية زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان النبي ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي". فقالا: سبحان الله، فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا"- أو قال: شيئًا-.
٣١ - * روى الترمذي عن ثوبان ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة، فلو علمنا: أي المال خير فنتخذه، فقال رسول الله ﷺ: "أفضله: لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ صالحةٌ تُعينه علي إيمانه".
٣٢ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵄: عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه".
_________________
(١) البخاري (٤/ ٢٧٨) ٣٣ - كتاب الاعتكاف ٨ - باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد. ومسلم (٤/ ١٧١٢) ٣٩ - كتاب السلام ٩ - باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خاليًا بامرأة أن يقول هذه فلانة
(٢) الترمذي (٥/ ٢٧٧) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ١٠ - باب ومن سورة التوبة وقال: هذا حديث حسن.
(٣) التوبة: ٣٤.
(٤) البخاري (١١/ ٥٥٢) ٨٢ - كتاب القدر ٩ - باب (وحرام على قرية أهلكناها). ومسلم (٤/ ٢٠٤٦) ٤٦ - كتاب القدر ٥ - باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره.
[ ١ / ٤٧ ]
٣٣ - * روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، وإن عاد، زيد فيها، حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله" ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
٣٤ - * روى أبو داود والحاكم، عن عبد الله، قال: كنا لا ندري ما نقول إذا جلسنا في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ قد علم، فذكر نحوه، قال شريك: وحدثنا جامع- يعني ابن شداد- عن أبي وائل عن عبد الله، بمثله، قال: وكان يعلمنا كلمات ولم يكن يعلمناهن كما يعلمنا التشهد: اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها وأتمها علينا.
٣٥ - * روى الترمذي عن شهر بن حوشبٍ، قال: قلت لأم سلمة ﵂: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت: فقلت له: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك بهذا؟ قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ".
_________________
(١) أحمد في مسنده (٢/ ٢٩٧). والترمذي (٥/ ٤٣٤) ٤٨ - كتاب تفسير القرآن ٧٥ - باب "ومن سورة المطففين" وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٢/ ١٤١٨) ٣٧ - كتاب الزهد ٢٩ - باب ذكر الذنوب. (نكت) النكت: الأثر في الشيء. (الران) ران على قلبه، أي: غطى، وقيل: غلب.
(٢) المطففين: ١٤.
(٣) أبو داود (١/ ٢٥٤) كتاب الصلاة باب التشهد. والمستدرك (٢٦٥) وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
(٤) الترمذي (٤/ ٤٤٨) ٣٣ - كتاب القدر ٧ - باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن وقال: حديث حسن صحيح. أزاغ: الزيغ: الميل عن الاعتدال.
[ ١ / ٤٨ ]
٣٦ - * روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: أكثر ما كان النبي ﷺ: لا، ومقلب القلوب.
٣٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاصى ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحدٍ، يصرفه حيث يشاء" ثم قال رسول ﷺ: "اللهم مصرف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك".
٣٨ - * روى النسائي عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم أغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس".
٣٩ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر، فنادى بصوت رفيع، فقال: "يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" قال نافع، ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة، فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.
٤٠ - * روى الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه". قال: وقال ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه عمر- أو قال: ابن الخطاب شك خارجة- إلا نزل
_________________
(١) البخاري (١١/ ٥١٣) ٨٢ - كتاب القدر ١٤ - باب يحول بين المرء وقلبه.
(٢) مسلم (٤/ ٢٠٤٥) ٤٦ - كتاب القدر ٣ - باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء.
(٣) النسائي (١/ ٥١) ١ - كتاب الطهارة ٤٩ - باب الوضوء بماء الثلج- وإسناده حسن. (بماء الثلج والبرد): تخصيص الثلج والبرد تأكيد للتطهير ومبالغة فيه، لأن الثلج والبرد ماءان مفطوران على خلقتهما، لم يُستعملا ولم تنلهما الأيدي، ولم تخضهما الأرجل.
(٤) الترمذي (٤/ ٣٧٨) ٢٨ - كتاب البر والصلة ٨٥ - باب ما جاء في تعظيم المؤمن وقال: حسن غريب. وإسناده حسن. وابن حبان: الإحسان (٧/ ٥٠٦) وأبو يعلى بإسناد حسن.
(٥) الترمذي (٥/ ٦١٧) ٥٠ - كتاب المناقب ١٨ - باب في مناقب عمر بن الخطاب. وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
[ ١ / ٤٩ ]
فيه القرآن على نحو ما قال عمر.
٤١ - * روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان" قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٢).
٤٢ - * روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشافعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصًا مخلصًا من قلبه".
٤٣ - * روى النسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبدٍ أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبدٍ أبدًا". وفي أخرى "في قلب مسلمٍ" في الموضعين.
٤٤ - * روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل، قال: تلك يكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر التي موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا، قال: أنت لله أبوك، قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتة
_________________
(١) الترمذي (٤/ ٧١٤) ٤٠ - كتاب صفة جهنم ١٠ - باب منه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وإسناده صحيح.
(٢) النساء: ٤٠.
(٣) البخاري (١/ ١٩٣) ٣ - كتاب العلم ٣٣ - باب الحرص على الحديث.
(٤) النسائي (٦/ ١٣) ٣٥ - كتاب الجهاد ٨ - فضل من عمل في سبيل الله على قدمه. والترمذي (٤/ ١٧١) ٢٣ - كتاب فضائل الجهاد ٨ - باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله. وقال: حديث حسن صحيح وهو كما قال.
(٥) مسلم (١/ ١٢٨) ١ - كتاب الإيمان ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا. أشربها: أشرب القلب هذا الأمر: إذا دخل فيه وقبله وسكن إليه كأنه قد شربه.=
[ ١ / ٥٠ ]
سوداء؟ وأيُّ قلب أنكرها نكت فيه نكتةً بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ، ما دامت السموات والأرض، والآخر: أسود مربادًا، كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه" قال وحدثته: أن بينك وبينها بابا مغلقًا، يوشك أن يكسر قال عمر: أكسرا؟ لا أبالك، فلو أنه فتح؟ لعله كان يعاد، قال: لا، بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت، حديثًا ليس بالأغاليط. قال ربعيٌ: فقلت: يا أبا مالك- هو سعد بن طارق- ما أسود مربادًا؟ قال: شدة البياض في سوادٍ، قلت: فما الكوز مجخيًا؟ قال: منكوسا.
(كالحصير عودًا عودًا) قال الحميدي: في بعض الراويات "عرض الحصير" والمعني فيها: أنها تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس، يقال: حصره القوم: إذا أحاطوا به، وضيقوا عليه، قال: وقال الليث: حصير الجنب: عرق يمتد معترضًا على الجنب إلى ناحية البطن، شبه إحاطتها بالقلب بإحاطة هذا العرق بالبطن، وقوله "عودًا عودًا":
أي مرة بعد مرة، يقول: عاد يعود عودة وعودًا.
أقول:
هناك روايات تذكر بدل العَود العُودَ ويترتب على ذلك اختلاف في شرح الحصير وسمير معنا الحديث مرة أخرى.
٤٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد
_________________
(١) = نكت فيه نكت سوداء: أي أثر فيه أثرًا أسود، وهو دليل السخط ولذلك قال في حالة الرضى: نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين. أي على قسمين. مربادا: المرباد والمربد: الذي في لونه ربدة، وهي بين السواد والغبرة. كالكوز مجخيًا: المجخي: المائل عن الاستقامة والاعتدال هاهنا، وجحي الرجل في جلوسه، إذا جلس مستوفر، وجخي في صلاته: إذا جافى عضديه عن جوفه ورفع جوفه عن الأرض وخوى.
(٢) البخاري (١٣/ ٣٥) ٩٢ - كتاب الفتن ١١ - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة.=
[ ١ / ٥١ ]
هذا الخير من شر؟ قال: "نعم". قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم وفيه دخن". قلت وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هدبي، تعرف منهم وتنكر"، قلت: فهل بعد بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها". قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا". قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك".
ولمسلم (١) نحوه، وفيه قلت: "ما دخنه؟ قال: "قوم لا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس"، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: "تسمع وتُطيع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع".
٤٦ - * روى الترمذي عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر ﵃، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "يكون في آخر الزمان رجالٌ يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضأن من الين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم الذئاب، يقول الله تعالى: أبي يغترون، أم علي يجترئون؟ في حلفت، لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران".
ورواية ابن عمر أخصر من هذه، قال: قال النبي ﷺ: "إن الله قال: لقد خلفت خلقًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، في حلفت: لأتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، فبي يغترون، أم عليَّ يجترئون"؟.
_________________
(١) = ومسلم (٣/ ١٤٧٥) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٣ - باب وجوب ملازمة جماعة للمسلمين. مسلم (٣/ ١٤٧٦) في نفس الموضع السابق.
(٢) الترمذي (٤/ ٦٠٤) ٣٧ - كتاب الزهد ٥٩ - باب حدثنا سويد وقال حسن غريب. وهو حديث حسن. (يختلون): الختل: الخدع. (يجترئون): الاجتراء: الجسارة على الشيء. (لأتيحنهم): أتاح الله لفلان كذا، أي: قدره له.=
[ ١ / ٥٢ ]
٤٧ - * روى مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله: "غلظ القلوب والجفاءُ: في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز".
٤٨ - * روى مسلم عن أبي مسعود البدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلني منكم أولو الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشدُّ اختلافًا.
٤٩ - * روى أبو داود والنسائي عن أبي الجعد الضمري ﵁، وكانت له صحبةٌ: أن رسول ﷺ قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه".
وعند الترمذي (٤) "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه".
٥٠ - * روى مسلم عن أبي إدريس الخولاني ﵀، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال: فيما روي عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فأستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني،
_________________
(١) مسلم (١/ ٧٣) ١ - كتاب الإيمان ٢١ - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.
(٢) مسلم (١/ ٣٢٣) ٤ - كتاب الصلاة ٢٨ - باب تسوية الصفوف وإقامتها.
(٣) أبو داود (١/ ٢٧٧) كتاب الصلاة باب التشديد في ترك الجمعة. والنسائي (٣/ ٨٨) ١٤ - كتاب الجمعة ٢ - باب التشديد في التخلف عن الجمعة. وإسناده حسن، حسنه الرمذي وغيره، وصححه جماعة، وهو حديث صحيح بشواهده.
(٤) الترمذي (٢/ ٣٧٣) كتاب الصلاة باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر. (طبع الله على قلبه: الطبع والختم واحد، والمراد: أنه بتركه الجمعة قد أغلق قلبه وختم عليه، فلا يصل إليه شيء من الخير.
(٥) مسلم (٤/ ١٩٩٤) ٤٥ - البر والصلة ١٥ - باب تحريم الظلم.
[ ١ / ٥٣ ]
يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقي قلب رجل واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، [كانوا] على أفجر قلب رجلٍ واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
٥١ - * روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁، قال: دخلنا مع رسول الله صلى عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله ﷺ ابنه إبراهيم، فقلبه وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينًا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال ابن عوف: وأنت يا رسول الله، فقال: "يا ابن عوف، إنها رحمةٌ" ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إن العين تدمع، والقلب يخشع، ولا تقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم محزونون".
٥٢ - * روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا، يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا، قال "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار لسانه- أو يرحم".
_________________
(١) البخاري (٣/ ١٧٢) ٢٣ - كتاب الجنائز ٤٣ - باب قول النبي ﷺ إنا بك لمحزونون. ومسلم (٤/ ١٨٠٧) ٤٣ - كتاب الفضائل ١٥ - باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك. (الظئر): المرأة التي ترضع ولد غيرها بالأجرة، وزوج المرضعة يسمى ظئرًا. (يجود بنفسه): جاد المريض بنفسه: إذا قارب الموت، فكأنه سمح بخروج روحه.
(٢) البخاري (٣/ ١٧٥) ٢٣ - كتاب الجنائز ٤٤ - باب البكاء عند المريض. ومسلم (٢/ ٦٣٦) ١١ - كتاب الجنائز ٦ - باب البكاء على الميت.
[ ١ / ٥٤ ]
٥٣ - * روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، قالت: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ، فقال: إنكم تقبلون الصبيان، ولا نقبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ: "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ ".
٥٤ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ يومًا لأصحابه: "من يأخذ [عني] هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلم من يعمل بهن؟ " قال أبو أبو هريرة، قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي وعد خمسًا، فقال "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وأرض بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك، تميت القلب".
٥٥ - * روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول- وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه- "إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهاتٌ، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا ولكل ملكٍ حمي، ألا وإن حمى الله محارمة، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
٥٦ - * روى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العبد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، قال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد، أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت
_________________
(١) البخاري (١٠/ ٤٢٦) ٧٨ - كتاب الأدب ١٨ - باب رحمة الولد وتقبيله. ومسلم (٤/ ١٨٠٨) ٤٣ - كتاب الفضائل ١٥ - باب رحمة النبي ﷺ الصبيان.
(٢) الترمذي (٤/ ٥٥١) ٣٧ - كتاب الزهد ٢ - باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس. وقال: هذا حديث غريب. وهو حديث حسن.
(٣) البخاري (١/ ١٢٦) ٢ - كتاب الإيمان ٣٩ - باب من استبرأ لدينه. ومسلم (٣/ ١٢١٩) ٢٢ - كتاب المساقاة ٢٠ - باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(٤) مسلم (١/ ٦٩) ١ - كتاب الإيمان ٢٠ - باب بيان كون النهي عن النهي عن المنكر من الإيمان.
[ ١ / ٥٥ ]
رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
٥٧ - * روى مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".
٥٨ - * روى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه".
٥٩ - * روى مسلم والترمذي عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: لقيني أبو بكرٍ فقال: كيف أنت؟ يا حنظلة أنت؟ يا حنظلة! قال قلت: نافق حنظلة. قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال قلت: نكون عند رسول الله ﷺ: يذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأى عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ: عافشنا الأزواج والأولاد والضيعات؟ فنسينا كثيرًا. قال أبو بكر: فوالله! إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ. قلت: نافق حنظلة. يا رسول الله!
_________________
(١) مسلم في نفس الموضع السابق. (الحواريون): جمع حواري وهم الخاصة والأصحاب والناصرون. (الخلوف): جمع خلف: وهو القرن من الناس. وقد جرت العادة أن تطلق كلمة خلف على من يخلف غيره بسوءٍ. وبعضهم يقول: خلف صدق بالتحريك ويسكن الآخر في السوء للتفريق. وبعضهم جعلها سواء في التحريك والتسكين.
(٢) البخاري (٩/ ١٠١) ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ٣٧ - باب اقراؤا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم. ومسلم: (٤/ ٢٠٥٣) ٤٧ - كتاب العلم، ١ باب النهي عن متشابه القرآن.
(٣) مسلم (٤/ ٢١٠٦) ٤٩ - كتاب التوبة ٣ - باب فضل دوام الذكر والفكر. والترمذي (٤/ ٦٦٦) ٣٨ - كتاب صفة القيامة ٥٩ - باب حدثنا بشر بن هلال =
[ ١ / ٥٦ ]
فقال رسول الله ﷺ "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة. حتى كأنا رأي عينٍ. فإذا خرجنا من عندك، عافشنا. الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرًا. فقال رسول الله ﷺ "والذي نفسي بيده! إن لو تدومون على تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتهم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم. ولكن، يا حنظلة! ساعة وساعة" ثلاث مراتٍ.
وفي رواية لمسلم (١) عن حنظلة. قال: كنا عند رسول الله ﷺ. فوعظنا فذكر النار. قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة. قال فخرجت فلقيت أبا بكر. فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله ﷺ. فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة. فقال "مه" فحدثته بالحديث. فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال: "يا حنظلة! ساعة وساعة. ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق".
٦٠ - * روى أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من كثر همة فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت بن نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك: أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وغمي، ما قالها عبدٌ قط إلا أذهب الله غمه، وأبدله به فرجًا".
٦١ - * روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما قال
_________________
(١) = (المعافسة): المعالجة والممارسة والملاعبة. (الضيعات): المعايش.
(٢) مسلم في نفس الموضع السابق.
(٣) أحمد في مسنده (١/ ٣٩١) وذكره رزين وصححه ابن حبان. وهو حديث صحيح. المستدرك (١/ ٥٠٩) وقال: صحيح. ووافقه الذهبي.
(٤) الترمذي (٥/ ٥٧٥) ٤٩ - كتاب الدعوات ١٢٧ - باب ودعاء أم سلمة وقال حديث حسن.
[ ١ / ٥٧ ]
عبدٌ: لا إله إلا الله، مخلصًا من قلبه، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى يفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر".
٦٢ - * روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: "من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر".
قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نفعل ونفعل؟ قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
أقول: (المراد بالبيعة هنا التي تعطي لأمير المؤمنين، ولأهل العدل من السلاطين، وليست المراد بذلك البيعات التي تعورف عند الشيخ وأمثالهم ممن ليس لهم سلطان نافذ على الرعية).
٦٣ - * روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: لما جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، جئت أهب نفسي لك، فنظر إليها رسول الله ﷺ، فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله ﷺ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجلٌ من أصحابه، فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوجنيها، فقال: "فهل عندك من شيء؟ " فقال: لا والله
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٣٧٢) ٣٣ - كتاب الإمارة ١٠ - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول. وأبو داود (٤/ ٩٦) كتاب الفتن باب ذكر الفتن ودلائلها. (صفقة يده): كناية عن البيعة والعهد، وذلك: أن العادة في التبايع والبيعة: أن يطرح المشتري يده في يد البائع، وكذلك عند البيعة، ويصفق أحدهما يده على الآخر، هذا هو الأصل. (ثمرة قلبه): كناية عن الإخلاص فيما عاهده عليه والتزمه له.
(٢) البخاري (٩/ ١٣١) ٦٧ - كتاب النكاح ١٤ - باب تزويج المعسر. ومسلم (٢/ ١٠٤٠) ١٦ - كتاب النكاح ١٣ - باب الصداق. والموطأ (٢/ ٥٢٦) ٢٨ - كتاب النكاح ٣ - باب ما جاء في الصداق والحياء. وأبو داود (٢/ ٢٣٦) كتاب النكاح- باب التزويج على العمل يعمل. والترمذي (٣/ ٤٣١) ٩ - كتاب النكاح ٢٢ - باب ما جاء في مهور النساء .. وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٥٨ ]
يا رسول الله، فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر: هل تجد شيئًا؟ " فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئًا، فقال رسول الله ﷺ: "انظر ولو خاتمًا من حديد" فذهب، ثم رجع فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري- قال سهل: ماله رداء- فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ "ما تصنعُ بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسة قام، فرآه رسول الله ﷺ موليًا، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا، وسورة كذا- عددها- قال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن".
٦٤ - * روى الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين، منهم سهيل بن عمرو، وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله، قد خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا، وليس بهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقةً في الدين سنفقههم، فقال رسول الله ﷺ: "يا معشر قريش، لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الإيمان" قال أبو بكر وعمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "خاصف النعل" وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها، ثم التفت إلينا علي فقال: قال رسول الله ﷺ: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ من النار".
٦٥ - * روى البخاري ومسلم عن أبي ظبيان حصين بن جندب قال: سمت أسامة بن زيد يقول: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت
_________________
(١) الترمذي (٥/ ٦٣٤) ٥٠ - كتاب المناقب ٢٠ - باب مناقب علي بن أبي طالب. وقال: هذا حديث صحيح غريب. (يخصفها): خطف النعل يخصفها: إذا خرزها.
(٢) البخاري (١٢/ ١٩١) ٨٧ - كتاب الديات ٢ - باب قول الله ومن أحياها. مسلم (١/ ٩٦) ١ - كتاب الإيمان ٤١ - باب نحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.
[ ١ / ٥٩ ]
رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "أقال لا إله الله وقتلته؟ قال وقلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: "أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم أقالها، أم لا؟ " فما زال يكررها علي، حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ، قال: فقال سعدٌ: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين- يعني-: أسامة- قال: فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)؟ فقال سعد: قد قتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
٦٦ - * روى أبو داود عن علي أبي طالب ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حدث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء" قال: فما زلت قاضيًا، أو ما شككت في قضاء بعد.
وأخرجه الترمذي (٣)، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إذا تقاض إليك رجلان فلا تقض للأول " وذكر الحديث.
٦٧ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول ﷺ: "قال الله ﷿: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ
_________________
(١) الأنفال: ٣٩.
(٢) أبو داود (٣/ ٣٠١) كتاب الأقضية باب كيف القضاء. وأخرجه الترمذي. قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إذا تقاضى إليك رجلان، فلا تقضي للأول " وذكر الحديث وقال: هذا حديث حسن وهو كما قال.
(٣) الترمذي (٣/ ٦١٨) ١٣ - كتاب الأحكام ٥ - باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما. وقال: حسن. وهو كما قال.
(٤) البخاري (١٣/ ٤٦٥) ٩٧ - كتاب التوحيد ٣٥ - باب قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله). ومسلم (٤/ ٢١٧٤) ٥١ - كتاب الجنة. والترمذي (٥/ ٢٤٦) ٤٨ - كتاب التفسير ٣٣ - باب ومن سورة السجدة. وقال: حسن صحيح.
[ ١ / ٦٠ ]
مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١).
٦٨ - * روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زمرةٍ تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحدٍ منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا أختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا".
تعليق:
أكثرنا من الأحاديث، وأكثرنا من ذكر النصوص التي تتعلق بالقلب لأننا نرى أن علم إصلاح القلب على مقتضى الهدي النبوي قد طوى الكثيرون بساطه، وقل العارفون به، فكثرت أمراض القلوب وظهرت كثير من القلوب المريضة التي تتحدثت عنها النصوص من مثل قلوب الشياطين وقلوب الذئاب والقلوب التي هي أمر من الصبر، كما أن قضية القلب في المفهوم الفطري للنصوص قد طرأ عليها ما طرأ، وهذا كله يستدعي علاجًا وذكرًا وتذكيرًا وحسن تطيب ولذلك أكثرنا النقل عن القلوب ثم إن أشياء كثيرة ستمر معنا لها صلة بموضوع القلب فاقتضى ذلك التنويه بهذا الموضوع في أوائل قسم العقائد.
وكما أننا أكثرنا من النصوص في موضوع القلب فسنذكر الكثير منها في موضوع النفس لأن تزكية الأنفس على مقتضى الشريعة من أهم ما بعث به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
* * *
_________________
(١) السجدة: ١٧.
(٢) البخاري (٦/ ٣٦٢) ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء ١ - باب خلق آدم وذريته. مسلم (٤/ ٢١٨٠) ٥١ - كتاب الجنة ٧ - باب في صفات الجنة وأهلها. (مجامرهم): جمع مجمر وهو ما يتبخر به. (الألوة): العود. أي يتبخرون بالعود الطيب الرائحة.
[ ١ / ٦١ ]