أما السبب الظاهر لعدم انتظام خلافة علي ﵁ فهو قتل عثمان ﵁ وما ترتب عليه من الأمور والشرور إلى أن كان ما كان. وتوضيح ذلك أن عثمان كان سيد بني أمية وكانوا مع بني عمهم بني هاشم فرسي رهان في الرياسة في الجاهلية، بل كانت عصبيتهم أقوى من عصبية بني هاشم لكثرتهم وقلة بني هاشم بالنسبة إليهم. فلما بعث رسول الله - ﷺ - حسدوهم على هذه المزية الكبرى والمنقبة العظمى التي لا يمكن أن يصلوا إليها بوجه من الوجوه. ولذلك تأخر أكثرهم عن الإسلام وعاندوا الحق وحاربوا الله ورسوله في بدر وأحد والخندق، وبقوا مصرين على الشرك والعناد مع كثير من عتاة قريش إلى يوم الفتح الأعظم، فتح مكة المشرفة، فسلموا حينئذ قيادهم إلى رسول الله - ﷺ - مغلوبين مقهورين حين لم يبق في القوس منزع ولا في المقاومة مطمع. فوصل
[ ١٤٦ ]
منهم الأرحام وعاملهم معاملة الكرام، فأطلقهم من الإسار وأعطاهم أموالهم وقال لهم: "أنتم الطلقاء" ولو شاء لضرب عليهم الرق فصاروا كلهم عبيدا أرقاء وكانوا مع أموالهم غنيمة له ولجيشه - ﷺ - فقسمهم بين المجاهدين، ولكنه عفا عنهم عند الاقتدار فأسلموا بالاضطرار لا بالاختيار واتبعوه - ﷺ - إلى غزوة حنين فأعطاهم من غنائمها شيئا كثيرا ليتألفهم به ويقوى إسلامهم بمحبته - ﷺ -. وكان من رؤساهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، فأعطى كل واحد منهم مائة من الإبل وأربعين أوقية من الفضة، ولم يعط أحدا من أصحابه السابقين للإسلام من المهاجرين والأنصار لا لفقرائهم ولا لأغنيائهم، وإنما أعطى بعض أكابر قريش ورؤساء القبائل. ولم يزل يتألفهم ويتلطف بهم ويكرمهم حتى قوي إيمانهم وحسن إسلامهم وجاهدوا معه حق الجهاد وفدوه بالنفوس والأموال والأولاد. ومن هنا تعلم أن رسول الله - ﷺ - كان يداريهم ويتألفهم لحرصه على هدايتهم وتمكن الإسلام من قلوبهم لكونهم من
[ ١٤٧ ]
أقاربه الأقربين ورؤساء عشيرته المقدمين ولما يعلمه من ترتب هداية كثير من الناس على هدايتهم وطاعتهم بطاعتهم ممن كانوا ينقادون إليهم في الجاهلية من أقاربهم وحلفائهم وعلائقهم. وقد صح إسلامهم والحمد لله وجاهدوا مع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك حق الجهاد ومع أبي بكر وعمر، وظهر منهم في الإسلام والمسلمين آثار جميلة جليلة في حياة النبي - ﷺ - وبعده.
وكان أبو بكر ﵁ يجلهم أيضا ويداريهم اقتداء بالنبي - ﷺ - ويؤمر منهم الأمراء، وهو الذي أمّر يزيد بن أبي سفيان من جملة أمراء الجيوش الكبار في محاربة الروم في بلاد الشام، وبقي إلى خلاافة عمر ومات فولّى عمر مكانه أخاه معاوية، فبقي أمير الشام باقي خلافة عمر ومدة خلافة عثمان عشرين سنة، ولازموا في خلافة أبي بكر وخلافة عمر الطاعة والانقياد وجاهدوا في الله حق الجهاد، وكانوا كذلك بل أعظم من ذلك في خلافة عثمان للقرابة القريبة التي بينهم وبينه، وقد ولاهم الأعمال المهمة وقيادة الجيوش فتمكنوا من فتح الفتوحات الكثيرة
[ ١٤٨ ]
وخدموا الأمة والملة خدمات مشكورة مبرورة، على تخليط كان يقع من بعضهم وعفو الله واسع ولكنهم بذلك أوغروا قلوب كثير من الناس فانتقدوا عليهم زلاتهم الذميمة ولم ينظروا إلى حسناتهم الجسيمة ومنافعهم العميمة وفتوحاتهم العظيمة التي افتتحوها في آسيا وإفريقية وجزائر البحر. وعثمان ﵁ لا يسمع فيهم الملام لأنه شاهد ما قدره الله على أيديهم من انتشار الإسلام والفتوحات العظام فضلا عن كونهم من ذوي قرابته، فانتقلت بذلك كراهة المنتقدين عليهم إلى عثمان فجيشوا عليه الجيوش من مصر والعراق وقدر الله شهادته على أيدي أولئك الخوارج البغاة الفجرة الفساق أهل الشقاق والنفاق، فورد على الأمة بقتله من الشرور وتفريق الكلمة ما لا يمكن وصفه. وفي هذه الحالة المدهشة والفتنة العظيمة المؤلمة جرت مبايعة علي ﵁ على الخلافة، فتشعبت الفتن وكثرت الاختلافات وحصلت حروب وكروب أضرت بالإسلام والمسلمين أضرارا هائلة لا يمكن ملافاتها أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ وأعظمها
[ ١٤٩ ]
ما استمر منها إلى الآن وإلى يوم الدين وهو افتراق كلمة الأمة الإسلامية إلى مذاهب وفرق كل واحدة منها تكره الأخرى وتضللها. منهم قوم خرجوا على الإسلام بالكلية كالنصيرية، ومنهم من ضلوا ضلالا مبينا ببغض أعلام الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂. أما الفرقة المفضِّلة، وهي التي تعتقد تفضيل علي على جميع الصحابة ﵁ وعنهم من دون أن تطعن فيهم وتكفرهم فهذه أمرها سهل، ولها بحسب الظاهر عذر. فإن عليا ﵁ كان له من الفضائل الدينية والدنيوية المكتسبة والذاتية ما تعجز عقول أمثالنا عن حصره وعلمه، ولكنه مع ذلك رابع الخلفاء الراشدين؛ ومن قدمه على الثلاثة فهو عند جمهور الأمة المحمدية مبتدع في الدين، ولكن بدعته خفيفة لا تخرجه عن كونه من جملة المسلمين. وإنما كان مبتدعا لأنه قد خالف ما كان عليه في ذلك جمهور السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم. ولا ريب أنهم ﵃ كانوا أعرف من بعدهم بمن كان يقربه رسول الله
[ ١٥٠ ]
- ﷺ - منهم في حياته ويعتمد عليه أكثر من غيره في مهماته، وأعلم بأسباب التفضيل وأورع وأتقى لله تعالى من غيرهم، ولا سيما المهاجرون والأنصار منهم فإنهم كانوا ملازمين لرسول الله - ﷺ - في غزواته وأكثر أوقاته.
ومن ادعى ممن جاء بعدهم أنه أعرف بأحوال رسول الله - ﷺ - مع أصحابه وأعلم منهم بأسباب التفضيل أو أنه أورع وأتقى لله منهم فهو رجل فاسد العقل مخبوع عديم الفضل كثير الفضول.