قال رحمه الله تعالى في شرح الإحياء: قول الروافض بوجود النص على علي والزيديين بوجود النص على العباس ﵄ باطل، لأنه لو كان ثابتا لادّعى المنصوص عليه ذلك واحتج بالنص وخاصم من لم يقبل ذلك منه، ولما لم يرو عنه الاحتجاج عند تفويض الأمر إلى غيره علم أنه لا نص على أحد، ولأنهم لما ادعوا من النص صاروا طاعنين على الصحابة على العموم حيث زعموا أنهم اتفقوا بعد رسول الله - ﷺ - على مخالفة نصه واستمروا على ذلك وفوضا الأمر إلى غير المنصوص عليه وأعانوا المبطل وخذلوا المحق مع أن الله وصفهم بكونهم ﴿خير أمة﴾ جعلهم ﴿أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس﴾ وعلى علي والعباس ﵄ على الخصوص
[ ٧٥ ]
فإنه اشتهر أنهما بايعا أبا بكر ﵁ جهرا، ولو كان الحق لهما ثابتا لكان أبو بكر عاصيا ظالما، ومن زعم أن عليا ﵁ مع قوة حاله وعلمه وكماله وعز عشيرته وكثرة متابعيه ترك حقه واتبع ظالما عاصيا ونصر باغيا مطيعا فقد وصفه بالجبن والضعف وقلة التوكل على الله تعالى وعدم الثقة بوعد الرسول ﵊ المفوض إليه الأمر الناصّ عليه بذلك، كيف وهو موصوف بالصلاة في الدين والتعصب له موسوم بالشجاعة والبسالة ورباط الجأش وشدة الشكيمة وقوة الصريمة مشهود له بالظفر في معادن المصاولة وأماكن المبارزة والمقاتلة على المشهورين من الفرسان والمعروفين من الشجعان، وهو القائل في كتاب إلى عامله عثمان بن حنيف: لو ارتدت العرب عن حقيقة أحمد - ﷺ - لخضت إليها حياض المنايا ولضربتهم ضربا يقض الهام ويرض العظام حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين. فلو كان عرف من النبي - ﷺ - فيه أو في عمه العباس نصا وعرف أنه لا حق لغيرهما لما انقاد لغيره بل اخترط سيفه
[ ٧٦ ]
وخاض المعركة وطلب حقه أو حق عمه، ولم يرض بالذل والهوان، ولم ينقد لأحد على غير الحق، ولم يتابعه في أموره ولم يخاطبه بخلافة الرسول - ﷺ -، ولم يساعد أيضا من تولى الأمر بعده بتقليده ولم يزوجه ابنته وهو ظالم عليه لغصبه حقه وعاص لله تعالى بالإعراض عن نص رسول الله - ﷺ - كما شهر سيفه وقت خلافته، بل كان في الأمر أحق وأولى إذ كان عهد رسول الله - ﷺ - أقرب وزمانه أدنى. وقد روي أن العباس قال لعلي: امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول الله - ﷺ - ابن عم رسول الله - ﷺ -، فلا يختلف عليك اثنان. والزبير وأبو سفيان لم يكونا راضيين بإمامة أبي بكر والأنصار كانوا كارهين خلافته حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير. وحيث لم يجرد سيفه ولم يطلب حقه دل أنه إنما لم يفعل ذلك لأنه علم أن لا نص له ولا لغيره، ولكن الصحابة اجتعت على خلافة أبي بكر إما استدلالا بأمر الصلاة، فإنه ﵊ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وهي من أعظم أركان الدين، فاستدلوا
[ ٧٧ ]
بهذا على أنه أولى بالخلافة منهم. ولهذا قال عمر ﵁: رضيك رسول الله - ﷺ - لأمر ديننا أفلا نرضاك لدنيانا.
وأمر الحج فإنه - ﷺ - أمره بأن يحج بالناس سنة تسع حين إقامته بنفسه لشغل. ولأن اللطيف الخبير جل ثناؤه نظر لأمة حبيبه ومتبعي صفيه - ﷺ - فجمع أهواءهم المشتتة وأراءهم على خلافة قرشي شجاع موصوف بالعلم والديانة والصلابة ورباطة الجأش والعلم بتدابير الحروب والقيام بتهيئة الجيوش وتنفيذ السرايا ومعرفة سياسة العامة وتسوية أمور الرعية، بل هو أكثرهم فضلا وأغزرهم علما وأوفرهم عقلا وأصوبهم تدبيرا وأربطهم عند الملمات جأشا وأشدهم على عدو الله إنكارا وإنكالا وأيمنهم نقيبة وأطهرهم سريرة وأعودهم على اقتناء الخلق نفعا وأطلقهم عن الفواحش نفسا وأصوبهم عن القبائح عرضا وأجودهم كفا وأسمحهم ببذل ما احتوى من المال يدا وأجلهم في ذات الله مبالغة. والإجماع حجة موجبة للعلم قطعا. انتهى كلام السيد مرتضى رحمه الله تعالى.
هذا ما أردت نقله هنا من كلام أئمة
[ ٧٨ ]
المذاهب الأربعة أهل السنة والجماعة ﵃. وقد رأيت أن أعزز ذلك بفوائد مهمة ذكرتها في آخر كتابي الشرف المؤبد تتعلق بفضل الآل والأصحاب وبيان أن الجمع بين محبتهما هو الحق والصواب. وهي قولي فيه مع زيادات قليلة قد ظهر لذهني القاصر معنى شريف وحجة قوية في تأييد مذهب أهل السنة الجامعين بين حب الصحابة والآل وتزييف مذهب المفرقين بينهم من أهل الرفض والضلال. وذلك أن جميع ما ثبت من فضل الصحابة رضوان الله عليهم هو في الحقيقة من فضائل بيت النبوة زيادة على ما نالوه بانتسابهم إلى حضرة صاحب الرسالة من الفضل فإنهم صحابة جدهم الأعظم - ﷺ - لا صحابة نبي سواه، وهم وإن كانوا في أنفسهم فضلاء نبلاء حائزين من كل وصف جميل محضه ولبابه إلا أن أفضليتهم على من سواهم من الأمة إنما هي لفوزهم بتلك الصحبة الشريفة التي لا يواز بها علم عامل ولا اجتهاد مجتهد وما يلزمها من اقتباس الأنوار والأسرار فضلا عن فدائهم له - ﷺ - بكل ما قدروا عليه من نفس ومال وولد
[ ٧٩ ]
ووالد وخوض كثير منهم أمامه في غمار الحروب ومخالطتهم المنايا حتى ظهر دين الله المبين وخفقت أعلامه في العالمين. وإلا فإنا نجد في التابعين فمن بعدهم من هو أعلم وأعبد وأورع وأزهد وأكثر حربا وجهادا وطعانا وجلادا من بعض صغار الصحابة الذين لم تطل صحبتهم له - ﷺ - ولم يلازموه في كثير من مواطنه الشريفة وغزواته المظفرة، ومع هذا فأقلهم فضلا أفضل من أفضل التابعين فمن بعدهم إلى يوم القيامة. فتلخص أنه - ﷺ - هو الأصل الذي تفرع عنه فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا جميع ما ثبت لأهل البيت من الفضل هو أيضا يحسب من فضائل الصحابة الكرام زيادة على ما اتصفوا به من الفضل والفخر بصحبتهم له - ﷺ -، فإنهم ذرية نبيهم الذي استنقذهم من ظلمات الشرك وزجهم في أنوار التوحيد وفازوا بما فازوا به بسببه من السيادة الدنيوية والسعادة الأبدية، وذريته - ﷺ - بعضه، فكما أن فضل الكل وهو النبي ﵊ هو زيادة في فضل أصحابه
[ ٨٠ ]
الذي هو متفرع عن فضله فكذلك بعضه وهم الذرية الطاهرة فإن فضلهم فرع عن فضله - ﷺ -، فقد علمت أن أصل الفضلين فضل الذرية وفضل الصحابة هو رسول الله - ﷺ -، وهما فرعان عن أصل واحد، فمهما حصل لأحدهما من مدح أو ذم لا بد وأن يتعدى إلى الآخر. فلعنة الله على من فرق بينهما بولاء بعضهم ومعاداة البعض، فإن من عادى أحدهما لم ينفعه ولاء الآخر وكان عدوا لله ورسوله ولمن التزم ولاءه أيضا. وانظر إلى سيدنا زيد بن علي زين العابدين ﵄ حين خرج على هشام بن عبد الملك فقد بايعه وقتئذ ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر لينصروه فقال: كلا بل أتولاهما، فقالوا: إذا نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة. فسموا رافضة من حينئذ.
وجاءت طائفة وقالوا: نحن نتولاهما ونتبرأ ممن يتبرأ منهما، فقبلهم وقاتلوا معه، فسموا الزيدية، غير أنهم خلف من بعدهم خلف خرجوا عن مذهب زيد وبقي عليهم الاسم فقط. فمن أراد سعادة الدارين فعليه بمحبة الطرفين
[ ٨١ ]
ملتزما في ذلك الطريق الشرعي غير حائد عن سنن السلف والخلف، وهو مذهب أهل السنة السنية وهداة الملة الحنيفية، أماتنا الله على ذلك غير مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين.
فإن قلت: تفريعك هذين الفرعين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم عن الأصل الواحد وهو النبي - ﷺ - بالصفة التي ذكرتها يشعر بتفضيل الذرية الطاهرة على الصحابة الكرام رضوان الله على الجميع؟ قلت: نعم، وهو كذلك من حيث أنهم ذريته - ﷺ - لا من كل حيثية، وهذا مما لا يشتبه فيه عاقل، فإن الذرية الطاهرة من هذه الحيثية أفضل العالمين على الإطلاق، فإن ذلك يرجع لتفضيله ﵊. ولا يشك مؤمن بأنه أفضل الخلق كافة، وهو بمنزلة قولك جدهم ﵊ أفضل من كل جد، وهل يرتاب في هذا مؤمن؟ ومن هنا قال الإمام السبكي وغيره في حق فاطمة ﵂: لا نفضل على بضعة رسول الله - ﷺ - أحدا، فأنت تراهم وصفوها بالبضعية التي هي داعية التفضيل على أمها خديجة
[ ٨٢ ]
ومريم وعائشة ولم يقولوا لا نفضل على زوجة علي أو أم الحسنين أو غير ذلك من أوصافها الشريفة. وهذا المعنى موجود في سائرة أولاده وبناته - ﷺ - وأولاد فاطمة خصوصية منه - ﷺ -، فهم من تلك الحيثية أفضل الناس. وصرح بأفضلية فاطمة على جميع الصحابة الشيخين فمن عداهما الشمس العلقمي وقيده المناوي بحيثية البضعية، قال: فإن الشيخين أفضل منها من حيث المعرفة والعلم ورفع منار الإسلام، وهذا نبه العلاقة اللقاني في شرح الجوهرة بعد ذكر أفضلية الخلفاء الأربعة على من سواهم بقوله: لا يشكل الحكم المذكور بالذرية الشريفة لأنه من حيث البضعية المكرمة، فالذرية أفضل. فاعلم ذلك واعرف منزلة أهل بيت النبوة وما خولهم الله من الفضل الوهبي واختصهم به من الشرف القربي، قال الشاعر وأظنه سيدي محيي الدين بن العربي ﵁:
هم القوم من أصفاهم الود مخلصا تمسك في أخراه بالسبب الأقوى
[ ٨٣ ]
هم القوم فاقوا العالمين مناقبا محاسنهم تحكى وآياتهم تروى
موالاتهم فرض وحبهم هدى وطاعتهم ود وودهم تقوى
قال في الإسعاف: واعلم أن المحبة المعتبرة الممدوحة هي ما كانت مع اتباع لسنتهم المحبوبة، إذ مجرد محبتهم من غير اتباع لسنتهم كما تزعمه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنة لا تفيد مدعيها شيئا من الخير بل تكون عليه وبالا وعذابا في الدنيا والآخرة، على أن هذه ليست محبة في الحقيقة، إذ حقيقة المحبة الميل إلى المحبوب وإيثار محبوباته ومرضياته على محبوبات النفس ومرضياتها والتأدب بأخلاقه وآدابه، ومن ثم قال علي كرم الله وجهه: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر. أي لأنهما ضدان وهما لا يجتمعان. وأخرج الدارقطني مرفوعا: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإذا أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون".
[ ٨٤ ]
قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرقات كثيرة. اه كلام الإسعاف للصبان.
وقوله الشيعة والرافضة، أراد غلاة الشيعة فيكون عطف مرادف أو عطف تفسير، أما شيعتهم الذين لم يفارقوا سنتهم من محبة الصحابة ومعرفة منازلهم في الفضل فهم القوم الأخيار المبرؤون من كل عار وعم الذين عناهم رسول الله - ﷺ - بقوله: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة". قال الإمام موسى بن علي بن الحسين بن علي، وكان فاضلا، عن أبيه عن جده: إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل عملنا، كأصحاب علي ﵁ مدة خلافته وجميع من نصره وخاض معه غمرات الحروب في جميع وقائعه كوقعة الجمل وصفين والنهروان، ما عدا قتلة عثمان عليه الرضوان، فإنه ﵁ وكرم وجهه هو المصيب في جميعها وغيره مخطئ والكل على هدى لاجتهادهم في طلب الحق ما عدا الخوارج الذين منهم أهل النهوران فإنهم كفرة فجرة لأنهم كانوا يعتقدون معاذ الله كفره ﵁ بالتحكيم وكفر كثير من الصحابة والمسلمين الذين رضوا بذلك. وتكفير
[ ٨٥ ]
الخوارج ذهب إليه أكثر العلماء ك الطبري والسبكي كما ذكره الشهاب الخفاجي في شرح الشفاء، وإن كان مذهب الشافعي وجماعة من الفقهاء عدم تكفيرهم لقوله ﵁: لا أكفر أحدا من أهل القبلة إلا الخطابية، كما حكاه النووي في الروضة، ذكر ذلك الشهاب في شرح الشفاء أيضا. وهناك طائفة من الشيعة يقال لهم المفضلة يقولون بتفضيل علي كرم الله وجهه على سائر الصحابة مع اعتقاد فضلهم وعدلهم والاعتراف بما خولهم الله من الشرف وعلو المنزلة، وهؤلاء وإن خالفوا ما انعقد عليه الإجماع من تفضيل الشيخين على علي وذهب إليه جمهور أهل السنة من تفضيل عثمان عليه فهم أهل بدعة خفيفة لا يتفرع لعيها خطل في الدين، فقد ذكرهم الحافظ السيوطي ولم يطعن في عقيدتهم، ونقل عن الحافظ الذهبي وغيره أنهم عدول ثقات وأن رواياتهم مقبولة شهادتهم غير معلولة؛ هذا مع تدقيق الذهبي في رجال الحديث إلى درجة أدته للطعن في بعض الثقات الذين زكاهم غيره. قال: ومن هذه الطائفة كثيرة من السلف والخلف وإذا أطلق لفظ الشيعة في
[ ٨٦ ]
الكتب فالمراد منه هؤلاء ما لم يقيد بالغلو كأن يقال: شيعي غال أو غلاة الشيعة. ومع ذلك فقد نقل في شرح الإحياء عن كتاب القوت لأبي طالب المكي قال: كان أحمد بن حنبل قد أكثر عن عبد الله بن موسى الكاظم ثم بلغة عنه أدنى بدعة، قيل إنه كان يقدم عليا على عثمان فانصرف أحمد ومزق جميع ما حمل عنه ولم يحدث منه شيئا. اه. أما الروافض فهم ما بين كافر وفاسق لأنهم رفضوا موالاة كثير من الصحابة ﵃، والكافر منهم يطعن في السيدة عائشة أم المؤمنين وينكر صحبة أبيها ﵄. ولا تشتبه بما سأتلوه عليك من كلام العارف الشعراني فإنه إنما قصد من الروافض مفضلة الشيعة كما تصرح به عبارته.
قال ﵁ في كتابه العهود: أخذ علينا العهود أن لا نسب الروافض الذين يقدمون عليا في المحبة على أبي بكر وعمر ﵃ لا الذين يسبونهمما لا سيما إن كانوا اشرافا من أولاد فاطمة ﵂ أو من أهل القرآن، فإياك يا أخي من قولك: "فلان رافضي كلب" فإن ذلك لا ينبغي والذي نعتقده أن التغالي في محبة علي والحسن والحسين
[ ٨٧ ]
وذريتهما مطلوب بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ والود ثبات المحبة ودوامها، فنسكت عن سب من قدم جده في المحبة على غيره ما لم يعارض النصوص، وذلك لأن تعصب الإنسان لأجداده الذين حصل له بهم الشرف أمر واقع في كثير من العلماء فضلا عن آحاد الناس من الشرفاء، ولذلك قالوا: من النوادر شريف سني يقدم أبا بكر وعمر على جده علي ﵃، وكان الإمام الشافعي ينشد:
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
فاعذر يا أخي كل من قامت له شبهة ما لم تهدم شيئا من أصول الدين الصريحة كإنكار صحبة أبي بكر لرسول الله - ﷺ - أو براءة عائشة ﵂ واترك أمر الروافض غلى الله يفصل بينهم يوم القيامة. انتهى كلام الإمام الشعراني.
وهو كلام عارف كبير منصف خبير ﵁ ونفعنا به. وقوله: "من النوادر شريف سني" ليس هو مقابل الرافضي بمعناه الحقيقي وإنما هو مقابل الشيعي المفضل، ولذلك قال بعده: "يقدم أبا بكر وعمر على جسده علي"
[ ٨٨ ]
والرافضي لا يقر لأبي بكر وعمر بفضل لا مقدما ولا مؤخرا بل يصفهما بما لا ينبغي. ومعاذ الله أن يقول بذلك أحد ممن صحت نسبته إلى رسول الله - ﷺ -. وحاصل معنى العبارة أن الشريف السني الموصوف بتقديم أبي بكر وعمر على جده علي من النوادر وأكثرهم سنيون لا يقولون بالتقديم مع حب الشيخين والصحابة جميعا والاعتراف بفضلهم. وهذا لا يضرهم في دينهم شيئا ولا سيما إذا كان التقديم في المحبة لا التفضيل، وهو الذي ينبغي حمل العبارة عليه فافهم. والله ﷾ أعلم. انتهى ما ذكرته في الشرف المؤبد مع زيادة قليلة.
ويؤيد أن أكثر الأشراف بمقتضى عبارة الشعراني وإن قدموا جدهم عليا بالمحبة على أبي بكر وعمر لا يقدمونه عليهما بالتفضيل ما عليه أكثر علماء الأشراف ولا سيما ساداتنا آل باعلوي من ملازمة مذهب أهل السنة والجماعة في تفضيل الشيخين على جدهم علي ﵁. وتقرير ذلك في كتبهم ودروسهم. فمن توفيق الله لهم أنه غلب عليهم التزام الشرع عن اقتضاء الطبع، ولا غرابة في ذلك فإن الأشراف على
[ ٨٩ ]
الإطلاق لا شك أنهم يفضلون الأنبياء والمرسلين على جدهم علي ﵁، وكذلك غيرهم من سائر المؤمنين يفضلون الأنبياء على أجدادهم مهما كانوا صالحين، وما ذاك إلا من حسن الانقياد إلى الشرع ومخالفة الهوى والطبع، وحيث قد ثبت بإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة أفضلية الشيخين على علي ﵁ كان من حسن الانقياد للشرع وسلامة الدين تفضيلهما عليه ولو عند سلالته الطيبين الطاهرين، بل هم أولى من سائر المؤمنين باتباع هذا الحق المبين ﵃ ونفعنا ببركاتهم أجمعين.
قال الإمام القسطلاني في المواهب اللدنية: فإن قلت من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكن محبته لبعض تكون أكثر، هل يكون آثما به أم لا؟ أجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير
[ ٩٠ ]
الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع. فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليا أكثر من أبي بكر مثلا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررنا، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه. والله أعلم. انتهى.
ونقل هذه الفتوى عن الولي العراقي أيضا ابن حجر في الصواعق. (١)
انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني.