ولا سيما الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، بعبارات فائقة بنيتها على الآيات والأحاديث وأقوال العلماء السابقة، يقنع بها كل من يهمه رضا الله ورسوله واتباع الشريعة،
_________________
(١) وتتمتها: "والصحيح الامتناع لما تقدم من قول علي ﵁ لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر في قلب مؤمن، يعرف ضعف ذلك عقلا ونقلا. وأهل البيت مطهرون مبرؤون لا يصدر عنهم إلا المحبة والمودة. انتهى"
[ ٩١ ]
سواء كان من أهل السنة أو كان من الشيعة. ولا هادي إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اعلم أيها المسلم المؤمن المصدق بوحدة الله تعالى ورسالة نبيه محمد - ﷺ - سواء كنت من أهل السنة أو من الشيعة أن مقصدنا معاشر المسلمين ومحط نظرنا شيء واحد، وهو هذا الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما وكل ما يقرب العبد إلى رضاهما. والمقصود الأصلي هو رضا الله تعالى، وأما رضا الرسول - ﷺ - فهو تابع لرضا الله تعالى، فكل ما يرضي الله يرضيه وكل ما يسخطه تعالى يسخطه - ﷺ -. وكذلك الحق ﷾ يرضى لرضا رسوله ويغضب لغضبه. فرضاهما وسخطهما متلازمان. ولذلك ورد في القرآن كثيرا ذكر الرسول مع الله تعالى كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) و﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) وغير ذلك كثير. وإن كان الأصل هو الله تعالى وطاعته والتابع هو الرسول وطاعته فإن الحق ﷾ هو المقصود بالذات، وإنما خلق الخلق ﷿ ليعرفوه ويعبدوه وأرسل الرسل وسيدهم محمدا - صلى الله
_________________
(١) النساء: ٨٠
(٢) التوبة: ٦٢
(٣) الحديد: ٧
[ ٩٢ ]
عليه وسلم - ليعرفوا به خلقه ويقودهم إلى طاعته وعبادته تعالى. ولا يخفى أن الخلق كلهم خلق الله تعالى؛ فأحبهم إليه وأقربهم لديه أكثرهم معرفة به وطاعة له وتصديقا لرسله عليهم الصلاة والسلام. وتصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وقول النبي - ﷺ -: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» وقوله ﵊: «يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، ولكن لكم رحم سأبلها ببلالها». ولا شك أن نسبتهم له ﵊ تنفعهم نفعا عظيما عند الله تعالى. يدل على ذلك أحاديث كثيرة، ومنها قوله في هذا الحديث «سأبلها ببلالها» أي أصلها بصلتها، وقوله ﵊: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي» وقد قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢) ولا يرضيه - ﷺ - إلا سعادة أقاربه الأقرب فالأقرب، وإنما قال لهم: «لا أغني عنكم من الله شيئا»
_________________
(١) الحجرات: ١٣
(٢) الضحى: ٥
[ ٩٣ ]
تعظيما لجانب الحق ﷾، كما هو الواقع أن أحدا لا يغني عنده ﷾ شيئا إلا برضاه، فإنه الحاكم المطلق جل وعلا، وليس لأحد معه شرك في ملكه، وقد قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) وهو ﷾ من فضله يأذن للنبي - ﷺ - بالشفاعة في أقربائه وغيرهم، وهو - ﷺ - أكرم الخلق على الإطلاق، فلا يترك أقرباءه يوم القيامة من دون أن يشفع فيهم شفاعة مخصوصة. كيف وهو قد أعطي الشفاعة في سائر الناس؛ أفيشفع في الأبعدين ويترك أقرباءه المؤمنين؟ هذا مما لا يكون ولا يتصوره عاقل.
ولكن حرضهم - ﷺ - بقوله: «لا أغني عنكم من الله شيئا» على كثرة الطاعات لله تعالى، لئلا يتكلوا على هذه النسبة الشريفة التي لا أشرف منها والقرابة المنيفة التي لا أعلى منها فيعتمدون عليها ويقصرون في عبادة الله تعالى. وهذا من شدة شفقته - ﷺ - على أهل بيته ومحبته لهم ولعلمه ﵊ أن مجرد هذه القرابة الشريفة بلا أعمال صالحة لا تبلغهم أعلى المنازل في الجنة وتقدمهم
_________________
(١) البقرة: ٢٥٥
[ ٩٤ ]
على غيرهم من أكابر أتقياء الأمة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ نعم إن هذه النسبة الشريفة تكون سببا إن شاء الله تعالى لنجاتهم كيفما كانوا بعد أن يكونوا مؤمنين لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) قال العلماء: لا رجس أرجس من الكفر. وتأمل عدم اكتفاء الحق ﷾ بقوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ حتى أكده بقوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يكتف بهذا التأكيد بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ حتى أكده بالمصدر بقوله تعالى: ﴿تَطْهِيرًا﴾ فإذا تأملت في ذلك تعلم علو منصب أهل بيت النبوة ورفعة قدرهم عند الله تعالى إلى درجة لا يتصورها عقلك، وهذا الكلام إنما هو صادر من الله تعالى الذي في يده كل شيء ويفعل في خلقه ما يريد، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) فلا يقال حينئذ لأي شيء اختصهم بهذا الفضل العظيم، ولو قيل ذلك لكان جوابه سهلا وهو أنه اختصهم به كرامة لحبيبه الرءوف الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقد قال بعض العلماء كما ذكرته في كتابي الشرف المؤبد
_________________
(١) الأحزاب: ٣٣
(٢) آل عمران: ٢٦
[ ٩٥ ]
لآل محمد - ﷺ - إن هذه الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى يطهرهم من الكفر والمعاصي ويتوفاهم على الإيمان والتوبة النصوح الممحصة لجميع الذنوب ويرضي عنهم أخصامهم بفضله وكرمه تعالى كرامة لحبيبه الأعظم - ﷺ -، ولما أراده تعالى لهذا العنصر الطاهر من الكرامة من غير شرط عمل، فهي مبشرة لهم بحسن الخاتمة والوفاة على الإيمان والتوبة النصوح من جميع أنواع العصيان. ومع ذلك فهم والحمد لله جدوا واجتهدوا في طاعة الله تعالى ولم يعتمدوا على هذه النسبة الشريفة والمزية العظيمة التي فاقوا بها جميع الناس سوى النبيين والمرسلين، إذ لم يوجد في القرآن مثل هذه الآية الكريمة في حق غيرهم ﵃، ومع ذلك فهي لم تنسخ حكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فهذه آية محكمة حكمها صحيح دائم، كما أن تلك آية محكمة حكمها صحيح دائم. والله تعالى لم يقل إنه قد فضل أهل بيت النبوة على جميع الناس من كل الوجوه، ولكنه ﷾ خصهم بآية التطهير وفضلهم بها على جميع الأمم من جليل وحقير، وفضل أهل
[ ٩٦ ]
التقوى بحسب درجاتهم على الجميع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولم يستثن أهل البيت الكرام ولا غيرهم من الأنام.
إذا علمت ذلك تعلم أنه يجوز أن يكون في كل عصر بعض المسلمين من أهل التقوى أكرم عند الله تعالى من بعض أهل البيت الذين قصروا عنهم في تقوى الله تعالى، ولا مانع من ذلك شرعا ولا عقلا لهذه الآية الصريحة التي يجب على كل مؤمن قبولها والإذعان لها والتصديق بها لأنها من كلام الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) وقد خاطب الله تعالى بها جميع المؤمنين من عهده - ﷺ - إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فأصحاب النبي - ﷺ - الذين تشرفوا بصحبته وشاهدوا أنوار طلعته وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل نصرته وتأييد دينه وملته هم أولى وأحرى بأن يشملهم هذا التشريف الذي شرف الله به المتقين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ المؤيد بقول النبي - ﷺ -: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».