قال رحمه الله تعالى في كتاب المسايرة: وفضل الصحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃. إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله - ﷺ - بإطلاع الله تعالى. وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقق إدراك حقيقة تفضيله ﵊
[ ٤٤ ]
لبعضهم على بعض إلا الشاهدون لذلك الزمان زمان الوحي والتنزيل وأحوال النبي - ﷺ - معهم وأحوالهم معه لظهور قرائن الأحوال الدالة على التفضيل لهم دون من لم يشهد ذلك. ولكن قد وصل إلينا سمعيات ثبت ذلك التفضيل بها لنا صريحا من بعضها ودلالة واستنباطا من بعضه كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص حين سأل النبي - ﷺ - قال: قلت أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» فقلت: من الرجال؟ فقال: «أبوها» قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب»، فعدّ رجالا. وتقديمه في الصلاة على ما قدمناه، مع أن الاتفاق واقع على أن السنة أن يتقدم على القوم أفضلهم علما وقراءة وخلقا وورعا، فثبت بمجموع ما ذكر أنه كان أفضل الصحابة ﵃. وصح من حديث ابن عمر في صحيح البخاري قال: كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم. وصح في البخاري أيضا من حديث محمد بن الحنفية: قلت لأبي:
[ ٤٥ ]
أي الناس خير بعد رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا واحد من المسلمين. فهذا على نفسه مصرح بأن أبا بكر أفضل الناس. وأفاد بعض ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكل وفي بعضه ترتيب الثلاثة في الفضل. ولما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم علي بعد الثلاثة دل على أنه كان أفضل من بحضرته من الصحابة أي من كان موجودا منهم وقت تقديمه، وكان منهم الزبير وطلحة، فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة. هذا واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى ﷾ عليهم إذ قال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وسطا أي عدولا خيارا، والصحابة هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان النبي - ﷺ - حقيقة. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
[ ٤٦ ]
بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكذا رسول الله - ﷺ - روي عنه: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" رواه الدارمي وابن عدي وغيرهما.
وقال - ﷺ - في حديث الصحيحين: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وفي رواية الترمذي: «لو أنفق أحدكم» وقال - ﷺ -: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم» أخرجه الشيخان. وما جرى بين معاوية وعلي ﵄ من الحروب بسبب طلب تسليم قتلة عثمان ﵁ كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية ﵁ إذ ظن علي ﵁ أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة العظمى خصوصا في بدايتها فرأى التأخير أصوب إلى أن يتحقق التمكن ويلتقطهم فإن بعضهم عزم على الخروج على علي وقتله لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة
[ ٤٧ ]
عثمان على ما نقل في القصة من كلام الأشتر النخعي إن صح ذلك والله أعلم. انتهى كلام الكمال بن الهمام مع قليل من شرحه للكمال بن أبي شريف الشافعي.