ذكر الإمام القسطلاني في المواهب وغيره أن الصحابي هو من صحب النبي - ﷺ - من المسلمين أو رآه ولو
[ ٩ ]
ساعة وهو مؤمن به ومات على ذلك. قال رحمه الله تعالى: والصحابة ثلاثة أصناف: الأول: المهاجرون. الثاني: الأنصار. الثالث: من أسلم يوم الفتح. قال ابن الأثير في جامع الأصول: والمهاجرون أفضل من الأنصار، وهذا على سبيل الإجمال. وأما على سبيل التفصيل فإن جماعة من سباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين، وإنما سباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار. ثم هم بعد ذلك متفاوتون، فرب متأخر في الإسلام أفضل من متقدم عليه مثل عمر بن الخطاب وبلال بن أبي رباح.
قال القسطلاني: وقد ذكر العلماء للصحابة ترتيبا على طبقات:
الطبقة الأولى: قوم أسلموا بمكة أول المبعث، وهم سباق المسلمين مثل خديجة بنت خويلد وعلي بن أبي طالب وأبي بكر وزيد بن حارثة وبقية العشرة ﵃.
الطبقة الثانية: أصحاب دار الندوة، بعد إسلام عمر بن الخطاب ﵁ حمل النبي - ﷺ - ومن معه من المسلمين على الذهاب إلى دار الندوة فأسلم لذلك جماعة من أهل مكة.
الطبقة الثالثة: الذين هاجروا إلى الحبشة
[ ١٠ ]
فرارا بدينهم من أذى المشركين، منهم جعفر بن أبي طالب وأبو سلمة بن عبد الأسد.
الطبقة الرابعة: أصحاب العقبة الأولى، وهم سباق الأنصار إلى الإسلام، وكانوا ستة، وأصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا اثني عشر رجلا.
الطبقة الخامسة: أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين من الأنصار منهم البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة.
الطبقة السادسة: المهاجرون الذين وصلوا إلى النبي - ﷺ - بعد هجرته وهو بقباء قبل أن يبني المسجد وينتقل إلى المدينة.
الطبقة السابعة: أهل بدر الكبرى، قال - ﷺ - لعمر في قصة حاطب بن أبي بلتعة: «وما يدريك لعل الله اطلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رواه البخاري ومسلم.
الطبقة الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
الطبقة التاسعة: أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا بالحديبية تحت الشجرة. قال - ﷺ -: «لا يدخل النار إن شاء الله
[ ١١ ]
من أصحاب الشجرة أحد» رواه مسلم.
الطبقة العاشرة: الذين هاجروا بعد الحديبية وقبل فتح مكة كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
الطبقة الحادية عشر: الذين أسلموا يوم الفتح، وهم خلق كثير.
الطبقة الثانية عشر: صبيان أدركوا النبي - ﷺ - ورأوه يوم الفتح وبعده في حجة الوداع وغيرها، كالسائب بن يزيد. انتهى كلام المواهب. ونسب هذا التقسيم إلى الحافظ أبي عبد الله الحاكم في كتاب علوم الحديث.
قال الإمام الزرقاني في شرحه عليها: وقال ابن سعد إنهم خمس طبقات: الأولى: البدريون. الثانية: من أسلم قديما ممن هاجر عامتهم إلى الحبشة وشهدوا أحدا فما بعدها. الثالثة: من شهد الخندق فما بعدها. الرابعة: مسلمة الفتح فما بعدها. الخامسة: الصبيان والأطفال ممن لم يغز. اه.
قال في المواهب: وأما عدة أصحابه - ﷺ -، فمن رام حصر ذلك رام أمرا بعيدا، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا الله تعالى، لكثرة من أسلم من أول البعثة إلى أن مات النبي - ﷺ - وتفرقهم في البلدان
[ ١٢ ]
والبوادي. وقد روى البخاري أن كعب بن مالك ﵁ قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: "وأصحاب رسول الله - ﷺ - كثير لا يجمعهم كتاب حافظ" يعني الديوان. لكن قد جاء ضبطهم في بعض مشاهده كتبوك. وقد روي أنه سار عام الفتح لمكة في عشرة آلاف من المقاتلة، وإلى حنين في اثني عشر ألفا، وإلى حجة الوداع في تسعين ألفا وقيل مائة ألف وأربعة عشر ألفا ويقال أكثر من ذلك حكاه البيهقي، وإلى تبوك في سبعين ألفا، وقد روي أنه - ﷺ - قبض عن مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا، والله أعلم بحقيقة ذلك، انتهى كلام المواهب.
وقال شارحها المذكور: وجاء عن أبي زرعة الرازي أنه قيل له: أليس يقال حديث النبي - ﷺ - أربعة آلاف حديث؟ فقال: ومن قال ذا؟ فلق الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، قبض رسول الله - ﷺ - عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، وفي رواية ممن رآه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة وأهل مكة ومن بينهما والأعراب
[ ١٣ ]
ومن شهد معه حجة الوداع، كل رآه وسمع منه بعرفة. قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب: وأجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم؟ قال الحافظ، يعني ابن حجر: ولم يحصل لجميع من جمع أسماء الصحابة العشر من أساميهم بالنسبة إلى قول أي زرعة هذا، فإن جميع ما في الاستيعاب ثلاثة آلاف وخمسمائة، وزاد عليه ابن فتحون قريبا من ذلك. وبخط الحافظ الذهبي على التجريد: لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا، قال، يعني الحافظ ابن حجر: ورأيت بخطه أيضا أن جميع من في أسد الغابة سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفسا. وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا حجة الوداع اه. وعن الشافعي: قبض - ﷺ - عن ستين ألفا، ثلاثون بالمدينة، وثلاثون في قبائل العرب وغيرها. وعن أحمد: قبض - ﷺ - وقد صلى
[ ١٤ ]
خلفه ثلاثون ألف رجل. كأنه عنى بالمدينة، فلا يخالف ما فوقه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فإن كل من قال شيئا إنما حكاه على قدر تتبعه ومبلغ علمه أو أشار بذلك إلى وقت خاص وحال، فإذن لا تضارب بين كلامهم اه. وعن مالك: مات بالمدينة نحو عشرة آلاف نفس من الصحابة. انتهى كلام الزرقاني رحمه الله تعالى.