فإن قلت: هل يؤاخذ من أحب عليا وكره مخالفيه؟ قلت: يثاب على محبته ويؤاخذ أشد المؤاخذة على كراهتهم إلا أن يكره وصف بغيهم عليه ومحاربتهم إياه لخطئهم وإصابته، كما يكره صدور فعل قبيح من أبيه أو ابنه
[ ١٧٥ ]
أو ممن يحب. فإن خروجهم عليه وإن كان باجتهاد منهم فقد ظهر ظهور الشمس خطؤهم فيه، فيكره وقوع ذلك الخطأ منهم لا أنه يكرههم أنفسهم. كما أن بعضهم لما ظهر له خطؤه ترك محاربته كما وقع للزبير ﵁ فإنه لما ظهر له أنه مخطئ بذلك ترك الحرب وانصرف من المعركة ولم يصر على خطئه. وقد ظهر لنا معاشر الأمة خطأ جميعهم في ذلك فنكره منهم ذلك الخطأ، ولا يجوز لنا أن تتعدى كراهتنا إلى ذواتهم الشريفة ككراهة العدو الذي يتمنى هلاك عدوه على كل حال، بل نحبهم كمحبتنا إلى آبائنا وأبنائنا أو أشد لأوصافهم الجميلة التي لا تعد ولا تحصى، وأعظمها الإيمان بالله ورسوله وصحبتهم للنبي - ﷺ - ومجاهدتهم معه في سبيل الله وتأييدهم دين الله ونصرتهم إياه - ﷺ - في الشدة والرخاء ومعاداتهم لأجله أعداءه وأعداء دينه من البعداء والأقرباء حتى الآباء والأبناء فضلا عن غيرهم. فهذه الأوصاف الجميلة إذا لم نحبهم لأجلها فلسنا مسلمين حقيقة، وإذا أحببناهم لأجلها فقد أرضينا الله تعالى ورسوله
[ ١٧٦ ]
والمؤمنين، وفي مقدمتهم سيدنا علي وسائر أهل البيت الطيبين الطاهرين، رضي الله تعالى عنهم وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
ولا يخفى أن عصمة النبيين غير متفق عليها عند جميع الفرق الإسلامية. بل قال بعض الخوارج والمعتزلة بعدم عصمتهم في سوى التحريف والخيانة بالتبليغ، فهم معصومون منهما بالإجماع صلوات الله عليهم لظواهر الآيات والأحاديث الواردة بارتكابهم بعض الذنوب، وإن كان المحققون من أئمة العلماء أهل السنة والشيعة أيضا متفقين على عصمتهم من جميع الذنوب الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها، وأوّلوا جميع ما ورد في حقهم من ذلك. نعم مذهب جمهور أهل السنة عدم عصمتهم من الذنوب قبل النبوة، ويحملون معظم ما ورد من ذلك في حقهم على وقوعه منهم قبل النبوة. ولا شك أن الصحابة ليسوا بأعلى مقاما من الأنبياء قبل النبوة، فيجوز عليهم ما جاز عليهم. ومهما عظم خطأ من أخطأ منهم بالخروج على علي ﵁ وعنهم فهو لا يتعاظم عفو الله تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء، فهي لا تضيق عنهم. ولا ينكر
[ ١٧٧ ]
عاقل منصف من المسلمين وغيرهم ما لهم ﵃ من كثرة الفضائل والمحاسن التي لا تعد ولا تحد، ومهما ادعوا لأنفسهم أو ادعى لهم محبوهم من علو المقام بصحبة خير الأنام، فتلك الدعاوي عند كل مؤمن منصف صحيحة مسلمة لا تجحد ولا ترد. وهل يقول مسلم سليم الدين والقلب إن كثرة تلك المحاسن لا تقوى على محو ذلك الذنب، حاشا وكلا وأهلا بمحبتهم وسهلا.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
وقد أطلت لك الكلام يا أخي ونوعت لك أساليب الإقناع لأخفف عنك ما تجده في نفسك من شدة الغيظ على معاوية ومن كان على شاكلته كلما طالعت تأريخا فيه تلك الوقائع التي أضرت بعموم الأمة المحمدية من السابقين واللاحقين في دينهم ودنياهم. فخفف يا أخي عليك ولا تجعل للشيطان عليك سبيلا، والزم الأدب مع من هم أعظم وأجل وأفضل وأتقى لله تعالى منك بألف ألف ألف على عدد الأنفاس مرات. واجتنب مطالعة هذه الوقائع وذكرها والخوض فيها فإن ذلك حرام لما
[ ١٧٨ ]
يترتب عليه من الوقوع في بعضهم. وكثير من تلك العبارات المنفرة مكذوبة مختلقة لا أصل لها. وتأدب يا أخي بآداب الله تعالى التي علمنا إياها في كتابه العزيز، وقل ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
هذا العمل غير مكتمل. تستطيع المساعدة بإضافة الصفحات الناقصة. انظر صفحات المساعدة ودليل الأسلوب.
[ ١٧٩ ]