قد اتفق نقلة الأخبار على أن أبا بكر الصديق كان في الجاهلية من رجال قريش المعدودين أهل الحل والعقد فيهم، وأنه كان أول المسلمين من الرجال، وأنه من ذلك التأريخ كان هو الوزير الأعظم والصديق الأكبر الأكرم للنبي - ﷺ -. وإنما سماه النبي - ﷺ - بالصديق لمبادرته لتصديقه في أول إسلامه في كل ما أخبر به ﵊ من الغيوب ولا سيما في صباح ليلة المعراج حينما كذبته كفار قريش. ولم يزل مرافقا له وموافقا في جمع حالاته مع العسر واليسر والشدة والرخاء والسفر والحضر والحرب والسلم وجميع الأحوال إلى حين وفاته - ﷺ -.
أما الأحاديث التي وردت وصحت عن النبي - ﷺ - في فضله فهي كثيرة مدونة في الكتب ومشهورة على الألسنة، وكثير منها يجري على ألسنة الناس مجرى الأمثال. وكذلك ما ورد في حق عمر وعثمان وعلي وطلحة
[ ١٠٩ ]
والزبير ﵃. وكذلك وردت أحاديث كثيرة في فضل السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر أهل البيت الكرام وفضل السيدة عائشة وباقي أمهات المؤمنين وكثير من أفراد الصحابة ومجموعهم ﵃ أجمعين. ولا أريد أن أكثر الكلام هنا بنقلها لأنها معلومة، وكتبها في أيدي الناس مشهورة، وقد جمع منها الإمام ابن حجر في كتاب الصواعق جملة وافرة، وربما أذكر قليلا منها للمناسبة، ومن أرادها فليراجعها في محلها.
ومن المعلوم عند الخصوص والعموم أن أبا بكر ﵁ لم يزل منذ أسلم إلى وفاة رسول الله - ﷺ - هو عنده الوزير الأول والصديق الأكبر الذي عليه في مهماته المعول لا يشبهه ولا يدانيه في ذلك أحد، لا من الصحابة ولا من أهل البيت ﵃ أجمعين، حتى إن رسول الله - ﷺ - لم يسمح له في غزوة بدر بالمبارزة في القتال، وقال له: "أمتعنا بنفسك" وسمح بذلك لسادات أهل بيته وقتئذ وهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃، واعتمد عليه - ﷺ - في حراسة العريش الذي أقام فيه عليه الصلاة
[ ١١٠ ]
والسلام يدعو الله تعالى وقت الحرب ويستنجزه ما وعده من النصر، ولم يعتمد في ذلك على أحد سواه في هذا الأمر المهم الذي لا أهم منه وقتئذ. كما أنه - ﷺ - لم يثق بأحد يكون رفيقه في هجرته من مكة إلى المدينة سوى أبي بكر ﵁، وقد استأذنه مرارا ليهاجر مع من هاجر قبل ذلك من الصحابة فلم يأذن له ﵊ بذلك وأخره حتى هاجر معه - ﷺ -. وكان مستشاره الأعظم في جميع مهماته - ﷺ - الدينية والدنيوية، ولم يزل كذلك عنده في المحل الأعلى والمترل الأرفع الذي لا يشاركه فيه مشارك ولا يشبهه فيه مشابه، لا من الصحابة ولا من أهل البيت، إلى أن توفي - ﷺ - وهو راض عنه تمام الرضا. ولما توفي رسول الله - ﷺ - اضطربت الصحابة من أهل البيت وغيرهم غاية الاضطراب، حتى جاء هو وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) فحينئذ سكن اضطرابهم وعرفوا أن رسول الله - صلى الله عليه
_________________
(١) آل عمران: ١٤٤
[ ١١١ ]
وسلم - قد توفاه الله ونقله من دار الفناء إلى دار البقاء. فكان أبو بكر أعلمهم وأعقلهم وأحزمهم وأفضلهم. ولما كان فضله العظيم وتفوقه عند رسول الله - ﷺ - على الجميع بالتقريب والتعظيم مشهودا لهم معلوما عندهم - وآخر اختصاص خصه به رسول الله - ﷺ - أمره إياه في مرضه أن يصلي بالناس نيابة عنه - اتفقوا بأجمعهم على أن يجعلوه خليفة له ﵊، ولأن تخصيص النبي - ﷺ - له بذلك كالصريح في استخلافه، ولذلك بايعه ﵁ على الخلافة جمهورهم إلا نزرا قليلا من بعض المهاجرين والأنصار، لا لجحدهم فضله واستحقاقه ولكن لأسباب قامت في أنفسهم منعتهم من التعجيل في المبايعة، أهمها عدم مشاورتهم كما صرح بذلك علي والزبير ﵄، ثم بايعوه بعد ذلك. وقد تمت له والحمد لله الخلافة باتفاق الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم.
فاستلم زمامها وتسنم سنامها وقام بحقوقها أحق القيام، حتى كان هو المجدد الأعظم لدين الإسلام بعد رسول الله ﵊، وقد اتفقت على مبايعته والسرور بخلافته والاغتباط بها الأمة المحمدية وقتئذ بأسرها من أهل المدينة المنورة ومكة المشرفة ومن تبعهم من جميع العرب. ولو فرضنا أن المبايعة بالخلافة كانت لغيره لكان المخالفون أكثر بكثير، لأن اعتبار أبي بكر ﵁ عند الأمة
[ ١١٢ ]
جميعها في حياته - ﷺ - كان في الدرجة الأولى بلا خلاف عندهم في ذلك، فالذين ينافسونه على هذا المقام هم بلا شك أقل بكثير ممن ينافسون غيره. وقد ظهر ذلك فيما بعد حينما تركوا وشأنهم بعد قتل عثمان ﵁ في خلافة علي ﵁. ولم يظهر في خلافة عمر لأن أبا بكر استخلفه قبل موته فلم يبق لهم الحق في نصب خليفة من عند أنفسهم حتى تختلف آراء بعضهم. وكذلك عمر حصرها في ستة، ومع ذلك لم يتفقوا على واحد منهم حتى حكموا فيها واحدا منهم وهو عبد الرحمن بن عوف يرضون بمن يعينه منهم بشرط أن لا يعين نفسه، فعين عثمان حين رآه الأصلح للأمر. ثم بعد قتل عثمان صارت الناس فوضى، فبايع أهل المدينة وأهل الحل والعقد وأصحاب السابقة من أصحاب رسول الله - ﷺ - عليا ﵁ لأن الأحقية انحصرت فيه، فإنه مع وجوده بعد عثمان لا يستحق الخلافة معه أحد. ومع ذلك قد خالف بيعته قوم كثير من العرب الصحابة وغيرهم. فمن هنا يظهر لك ظهورا جليا أن اعتبار أبي بكر في نفوس الأمة المحمدية
[ ١١٣ ]
كان أكثر بكثير ممن بعده، ولذلك اتفقت الأمة عليه مع عدم تنصيص النبي - ﷺ - على خلافته صريحا، ومع كونه ليس من أقربائه الأقربين ولا من المعروفين بكثرة العشيرة وكثرة المال والأحزاب، وإنما كان رأس ماله الأعظم قوة دينه وعلو مترلته عند النبي - ﷺ -، فإذن لم يبعث الأمة على الانقياد إليه إلا علمهم بأحقيته وأفضليته وكونه لا يستحق الخلافة مع وجوده أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -. وقد كان ﵊ قدمه للصلاة بهم في مرضه فقالوا: "نختار لدنيانا من اختاره رسول الله - ﷺ - لديننا" ونعم هذا الاختيار. وقد صح عن إمامنا الشافعي كما في طبقات السبكي أنه مع كونه كان من أجل المحبين لآل البيت ومن بني عمهم وأمه علوية وأبوه من بني المطلب أخي هاشم قال له رجل: كيف تقدم أبا بكر وأنت من بني المطلب؟ فقال له: ليس الأمر كما تظن، ولكنهم حينما توفي رسول الله - ﷺ - نظروا فلم يجدوا تحت أديم السماء أفضل من أبي بكر فولوه عليهم، ولو كان الأمر بالقرابة لكنت أقدم عليا لأنه ابن عمي
[ ١١٤ ]
وجدي لأمي.
فإن قلت: بين لي أسباب مخالفة أولئك النفر وعدم مبادرتهم لمبايعة أبي بكر فإن النفس يبقى فيها شيء من هذه المخالفة؟ أقول في الجواب: لم يخالف من الأنصار إلا سعد بن عبادة سيدهم ﵁ وعنهم، ومن المهاجرين سوى بعض أهل البيت ﵃. وقد قدمت لك أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كأهل بيته ليس أحد منهم معصوما من الخطإ، فإنهم ليسوا أنبياء ولا ملائكة فيجوز عليهم الذهول ولا يستحيل عليهم الخطأ. أما سبب مخالفة سعد بن عبادة ﵁ فإنه كان سيد الأنصار وهم جمهور الناس في المدينة وأهل البلد. وقد كان قبل قدوم رسول الله - ﷺ - عليهم وهم في جاهليتهم رأوا ما لهم من القوة والثروة والعصبية فأرادوا أن يجعلوا عليهم ملكا عبد الله بن سلول وهو من الخزرج قوم سعد بن عبادة وهم معظم الأنصار، فانتقض ذلك بالإسلام وقدوم النبي ﵊، فلما توفي رسول الله - ﷺ - اجتمع الأنصار ليبايعوا منهم سيدهم سعد بن عبادة ويجعلوه عليهم ملكا، ليس لاعتقادهم أنه أفضل من
[ ١١٥ ]
أبي بكر ولكن لكونهم كانوا قد رتبوا هذا الأمر في الجاهلية لرجل منهم فحال بينهم وبينه وجود النبي - ﷺ -، فلما توفي ﵊ ظهر له أنه لا مانع من ذلك، فأرادوا مبايعة سعد المذكور لاعتقادهم أنه أهل لأن يكون ملكا عليهم وأنهم هم أهل لأن يكون منهم ملك بالنظر إلى كثرتهم وعصبيتهم وشجاعتهم وغناهم وكونهم هم أهل البلد، ولم ترض نفوسهم الأبية أن ينقادوا إلى غيرهم مع استيفاء الشروط فيهم، وإنما كانوا منقادين لرسول الله - ﷺ - بالدين ولم يقصدوا أن يكون واحد منهم خليفة لرسول الله - ﷺ - على الأمة المحمدية بأسرها، ولذلك قالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. فلما ذهب إليهم أبو بكر وعمر إلى محل اجتماعهم، سقيفة بني ساعدة، خوفا من وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، تكلم أبو بكر ووعظهم وذكرهم بما كانوا عنه غافلين، وتكلم عمر وذكرهم بفضائل أبي بكر وما كان له من علو المترلة عند رسول الله - ﷺ -. فتجلى لهم الحق والصواب وأعرضوا عما كانوا قصدوه
[ ١١٦ ]
وبايعوا أبا بكر مع جملة الأصحاب وانقادوا إليه بزمام الدين، مع كونهم كانوا هم أهل البلد والقوة وكانوا يرون مترلة علي وغيره من أهل بيت النبي - ﷺ - وغيرهم، فلو علموا أن أحدا منهم أحب إلى الله ورسوله وأحق في هذا الأمر من أبي بكر لما فسخوا عزيمتهم التي كانوا صمموا عليها وتركوا تمليك واحد منهم الذي يترتب عليه فخرهم وشرف دنياهم وبايعوا أبا بكر، بل كانوا يبايعون ذلك الرجل الذي يرون فيه الأحقية والأولوية، لا سيما إذا كانوا من أهل بيت النبي - ﷺ -. فبهذا ظهر سبب ما وقع من الأنصار من الخلاف وما رجعوا إليه من الإنصاف.
أما سيدتنا فاطمة الزهراء ﵂ فإنها حصل لها من الكرب بوفاة النبي - ﷺ - ما شغلها عن كل شيء ولازمها الكمد حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاته - ﷺ -، ولعلها كانت لعظم ما نزل بها وشدة محبتها لأبيها ﵊ وجلالة قدرة إلى درجة لم يشاركه فيها أحد من الأنام لم تسمح نفسها بأن ترى أحدا من الناس يقوم بعده ذلك المقام فلذلك
[ ١١٧ ]
تأخرت عن مبايعة أبي بكر. وقوى ذلك أنها طلبت منه ﵂ وعنه أن يورثها أرضا تركها النبي - ﷺ - فامتنع، لأنه سمع من رسول الله - ﷺ - قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فبقي في نفسها من ذلك شيء، ولو جاز أن أبا بكر يحابي أحدا بما لا يعتقد جوازه لحاباها بذلك محبة لرسول الله - ﷺ - واستجلابا لرضاها ورضا زوجها وقومها ﵃، فكانت الديانة والسياسة - وهو منهما في المحل الأعلى - يلزمانه بإعطائه إياها تلك الأرض لو لم يسمع من رسول الله - ﷺ - ما سمعه، ومع ذلك فكان يزورها ويخضع لها ويلاطفها غاية الملاطفة لاستجلاب رضاها حتى رضيت عنه.
وأما زوجها علي ﵁ فقد حصل له كذلك من شدة الحزن والكرب لوفاة رسول الله - ﷺ - ما لا تحمله الجبال الراسيات بحيث ضاقت عليه الدنيا ولازم بيته مدة من الزمان. ثم بايع أبا بكر واعتذر عن تأخره عن البيعة بما هو لا شك صادق فيه من ملازمة الأحزان مع اعتقاده أحقية أبي بكر لهذا الشأن ولعدم
[ ١١٨ ]
مشاورته قبل البيعة في سقيفة بني ساعدة. ولو فرضنا أن تأخره عن البيعة لاعتقاده في نفسه أنه مقدم على أبي بكر في استحقاق الخلافة؛ نقول في الجواب: نحن نعلم أن جمهور الصحابة -ولا سيما المقربون منهم إلى رسول الله - ﷺ - كالذين بشرهم بالجنة وخلافهم من أهل بدر وبيعة الرضوان- هم أعلم ممن جاء بعدهم بيقين بمن كان عالي المترلة عند رسول الله - ﷺ - في حياته إلى درجة تخوله حق الخلافة بعد وفاته، وكلهم قد أجمعوا على خلافة أبي بكر. فنضع خطأهم في ذلك بفرض وقوعه في جانب مع خطأ أبي بكر نفسه بقبولها لو فرضناه وخطأ جميع أهل عصرهم من المسلمين الذين أقروهم على ذلك، ونضع في الجانب الآخر خطأ علي في ذلك بفرض تصوره أنه أحق بالخلافة من أبي بكر ونضع أيضا صوابهم في ذلك في جانب وصواب علي على فرض تصوره في جانب، فمن يا ترى أقرب إلى رضا الله تعالى ورسوله؟ أن يكون أبو بكر وجميع الصحابة وغيرهم من المسلمين مخطئين في عملهم ويكون علي وحده مصيبا في تصوره، أو خطأ علي في هذا التصوير وإصابة الأمة
[ ١١٩ ]
بأسرها وقتئذ أقرب إلى رضا الله ورسوله؟ لا أظن أن هذا السؤال يتوجه إلى أحد في قلبه نور إيمان ثم لا يرى أن الصواب مع أبي بكر والأصحاب، لا سيما وقد فرضنا أن عليا ﵁ تصور الخلافة لنفسه، فهذا أقرب للخطأ ممن يتصورها لغيره كباقي الصحابة الذين تصوروها لأبي بكر فإن نفوسهم ليس لها حظ من خلافته إلا اتباع الحق وكونه أولى وأحق. ولو كان أبو بكر بمترلة علي في تصوره لنفسه والصحابة كلهم أو جلهم مع علي لكنا أيضا نكون مع الجمهور، إذ لا قرابة بيننا وبين أبي بكر تحملنا على محاباته، بل لو تساوى أبو بكر وعلي من كل الوجوه لكان المرجح عليه بقرابته من رسول الله - ﷺ -. ولكن قد تحققتا أن رسول الله - ﷺ - نفسه كان عنده أبو بكر مقدما على علي وعلى سائر الأصحاب، فكيف نقدم نحن عليه عليا أو غيره؟ وإنما نحن مع الله ورسوله، لا مع أنفسنا، وهو إنا نحن نعلم حق العلم أن عليا ﵁ كان من أقرب الأقرباء المحبوبين لرسول الله - ﷺ -، ومن أجل الأصفياء المقربين عنده، ومن أنفع
[ ١٢٠ ]
أصحابه له ولدينه وأعظمهم إقداما في نصرته وأكثرهم إلقاء لنفسه في مظان التلف في معارك الحروب، وهو الذي خلفه في فراشه ففداه بنفسه يوم الهجرة، وفوق ذلك أنه زوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو ذريته الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين، مع وفرة العلم والفضل والشجاعة والكمال من كل الوجوه؛ ولكنا نعلم مع ذلك بأبي بكر من الفضائل الجمة والمناقب المهمة ما هو أكثر من ذلك وأن المترلة التي كانت له عند رسول الله - ﷺ - لم يصل إليها علي ولا غيره.
وكل الصحابة كانوا يعلمون هذه الفضائل الجليلة لعلي ﵁ ومع ذلك أقدموا على مبايعة أبي بكر على الخلافة مع وجوده، فلا شك أنهم وجدوا أبا بكر أحق بها وأولى. ولو بايعوا عليا لكان جديرا بها، ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك لقدموه على من هو أحق منه فلم يفعلوا.
والله إني أتيقن أن عليا نفسه لم يتخطر أنه مقدم على أبي بكر، وكيف يكون ذلك وهو ﵁ من أتقى الناس وأصدقهم وأكثرهم إنصافا. وقد كان مشاهدا لأحوال أبي بكر مع رسول الله - ﷺ - من البداية إلى
[ ١٢١ ]
النهاية، وقد كان هو صغير السن في ابتداء البعثة ثم كان بعد ذلك من الشبان الأقوياء الشجعان حتى فدى رسول الله - ﷺ - بنفسه وألقى نفسه في الأخطار في محبة الله تعالى ورسوله. ولم نسمع أنه كان من أهل مشورة رسول الله - ﷺ - في مهماته مثل أبي بكر لا سيما في وقت الشدة في أول البعثة. وأبو بكر ملازم للنبي - ﷺ - في ليله ونهاره وحضره وأسفاره، يوالي من والاه ويعادي من عاداه، ولو وصله من ذلك أعظم ضرر يأتي على نفسه وماله وعياله، حتى شاهد المشركين يوما يؤذون النبي - ﷺ - ففداه بنفسه وصار يضربهم ويضربونه، واشتد عليه الأمر حتى أغمي عليه وكاد يموت من كثرة الضرب والجراحات. وكان يطوف معه - ﷺ - على قبائل العرب في المواسم يبلغ رسالة ربه ويدعوهم إلى نصرته، كل ذلك وعلي ﵁ صغير السن وقتئذ. أترى أن الله تعالى ينسى ذلك لأبي بكر، أو ترى أن محمدا - ﷺ - يعدل به بعد هذا أحدا من الناس، أو ترى أن أمته - ﷺ - يخلفونه بما لا يرضيه في شأن هذا
[ ١٢٢ ]
الصاحب الذي كان له عليه كمال الاعتماد وقد فداه بالنفس والمال والأولاد، مع علمهم أنه - ﷺ - لم يكن يعدل به أحدا من خلق الله تعالى مدة حياته حتى توفاه الله تعالى وهو راض عنه كمال الرضى. ومن لم يعلم ذلك فهو من أجهل الجاهلين بأحوال رسول الله - ﷺ - مع أصحابه.
ثم ماذا كان من خلافة أبي بكر، هل كان منها ضرر على الدين والمسلمين؟ كلا والله، بل كانت كنبوة ثانية، أعز الله بها الإسلام والمسلمين وأيد وشيد قواعد هذا الدين المبين. فقد ارتدت أكثر قبائل العرب بعد وفاة النبي - ﷺ -، فجمعهم ﵁ طوعا وكرها على الإسلام. وفتح بلاد العراق والشام، وجيش جيوش المسلمين للجهاد في سبيل الله الملك العلام، وسيرهم إلى أعداء الدين أقواما بعد أقوام، حتى أظهر الله به دينه غاية الظهور وانتظمت على أحسن حال الأمور. وكان ذلك بعد أن جمع الصحابة، منهم عمر وعثمان وعلي وغيرهم من أكابر أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، واستشارهم في شأن أهل الردة فأشاروا جميعا عليه بتركهم وشأنهم
[ ١٢٣ ]
لأنهم معظم العرب وقتئذ ولا قدرة للمسلمين على محاربتهم لقلتهم بالنسبة إليهم، فكرر عليهم المشورة فكرروا هذا الرأي، وقالوا نعبد الله تعالى حتى نموت، فقال لهم: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي، والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه ولو انفردت بسالفتي. ووبخ عمر على هذا الرأي بقوله له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ مع أن عمر كان هو المعروف بالشدة في الدين وأبو بكر كان معروفا بالرفق واللين، فانعكس الموضوع في هذا الأمر المهم الذي لم يرد على الإسلام بعد رسول الله - ﷺ - أمر مثله. ثم قام أبو بكر من ذلك المجلس معلنا الحرب على أهل الردة قائلا: ها أنا متوجه بنفسي للجهاد في هؤلاء المرتدين، فمن تبعني فليتبعني. فانقادوا إليه وقالوا له كلهم: نحن معك يا خليفة رسول الله، وقال عمر: فما كان إلا أن شرح الله صدورنا لاتباع أبي بكر وكان فيه الخير والبركة. وقال بعضهم: لولا أبو بكر لما عبد الله تعالى بعد محمد - ﷺ -. فجيش جيشا وأرسله مع خالد بن الوليد، فلم يزل يحاربهم قبيلة بعد قبيلة
[ ١٢٤ ]
ويستعين ببعضهم على بعض إلى أن رجع العرب جميعهم إلى الإسلام وكثرت الجيوش، فجهزها لمحاربة دولتي الفرس والروم في العراق والشام، وهم أعظم دول الدنيا وقتئذ. وتتابعت الفتوحات في مدة خلافته وهي ثلاثة أعوام. وختمها بالعهد إلى عمر بالخلافة ونعم الختام، وكان عمر وزيره الأعظم كما كان هو عند النبي - ﷺ -، فهو على كثرة فضائله وفتوحاته حسنة من حسناته. هذا أبو بكر وهذه خلافته. فهل تراها يا أيها الشيعي جلبت ضررا على المسلمين أو أيدت وشيدت أركان الإسلام إلى يوم الدين. فرحم الله امرءا اتبع حقه وترك هواه و﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾