أما عثمان ﵁ فإنه كان من أعظم أكابر قريش في الجاهلية وكان من السابقين للإسلام، هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين وتزوج بنتي رسول الله - ﷺ - فسماه ذا النورين. ولم يزل من أول الإسلام إلى وفاة النبي ﵊ وهو من أجل المقربين إليه وأعظم المحبين المحبوبين لديه، حتى كان من المعلوم عند جمهور الصحابة تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر عليهم جميعا في الفضل عند رسول الله - ﷺ - كما صح ذلك في حديث البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ وهو من أعلم الصحابة وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم أنه قال: كنا في حياة النبي - ﷺ - نفضل بين أصحاب رسول الله - ﷺ - فنفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ولا قرابة بينه وبين واحد منهما، ولو جازت عليه المحاباة لحابى أباه فقدمه على أبي بكر، وحابى عليا لقرابته من رسول الله - ﷺ -. وكان عثمان في الجاهلية من رؤساء قريش،
[ ١٣٢ ]
وقومه بني أمية كانوا مع كثرتهم ورياستهم من أشد أعداء رسول الله - ﷺ -، فخالفهم عثمان وآمن برسول الله - ﷺ - في أول البعثة والإسلام يومئذ جديد في غاية الضعف والخفاء، والشرك حينئذ متين في غاية الظهور والقوة. وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة. ولم يفارق رسول الله - ﷺ - في أكثر غزواته ومشاهده. وكم له من يد بيضاء في الإسلام في حياة النبي - ﷺ - لم يسد أحد مسده فيها. منها تجهيزه جيش العسرة في غزوة تبوك. ومنها أن النبي - ﷺ - أرسله يوم الحديبية إلى مكة ليطيب قلوب المؤمنين المستضعفين، وكان - ﷺ - أمر بذلك قبله عمر فلم يعفل خوفا من قريش لشدة عداوته لهم وعداوتهم له وقلة قومه ودله على عثمان لقوة عصبيته وكثرة قومه، فذهب وقضى حاجة رسول الله - ﷺ - على أتم وجه وامتنع من الطواف بالبيت لعدم طواف النبي - ﷺ - به في ذلك العام. وقد كان - ﷺ - يستحيي منه فسئل
[ ١٣٣ ]
عن ذلك فقال: "ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة الرحمن". ولم يزل كذلك عند النبي - ﷺ - في المنزلة الزلفى والمكانة العليا والعناية الكبرى إلى أن توفي - ﷺ - وهو راض عنه تمام الرضى. ثم كان عند أبي بكر أيام خلافته كذلك. ثم كان عند عمر أيام خلافته كذلك. ثم لما تولى الخلافة مشى على سنن أبي بكر وعمر في العدل بين الناس والجهاد في سبيل الله، حتى فتح المغرب بأجمعه وكثيرا من بلاد إفريقية، وفتح بلاد أرمينية وخراسان وما والاها حتى وصل إلى حدود الصين واستولى على سائر بلاد الفرس. وكان هلاك كسرى في مدة خلافته. وفتح من جزائر البحر قبرس ورودس وغير ذلك من الفتوحات الكثيرة التي تضاحي فتوحات عمر، وحصل للإسلام في مدته انتشار عظيم في أقطار الأرض. ولم يزل الناس راضين مغتبطين بخلافته إلى أن أكثر من تولية رؤساء بني أمية بالأعمال، فنقم عليه ذلك قوم من فساق أهل مصر والعراق، فخرجوا عن طاعته وأتوا إلى المدينة المنورة فحصروه وقتلوه ظلما ﵁.
وقد اتفق
[ ١٣٤ ]
جمهور الأمة المحمدية من أهل السنة والجماعة من عصر الصحابة إلى الآن على أن عثمان أفضل من علي. وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون بمجرد التشهي لأن الأمة لا قرابة مخصوصة بينها وبين أبي بكر وعمر، فكما أنها قدمتهما في الفضل عليه وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب التفضيل كذلك قدمته على علي وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب تفضيله وإن كانت أسباب تفضيل الشيخين عندنا أظهر من أسباب تفضيله على علي. ونحن يلزمنا اتباع سلفنا الصالح في ذلك لوثوقنا بقوة دينهم ووفرة علمهم وكثرة معرفتهم وورعهم وعدم محاباتهم في الدين أحدا، ولو كانوا يحابون في ذلك لحابوا عليا لقرابته من رسول الله - ﷺ -، وقد اطلعوا على ما لكل منهما من الفضائل على ما ورد في حقهما عن النبي - ﷺ - من المناقب، وشاهد الصحابة منهم حالة قرب كل منهما منه - ﷺ - حال حياته، وبعد هذا كله اتفق جمهورهم على أفضلية عثمان، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة
[ ١٣٥ ]
المجتهدين وأتباعهم أجمعين. وليم يخالف في ذلك من الأئمة إلا سفيان الثوري ومالك في أول قوليه، ففضلا عليا على عثمان، ثم ثبت عند مالك تفضيل عثمان فرجع عن قوله الأول ووافق الجمهور في تفضيله على علي. وجرى الأمر على ذلك باتفاق أهل المذاهب الأربعة جيلا بعد جيل، يرويه السلف عن الخلف ويتلقفه المتأخر عن المتقدم وينشر في الكتب ويقرر في العقائد ويقرأ في الدروس ويوعظ به على رؤوس المنابر ويعلن في المجامع الدينية والمحافل الإسلامية من دون نكير ولا تقييد ولا تحجير إلى وقتنا هذا.
إذا علمت هذا أيها المسلم المتحري لدينه المبين التابع لسبيل الهداة المهتدين، فكيف تطيب نفسك أن تعتقد خطأ هذه الأمة العظيمة في سائر الأعصار والأدوار من صحابتها وتابعيها وأوليائها وأتقيائها ومجتهديها، وهم علماء الناس وساداتهم وعقلاؤهم وقاداتهم في أمور دينهم ودنياهم. أترى ذلك يرضي الله تعالى أم تراه يسر رسول الله - ﷺ - أم تراه يطيب للأئمة الأعلام من ساداتنا
[ ١٣٦ ]
أهل البيت الكرام، حاشا وكلا. أما من جهة الخلافة فقد كان إليها علي وعثمان فرسي رهان فسبق عثمان فاتبعه علي، ولو سبقه علي لاتبعه عثمان. والدليل على تقاربهما في الفضل وكون كل منهما فيه الأهلية التامة للخلافة بعد ابي بكر وعمر عدم تخصيص عمر واحدا منهما، ولو علم في أحدهما ما علمه أبو بكر فيه من التقدم على الجميع لعهد إليه بالخلافة ولم يذكر معه غيره بدون محاباة، ولو جازت عليه المحاباة لحابى عليا لأنه أبو زوجته أم كلثوم بنت علي وجد بنيه منها فضلا عن قرابته من رسول الله - ﷺ - وكونه زوج سيدة نساء العالمين وأبا أهل بيت النبوة الطاهرين. فإن قلت قد سمى معهما غيرهما فلا يدل ذلك على معرفة انحصار الأهلية للخلافة فيهما، قلت نعم فعل ذلك مع علمه والله أعلم أن الخلافة منحصرة فيهما لما يعلمه من شدة المنافسة بين بني هاشم وبني أمية، فخاف من وقوع الفتنة بين القبيلتين إذا نص على واحد منهما أو إذا حصرها في الاثنين، فضم معهما غيرهما من ذوي الأهلية بعدهما لتكون شورى بينهم فترضى الأمة
[ ١٣٧ ]
بمن يقع عليه اتفاقهم، وقد كان كذلك ورضيت الأمة والحمد لله بخلافة عثمان وبايعه علي وسائر أهل البيت الكرام وداموا على السمع والطاعة والمعاونة في كل ما يؤيده ويؤيد خلافته إلى أن خرج عليه جماعة من خوارج مصر والعراق فقتلوه شهيدا ﵁، ولم يوجد معهم أحد من الصحابة أهل البيت وغيرهم، بل كانوا من المحامين عنه، إلى أن قضى الله بشهادته وشقاوة قاتليه. فبويع علي بالخلافة لأنها بعد عثمان قد انحصرت فيه وكان موجودا وقتئذ طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ولم يخطر في بال أحد من الصحابة أن يبايعهم من وجود علي. ومن هنا تعلم صحة ما ذكرته لك في حكمة ذكر عمر إياهم مع علي وعثمان، وإن لم أر أحدا ذكره من المؤلفين في هذا الشأن. وقد رأيت رؤيا منامية تدل على تفضيل عثمان على علي ﵄ ذكرتها في خاتمة هذا الكتاب، وهي الحكاية الثالثة والعشرون فراجعها هناك والله يتولى هداي وهداك.
فصل في خلافة علي وشأنه مع من بغى عليه من الصحابة ﵁
[ ١٣٨ ]
وعنهم
ثم بعد قتل عثمان مظلوما شهيدا اجتمع أهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله - ﷺ - وغيرهم وتوجهوا إلى علي ﵁ فبايعوه بالخلافة لأنها قد انحصرت فيه ولا يستحقها أحد مع وجوده لكثرة فضائله التي لا تحصى. منها أسبقيته للإسلام ولم يعبد وثنا قط وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابن عم رسول الله - ﷺ - وأخوه بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو سبطيه الحسن والحسين وجد آله الطاهرين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله - ﷺ -. ولما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي - ﷺ - ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك ونام في فراشه الذي كان المشركون يراقبونه فيه ليقتلوه - ﷺ -، ففداه بذلك بنفسه. وشهد مع النبي - ﷺ - سائر المشاهد
[ ١٣٩ ]
إلا تبوك فإنه - ﷺ - استخلفه على المدينة وقال له حينئذ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فإن موسى صلوات الله عليه كان خلف هارون ﵇ في قومه لما ذهب إلى المناجاة. وله في جميع المشاهد الآثار المشهورة، ففي غزوة بدر كان في أول المبارزين فقتل من بارزه. وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة. وبارز في غزوة الخندق عمرو بن ود العامري الشهير فقلته. وأعطاه النبي - ﷺ - اللواء في مواطن كثيرة سيما يوم خيبر وأخبر - ﷺ - أن الفتح يكون على يده ووصفه بأنه: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» كما في الصحيحين، وكان كذلك، وحمل يومئذ باب حصنها على ظهره حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وأنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا، وفي رواية أنه تترس بباب الحصن عن نفسه فلم يزل يقاتل وهو في يده حتى فتح الله عليه ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يلقوه فما استطاعوا. وغير ذلك من الفضائل والمناقب والمفاخر التي تعجز عن حصرها الأقلام والدفاتر. ولكنه مع ذلك لم يهنأ له في الخلافة عيش ولم
[ ١٤٠ ]
يجد فيها راحة، وتوالت عليه أسباب التعب والنصب من كل جانب. ولو قدر الله دخوله للخلافة مع السكون والهدوء واجتماع الأمة كما حصل في خلافة أسلافه لما كان قصر عنهم في تمهيد الأمور وكثرة الفتوحات وزيادة نشر الإسلام في سائر أقطار الأرض كما حصل لهم. ولكنه من حين دخوله الخلافة دخل فيها والأمة في غاية الاختلاف وأمورها في غاية التشويش والاضطراب بسبب قتل عثمان وتحزب الأحزاب واختلاف الآراء واجتماع الجماعات على آراء مختلفة وأغراض متباينة، فكان ﵁ كلما اشتغل بسد خرق من جانب انفتق عليه خرق من جانب آخر، حتى عاداه أعظم من كان يثق بهم.
أما في أول الأمر فمثل طلحة والزبير ﵄ مع السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، فقد جيشوا عليه جيش وقعة الجمل وصارت بينهم وبينه تلك المحاربة العظيمة للأخذ بثأر عثمان من الذين قتلوه، وكانوا هم وعشائرهم في عسكر الإمام علي ﵁ فامتنع من تسليمهم خوفا من زيادة الفتنة، فكان ما كان من قتل كثير منهم الزبير وطلحة. وأرجع
[ ١٤١ ]
عائشة إلى المدينة المنورة بغاية الإكرام والإعزاز. ولا يخفى أن هؤلاء هم أولى الناس ﵁ وعنهم، ولكن الله إذا قضى شيئا لم ينفع العقل والنظر، وإذا وقع القضاء عمي البصر. ثم بعد أن كاد الفتح يتم له ﵁ في وقعة صفين حصلت مكيدة رفع المصاحف على الرماح وطلب المحكمة إلى كتاب الله، فبطل الحرب ورجع كل إلى مأواه. ثم إن عسكر علي انشقوا فأنكروا التحكيم وخرجوا عليه فاشتغل بحربهم بمن أطاعه من عسكره، ومعاوية يجمع الجموع ويجيش الجيوش في الشام وقد اتفقوا على طاعته في الطلب بدم عثمان، وبقي الأمر كذلك لم يهنأ لعلي أمير المؤمنين عيش ولم ينتظم له أمر حتى قضى الله بقتله شهيدا سعيدا على يد أشقى الآخرين أحد الخوارج المارقين عبد الرحمن بن ملجم. ولهذه الأحوال العجيبة والمصادفات الغريبة حكمة باطنية وسبب ظاهر بحسب ما ظهر لفكري القاصر.