لا يخفاك أيها المؤمن العاقل المنصف أنا إنما نحب عليا ﵁ لله ورسوله، وكذلك نحب سائر أهل البيت وجميع الأصحاب لله ورسوله. ولذلك كانت محبتنا لهم لا على السوية، بل نفاضل بينهم بالمحبة بحسب درجات فضلهم عند الله ورسوله على ما رواه لنا الأئمة وتناقلته الأمة الخلف عن السلف. فنقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا ثم
[ ١٦١ ]
باقي العشرة المبشرين بالجنة، ومن أكابرهم الزبير وطلحة المؤهلان للخلافة بعد علي، وهما من المهاجرين الأولين السابقين في الإسلام، ثم باقي أهل بدر ومن أكابرهم الزبير وطلحة، ثم أهل أحد ومن أكابرهم الزبير وطلحة، ثم من أسلم قبل فتح مكة ومن أكابرهم الزبير وطلحة ومنهم عمرو بن العاص، ثم من أسلم بعد الفتح ومنهم معاوية، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١) فمعاوية ممن وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة، وهو وإن كان من القسم الأخير من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو مفضول بالنظر إلى الأقسام السابقة، إلا أنه هو وجميع الصحابة ممن أسلم بعده أيضا أفضل من جميع من جاء بعدهم من هذه الأمة المحمدية، ففضله من هذه الجهة أي جهة الصحبة وحدها إذ اعتبرته تجده عظيما عظيما عظيما إلى درجة لا تقدر على تصورها، لأنك تعلم أنه قد جاء في هذه الأمة بعد الصحابة من أكابر الأئمة
_________________
(١) الحديد: ١٠
[ ١٦٢ ]
والعلماء والأولياء من لا يمكن استيفاء مناقبهم وفضائلهم بوجه من الوجوه. فمعاوية مع تأخره في الفضل عن معظم الصحابة هو أفضل من التابعين ومن بعدهم أجمعين، لتشرفه بصحبة سيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وكتابته له الوحي في بعض الأحيان، وجهاده معه أهل الشرك والطغيان، فضلا عما اتصف به في حد ذاته من الفضائل والمزايا الكثيرة. وخدماته بعد رسول الله - ﷺ - الخدمات الدينية المشكورة. فقد جاهد في سبيل الله مدة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وبعد أن استقل بالأمر، فإنه بقي في الشام مدة طويلة ثمانيا وأربعين سنة، منها نحو ست سنوات تحت راية أخيه يزيد، ومنها اثنان وعشرون سنة أميرا مجاهدا ضابطا لبلاد الشام وهي حدود الروم وقتئذ، ومنها عشرون سنة ملكا مجاهدا، حتى فتح فتوحات كثيرة ووصل جيشه إلى القسطنطينية وكان معه أبو أيوب الأنصاري، فمات هناك ودفن فيها وقبره إلى الآن ظاهر يزار. وهو مع كل فضائله التي لا يماثلها ولا يقاربها
[ ١٦٣ ]
فضائل أحد من غير الصحابة نسبته في الفضل إلى علي كنسبة الدرهم من الفضة مثلا إلى القناطير المقنطرة من الذهب، بل من الجواهر النفيسة العظيمة التي جلت عن أن تقوم بقيمة. كما قلت في قصيدتي "سعادة المعاد في موازنة بانت سعاد" في مدح سيد العباد - ﷺ -:
كالشمس في الأفق الأعلى أبو حسن ومن معاوية في الأرض قنديل
واعلم أن هذا ليس من قبيل المبالغة والتخيل في الشعر فقط بدون أن يكون موافقا للحقيقة، بل الفرق بينهما في الحقيقة والله أعلم كذلك أو أعظم من ذلك. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ فخالد بن الوليد أسلم قبل الفتح، ومعاوية بعد الفتح، وقد قال رسول الله - ﷺ - لخالد حين اختلف مع سلمان الفارسي: «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وقد صرح القرآن بأن خالدا وأمثاله ممن أسلموا قبل الفتح أعظم درجة من
[ ١٦٤ ]
معاوية وأمثاله، ومقدار فضل هذه الدرجة لا يعلمه إلا الله تعالى، فقد تكون الدرجات التي استفادوها بأعمالهم في جميع أعمارهم لا تعادل تلك الدرجة، وقد صرح رسول الله - ﷺ - مع القسم العظيم بأن خالدا وأمثاله ممن تأخر إسلامهم عمن سبقهم لو أنفق أحدهم مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مقدار مدّ أو نصف مد من الطعام ينفقه مثل سلمان الفارسي من السابقين للإسلام، وسبق علي لسلمان بالإسلام أعظم من سبق سلمان لخالد، فإن عليا كان من السابقين الأولين بل كان أول المسلمين أو من أولهم، وسلمان إنما أسلم بعد الهجرة، هذا فضل عن الفضائل الكبرى الأخرى التي امتاز بها علي عن سلمان وغيره من كبار الصحابة فضلا عن غيرهم. وبهذا تعلم أن درجة الفرق بين علي ومعاوية في الفضل لا يمكن أن نتصورها بأفهامنا ولا من هو أعظم منا.
وأقيم لك على ذلك دليلا آخر، وهو أن رسول الله - ﷺ - حينما أعطى بعض المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين مقادير وافرة من الغنائم قبل القسمة: منهم أبو سفيان وولداه يزيد ومعاوية، قال له بعض
[ ١٦٥ ]
أصحابه: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري، وهو في غاية الاحتياج والفاقة. وكان من أهل الصفة فقيرا لا يملك شيئا، فقال - ﷺ -: "أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة لإسلامه" ومعنى طلاع الأرض ملؤها حتى يطلع عنها ويسيل كما قاله ابن الأثير في النهاية. ولا يخفاك أن الفرق بين علي ومعاوية ليس أقل من الفرق بين عيينة وجعيل، بل الأمر أعظم والله أعلم.