وهي لم يختلف أحد في أنها كانت أحب أزواج رسول الله - ﷺ - إليه. ففي صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - سئل أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: «عائشة». قيل: فمن الرجال؟ قال: «أبوها». فانظر كيف أطلق - ﷺ - تفضيلها في المحبة على كافة الناس ولم يستثن من ذلك أحدا، وهذا من حيث الزوجية. وأما من حيث البنوة فالأحب إليه السيدة فاطمة ﵂. وروى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي سلمة أن
[ ١٥١ ]
الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله - ﷺ -، وأن نساء رسول الله - ﷺ - كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله - ﷺ -، فقال حزب أم سلمة لها: كلمي رسول الله - ﷺ - يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله - ﷺ - فليهد إليه حيث كان فكلمته فقال لها: «لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب أمرأة إلا عائشة» قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة فأرسلنها إلى رسول الله - ﷺ - فكلمته، فقال: «يا بنية ألا تحبين ما أحب؟» قالت بلى قال: «فأحبي هذه» يعني عائشة. وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي - ﷺ - فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - إلى رسول الله - ﷺ -، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله - ﷺ -: «أي بنية، ألست تحبين ما أحب؟» فقالت بلى قال: «فأحبي هذه»، قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى أزواج رسول الله - ﷺ - فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله - ﷺ -، فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله - ﷺ -، فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في
[ ١٥٢ ]
ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدا.
وأما الأحاديث الصحيحة الواردة في فضلها فهي كثيرة جدا كقوله - ﷺ -: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، وكون جبريل أتى النبي - ﷺ - بصورتها على قطعة من حرير الجنة قبل أن يتزوجها، وقوله - ﷺ -: «إن جبريل يقرئك السلام». وقوله - ﷺ - في مرض موته: "إنه ليخفف علي الموت رؤيتي بياض يد عائشة في الجنة". وموته في حجرتها التي دفن فيها، وبين سحرها ونحرها، وهي مستندة على صدرها - صلى
[ ١٥٣ ]
الله عليه وسلم -. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على كثرة فضلها وتكريم النبي - ﷺ - لها وشدة محبته إياها، فمن أرادها فليراجعها.
وأما مناقبها في ذاتها، فهي الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر، وهي أعلم النساء على الإطلاق، لم يسمع بأمرأة من جميع الأمم جمعت من العلم النافع الديني ونشرته في الأمة مثلها. فإنها كانت في غاية الذكاء والعقل والحرص على اكتساب العلم منه - ﷺ - وتبليغه لأمته. ولازمته ﵊ مدة طويلة، فحفظت عنه من العلم الغزير ما لم يحفظه غيرها، واطلعت من أحكام الشريعة ورقائقها على ما لم يطلع عليه غيرها. وكانت صاحبة فهم ثاقب ومذهب صائب. ولذلك ورد عن النبي - ﷺ -: "خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" تصغير الحمراء. وقد روت عن النبي - ﷺ - أكثر من ألفي حديث انتفعت بها الأمة نفعا عظيما في الأحكام الشرعية، واستنبط منها الأئمة المجتهدون ما لا يحصى من المسائل الدينية ولا سيما ما يتعلق بالنساء من الأحكام التي لا يطلع عليها الرجال حتى يرووها عنه
[ ١٥٤ ]
- ﷺ -. وروى الترمذي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه قال: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله - ﷺ - حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما". وعن مسروق أحد أكابر التابعين أنه قال: يحلف بالله مسروق لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألون عائشة عن الفرائض. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة وجمع علم جميع أزواج النبي - ﷺ - وجميع النساء كان علم عائشة أكثر. نقل هذه الثلاثة الآثار عن أبي موسى ومسروق والزهري العلامة الشبراخيتي المالكي في شرح الحديث الخامس من الأربعين النووية، ونحوه في كتاب أسد الغابة لابن الاثير. وكفاها قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» فهي ﵂ بالاتفاق أفضل نساء العالمين ما عدا ثلاث سيدات السيدة مريم والسيدة فاطمة والسيدة
[ ١٥٥ ]
خديجة.
فهذه المناقب لو لم يكن منها للسيدة عائشة إلا منقبة واحدة لكانت كافية في لزوم التجاوز عن خطئها في الخروج مع من خرج من أصحاب رسول الله - ﷺ - على سيدنا علي ﵁. ولو لم يكن لها منقبة أصلا سوى أنها زوجة رسول الله - ﷺ - لكفت لمحو ذلك الخطإ، إذ هي أم المؤمنين بمجرد الزوجية بنص القرآن. قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) وأنت على علم من التأكيدات الشرعية الواردة في الكتاب والسنة في وجوب بر الأم، وهي بلا شك أعظم من أم النسب وبرها أوجب. كما أن رسول الله - ﷺ - هو أبو المؤمنين، وقد ورد التصريح بهذا اللفظ في قراءة. ونفي الأبوة عنه في الآية الأخرى إنما هو من حيث النسب. قال الإمام ابن حجر في الصواعق: وعلى الأصح فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إنما سيق لانقطاع حكم التبني لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام. ولا شك أنه ﵊ أعظم لدى كل مؤمن من أبيه من النسب، وبره - ﷺ - أوجب من بر ذلك الأب، فكذلك زوجاته
_________________
(١) الأحزاب: ٦
[ ١٥٦ ]
أمهات المؤمنين. ولا يتردد في هذا إلا كل من لم يشرح الله صدره بالإيمان، بل لو فرضناها ﵂ أمَة تسرّاها رسول الله - ﷺ - كالسيدة مارية القبطية لوجب على الأمة برها وتأكد عليها إكرامها وتوقيرها لمكانها من رسول الله - ﷺ -. بل لو كانت ﵂ مولاة له من جملة مواليه - ﷺ - ك أم أيمن وأم رافع لكان من المؤكد على جميع الأمة كمال برها وتوقيرها إكراما له - ﷺ -. وقد ورد أن سفينة مولى رسول الله - ﷺ - تعرض له الأسد في برية فقال له: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله - ﷺ -، فخضع وذل لقوله هذا، وأشار إليه أن يتبعه فتبعه حتى دله على الطريق وهو حيوان، فكيف بالإنسان.
والحاصل أنها ﵂ لو كانت منسوبة إليه - ﷺ - أضعف نسبة ولو خادمة من جملة خدمه لكان يلزم عموم الأمة برها لأجله ﵊، فما بالك وقد جمعت من المناقب والفضائل ما لم يجمعه أمرأة غيرها على الإطلاق ولم يفضلها سوى تلك السيدات الثلاث. أترى
[ ١٥٧ ]
كل ذلك لا يقاوم خطأها مع سيدنا علي ﵁ مع أنه هو نفسه أكرمها غاية الإكرام لعلمه بفضلها ومكانتها من رسول الله - ﷺ -. ويا ترى تكريمنا إياها وتوقيرها وتعظيمها يسر رسول الله - ﷺ - ويرضيه أو يسوؤه ويغضبه؟ ويا ترى بغضنا إياها وعدم توقيرنا لها يسر رسول الله - ﷺ - ويرضيه أو يسوؤه ويغضبه؟ لا شك أن من الأمور البديهية الطبيعية التي استوى في معرفتها العلماء والجهلاء أن توقيرها ﵂ والثناء عليها بجميل مناقبها وجليل فضائلها يرضي النبي - ﷺ - كثيرا ويسره - ﷺ - سرورا عظيما عظيما، وعكس ذلك يسوؤه إساءة بليغة بليغة ويغضبه غضبا شديدا شديدا. ومن زعم بقلة عقله وفساد ذوقه واختلال دينه واعتلال يقينه أن رسول الله - ﷺ - لا يبالي بها ولا يؤثر فيه مدحها وذمها يلزمه أن يجدد إيمانه، لأن ذلك من أقبح العيوب التي يجل قدر رسول الله - ﷺ - عنها، فإن من لا يهتم في شئون حرمه ولا يؤثر به مدحها
[ ١٥٨ ]
وذمها لا يعد من كرام الناس. ومعلوم أنه - ﷺ - أكرم العالمين وأكمل الخلق أجمعين بكل وصف جميل وخلق جليل، ولا يرتاب أحد في أن الكريم من الناس يهمه أمر حرمه مثل أقاربه بل أكثر. وقد صح عنه - ﷺ - من حديث البخاري ومسلم وغيرهما أنه لما وقعت قصة الإفك في حقها ﵂ وتولى كبره رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول قام رسول الله - ﷺ - وصعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهل بيتي إلا خيرا» فقام سعد بن معاذ ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس قبيلتنا ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. والحديث طويل. قال ابن الأثير في أسد الغابة: ولو لم يكن لعائشة ﵂ من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلا وعلو مجد، فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة، ولولا خوف التطويل لذكرناها بتمامها. اه.
ومن شك في براءتها ﵂ فهو كافر لتكذيبه
[ ١٥٩ ]
القرآن. (١)
إذا علمت ذلك أيها الشيعي وكان عندك ذرة من الإنصاف والإيمان الصحيح وحب النبي - ﷺ - الذي يقتضي وجوب محبتك له ولكل من يحبه وكراهتك لكل من يكرهه، تعلم يقينا أن توقير السيدة عائشة ﵂ والثناء عليها من أوجب الواجبات الدينية التي ترضي الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وهو الموافق للحقيقة ونفس الأمر؛ والعكس بالعكس. فدع ما نشأت عليه في شأنها ﵂ فإنه مخالف كل المخالفة لحكم العقل والنقل والذوق السليم، واتبع في محبتها والثناء عليها رب العالمين وسيد المرسلين وجميع المؤمنين ترض ربك ونبيك وأحبابك أهل البيت الكرام، ولا سيما ساداتهم العظام. فوالله الذي لا إله إلا هو إنهم لا يرضون إلا بذلك ويعلمون أن كل من أبغض السيدة عائشة أو ذمها فهو هالك. وكيف يرضيهم كراهة حرم جدهم الأعظم - ﷺ - وأحب نسائه إليه وأعزهم عليه، وهي عرضه - ﷺ - الذي يعود إليه كل ما وجه إليها من مدح أو ذم. وهل يرضى منك
_________________
(١) النور: ٢٦ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾
[ ١٦٠ ]
بذلك أحد من أمته - ﷺ - المؤمنين، فضلا عن أهل بيته الطاهرين، ﵃ أجمعين، فاقتد بهم وبعلي ﵁ الذي أنت تكرهها لأجله، فهو كان أعرف منك وأتقى لله وأعلم بما يرضيه ويرضي رسوله الأعظم - ﷺ -، وقد أكرمها ﵂ غاية الإكرام وتجاوز عن كل ما صدر منها من الخطإ في ذلك المقام. وإذا لم يكن ذلك لأجل فضلها فهو لأجله - ﷺ -، "* ولأجل عين ألف عين تكرم *"