قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) قال البيضاوي: وقرئ وهو أب لهم، أي في الدين، فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة، ثم قال عند قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ على الحقيقة فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكل رسول أبو أمته لا مطلقا بل من حيث أنه شفيق ناصح لهم واجب التوقير
_________________
(١) الأحزاب: ٦
[ ١٦٦ ]
والطاعة عليهم. انتهى كلام البيضاوي.
إذا علمت ذلك تعلم أن عليا ومن بغى عليه من الصحابة وغيرهم من المؤمنين كلهم بمترلة أولاد النبي - ﷺ -، ولا شك أنه - ﷺ - لو وقع الخلاف بينهم في حياته وتحاكموا لديه لحكم لعلي عليهم ولكره محاربتهم له وخروجهم عليه؛ ولكنه مع ذلك لا يتبرأ منهم، لأن شفقته عليهم أعظم من شفقة آبائهم الحقيقيين، بل أعظم من شفقتهم على أنفسهم بنص الآية المذكورة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ مع جزمنا بأنه يقدم عليا ويفضله لأسباب كثيرة. منها كونه أكثر منهم فضائل من وجوه شتى كالعلم والشجاعة وسبقه للإسلام وغير ذلك. ومنها كونه ابن عمه أبي طالب شقيق والده عبد الله الذي ربى النبي - ﷺ - صغيرا ونصره على أعدائه كبيرا. ومنها أن النبي - ﷺ - رباه في بيته صغيرا حتى كان بمترلة ولده. ومنها أنه زوجه ابنته سيدة نساء العالمين السيدة فاطمة أحب أولاده إليه - ﷺ -. ومنها أنه أبو سبطيه الحسن والحسين وجد ذريته
[ ١٦٧ ]
الطاهرة. ومنها أنه صاحب الحق في الخلافة ومن حاربوه كانوا بغاة عليه. ومنها أنهم بمحاربتهم له شغلوه وشغلوا أنفسهم وجميع الأمة إذ ذاك عن الجهاد في سبيل الله وتسببوا لقتل ألوف كثيرة من المسلمين من جماعتهم وجماعته، وهم كلهم مؤمنون بمترلة أولاده - ﷺ -. فلا شك أن ما وقع منهم لا يرضيه ﵊، ومع ذلك فكل إنسان منصف إذا تصور حالة نفسه مع أولاده الذين يبغي بعضهم على بعض يتحقق أن النبي - ﷺ - وإن آلمه بغي بعض أصحابه على علي، فهو لا يريد هلاكهم بل يحب عفو الله عنهم وشمول مغفرته وسعة كرمه إياهم، وهذا مما لا شك فيه. ويدل عليه عفو النبي - ﷺ - عن أعدائه نفسه الذين حاربوه ونصبوا له حبائل الكيد والمكر من أول بعثته إلى فتح مكة من صناديد قريش حتى أسلموا وتألفهم بما قدر عليه من اللطف والعطاء الكثير حتى حسن إسلامهم. وكان الله تعالى قبل الهجرة أرسل إليه ملكا فخيره في هلاكهم وهم كفار فلم يختر ذلك قائلا: "عسى أن يخرج الله من أصلابهم من
[ ١٦٨ ]
يوحده"، فهذه كانت معاملته - ﷺ - مع أعدائه الكافرين، فكيف تكون معاملته مع أحبابه المؤمنين الذين هم بمترلة أولاده إذا أخطئوا بمحاربة علي، لا شك أن هؤلاء هم أولى بالعفو بكثير. ولا يخطر ببال عاقل منصف خلاف ذلك. والله أعلم.